حوراء غندور: الحياد في زمن الذكاء الاصطناعي خيانة تربوية

حوراء غندور 1 فبراير 2026 الحياد في زمن الذكاء الاصطناعي خيانة تربوية
لمّ يعد التحدّي الأكبر الذي يواجه التعليم العربي اليوم هو ضعف الإمكانات أو شحّ الموارد، بل غياب السؤال الأخلاقي أمام الاندفاع غير المدروس نحو الذكاء الاصطناعي.
دخل الذكاء الاصطناعي إلى مدارسنا وجامعاتنا تحت عناوين براقة: التحديث، السرعة، الكفاءة، والنتائج الفورية. دخل من بوابة “التطوير” لا من بوابة التربية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي بعقول أبنائنا؟
حين يتحوّل التعليم إلى ضغط زر
المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في الفلسفة التي تحكم استخدامها. حين يُختزل التعلّم في إجابة جاهزة، ويُقاس الفهم بسرعة الإنجاز لا بعمق التفكير، يصبح الطالب متلقيًا لا باحثًا، ومستهلكًا لا صانع معرفة. وعندما يتحوّل المعلّم إلى مجرّد مُشغّل أدوات رقمية، نخسر أهم عنصر في العملية التربوية: القدوة الإنسانية.
في هذه اللحظة، لا نكون قد حدّثنا التعليم، بل جرّدناه من روحه.
الذكاء الاصطناعي لا يربّي
الذكاء الاصطناعي لا يعلّم القيم، ولا يزرع الضمير، ولا يفهم السياق الثقافي والاجتماعي لشعوب أنهكتها الأزمات والحروب. لا يشعر بخوف طالب، ولا بارتباك مراهق، ولا بثقل الذاكرة الجماعية التي يحملها المتعلّم العربي أينما ذهب.
التربية فعل إنساني عميق، وكل تعليم يُقصي الإنسان يتحوّل إلى تدريب تقني بارد، يُنتج مهارات بلا وعي، ومعرفة بلا مسؤولية.
الخطر في السياق العربي
في عالمنا العربي، لا يُعدّ التعليم مسألة تقنية فقط، بل مسألة وجود وهوية. فالمناهج تصنع الوعي، والوعي يصنع القدرة على المقاومة الفكرية، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل. وعندما نُدخل الذكاء الاصطناعي بلا إطار أخلاقي وتربوي واضح، نفتح الباب أمام جيل يعرف كيف يستخدم الأدوات، لكنه لا يعرف لماذا يستخدمها، ولا لمن.
متى يصبح الذكاء الاصطناعي فرصة؟
يصبح الذكاء الاصطناعي ثورة إبداعية حقيقية فقط عندما نضع الإنسان في المركز، ونُبقي المعلّم قائدًا لا تابعًا، ونجعل التفكير النقدي أولوية لا ترفًا. عندما نستخدم التقنية لتعميق الفهم لا لاستبداله، ولتحرير الوقت للإبداع والحوار لا لقتل السؤال. عندها فقط، يمكن للتكنولوجيا أن تخدم التعليم بدل أن تبتلعه.
الحياد خيانة تربوية
الصمت في لحظة تحوّل تاريخي ليس حيادًا، بل تنازل غير معلن. والتعليم الذي لا يعلّم طرح الأسئلة، يُنتج أجيالًا لا تحسن الدفاع عن الحقيقة، ولا مواجهة التزييف، ولا حماية مجتمعاتها من الاستلاب الفكري.
المعركة ليست تقنية… بل أخلاقية
هذه ليست معركة أدوات، بل معركة معنى ورسالة.
إما تعليم يُنتج إنسانًا واعيًا، حرًّا، ناقدًا ومسؤولًا،
وإما تعليم يُنتج مستخدمًا مطيعًا، سريعًا، فارغًا من العمق.
الذكاء الاصطناعي لن يقرّر مصير التعليم العربي. نحن من سيفعل.
وسيسألنا التاريخ يومًا:
هل استخدمتم الذكاء الاصطناعي لبناء العقول…
أم سمحتم له أن يختصرها؟


