إندبندنت: الانهيار الكبير للعملات المشفرة بدأ والآتي أعظم

إندبندنت 9-2-2026، كريس بلاكهيرست* : الانهيار الكبير للعملات المشفرة بدأ والآتي أعظم

تماماً كما يحب بعض الرجال التفاخر بأن يخوتهم هي الأكبر، لا شك في أن الهوس بالحجم (يمكنني استبدال تشبيه آخر به لكنني أخال البديل مفهوماً ضمناً) يظهر بوضوح لدى شركات التكنولوجيا العملاقة عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي.
هكذا تقدم جيف بيزوس ليعلن عن استثمار ضخم بقيمة 200 مليار دولار (147 مليار جنيه استرليني) في تطوير الذكاء الاصطناعي وبنيته التحتية، وذلك بعدما قال مارك زوكربيرغ (صاحب الجسد الرياضي المشدود حديثاً) إن شركة “ميتا” ستنفق 135 مليار دولار في هذا المجال، ثم دخل سوندار بيتشاي، رئيس “غوغل”، على الخط معلناً استثمارات في القطاع تبلغ 185 مليار دولار.
إنه لأمر طريف كيف تتصاعد الأرقام باستمرار. أمر طريف، لكن قلة فقط تجد فيه ما يثير الضحك.
نحن نتحدث هنا عن مليارات، لا عن ملايين. ما يجري أشبه بهوس جماعي، أو بالأحرى جنون مجموعة صغيرة من الأقوياء الذين يعتقدون أن الرقم الأكبر يعني الأفضل. الأمر نفسه ينطبق على يخوتهم ومنازلهم – وسائر مظاهر الاستعراض التي لا نريد ذكرها.
لا يبدو أن دروس التاريخ، حول الفقاعات التي تتضخم ثم تنفجر، تعني كثيراً لهم. التعلم من الماضي؟ لا، إنها مدرسة قديمة. أين يمكن العثور على مبادئها؟ في الكتب. يا للهول. نحن نتحدث عن الوقت الحالي والمستقبل وهو ملك لنا. الهوس التاريخي بزهور التوليب؟ لا علاقة له بهذا.
هم يتجاهلون أيضاً الصدمة التي أحدثتها شركة “ديب سيك” الصينية، التي طورت تقنيات أقل تكلفة بكثير في مجال الذكاء الاصطناعي. أين يضع المستثمر أمواله؟ لدى أولئك الذين يتباهون بأنفسهم ويستعرضون قوتهم وأشياء أخرى، أم لدى أولئك الهادئين الذين يعملون باستراتيجيات بعيدة الأجل ومدروسة بعيداً من الأضواء؟
يا للأسف، لا يملك كثيرون خياراً حقيقياً، لأن الشركات الأميركية العملاقة تهيمن على الأسواق المالية، وليس أمامنا سوى مراقبة اندفاعها المحموم (الذي يجر معه – على ما أجرؤ الزعم – مدخرات تقاعدنا أيضاً).
هذا الأسبوع، أعلنت الشركات الثلاث الكبرى المذكورة، إضافة إلى “مايكروسوفت”، أنها ستضخ 650 مليار دولار في مشاريع الذكاء الاصطناعي وما يرتبط بها. وبينما تحرص هذه الشركات على إبراز الرقم الإجمالي الضخم، تحيط بغموض الموعد الذي تتوقع فيه استرداد هذه الاستثمارات. هذه مفارقة أخرى طريفة.
قال الرئيس التنفيذي لشركة “أمازون”، أندي جاسي، لمحللين إن الذكاء الاصطناعي “فرصة غير عادية”، مؤكداً أنه سيكون مربحاً في المستقبل. لا شك في ذلك. وأضاف: “أؤمن بشدة بأن كل تجربة يعيشها العملاء اليوم ستُعَاد صياغتها بفضل الذكاء الاصطناعي”. ثم تابع: “سنستثمر بقوة وبلا تردد”.
تصريحات جميلة، لكن سهم “أمازون” تراجع بنسبة 11 في المئة عقب هذه التصريحات. وجاء إعلان استثمار 200 مليار دولار في القطاع (تُضَاف إلى 125 ملياراً أُنفقت في العام الماضي على هذه التقنية) متزامناً مع أخبار أخرى، أبرزها تسريح 16 ألف موظف بعد الاستغناء عن 14 ألفاً في أكتوبر (تشرين الأول) 2025. كذلك تم الإجراء بعد عمليات تسريح في صحيفة “واشنطن بوست” المملوكة لبيزوس.
لم تكن “أمازون” وحدها في المعمعة. تراجعت أيضاً أسهم “ميتا” و”مايكروسوفت”، فيما أدت المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى تراجع الأسهم على نطاق واسع.
وليس من قبيل المصادفة أن تتلقى “البيتكوين” ضربة قوية أيضاً، إذ هبطت إلى ما دون 65 ألف دولار – في أدنى مستوى لها منذ عام 2024 – مما محا المكاسب التي حققتها منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. بصفتها العملة المشفرة الأكثر انتشاراً، كانت “البيتكوين” الأكثر تضرراً، لكن العملات المشفرة الأخرى تكبدت خسائر كذلك. ويرتبط جزء من هذا التراجع بقلق المستثمرين من الذكاء الاصطناعي، مما يجعل كل ما له صلة بالتكنولوجيا عرضة للتقلب.
غير أن ثمة عاملاً آخر يتمثل في الشك المتزايد بأن تقديرات حجم سوق العملات المشفرة قد تكون مبالغاً فيها، وأن الضجة المثارة حولها لن تترجم إلى أي شيء محسوس قريباً، ليس بعد، وربما أبداً.
كان قادة قطاع الذكاء الاصطناعي (وهم رجال دائماً) حاضرين بقوة في حفل تنصيب ترمب في العام الماضي، وحظوا بأبرز المقاعد. ترمب معجب بهم وبقطاعهم، مثلما هو معجب بالعملات المشفرة. لقد تعهد بجعل الولايات المتحدة “عاصمة العملات المشفرة في العالم”. ووعد بتحييد الجهات التنظيمية التي تفرض قواعد وقيوداً اعتبرها مفرطة مؤكداً أنها لا تفهم طبيعة هذا القطاع. أما هو، دونالد جاي ترمب نفسه، سيبرهن للجميع صحة رؤيته. وبفعل هذه التصريحات المتحمسة، بنبرة التحدي والاستعراض، شهدت “البيتكوين” والعملات المشفرة انتعاشاً كبيراً، إذ تجاوزت “البيتكوين” 125 ألف دولار في مرحلة ما.
وقع ترمب بالفعل إجراءات داعمة للعملات المشفرة. لكن ماذا بعد؟ لم يتحقق الزخم التشريعي الأميركي الموعود، كما لم تتبن دول كثيرة الحماسة نفسها. بعضها تحمس لكن ليس كلها – المملكة المتحدة لا تزال متحفظة، وفي أماكن أخرى يسير التقدم نحو عالم العملات المشفرة ببطء شديد.
قد يُطلَق على ترمب لقب “رئيس البيتكوين” – هو الوصف الذي منحه إياه رئيس شركة “استراتيجي” Strategy المتخصصة في شراء “البيتكوين” بكثافة مايكل سايلور، (من غيره سيطلق هذا اللقب؟) – لكن ذلك لم يمنع أسهم شركة سايلور من فقدان ثلث قيمتها منذ بداية العام. ويواجه سايلور خسائر دفترية ضخمة قد تُصيب المرء بالذهول، إذ سجل عجزاً قدره 12.4 مليار دولار في الفصل الرابع من العام الماضي وحده، وذلك قبل أحدث تراجع لـ”البيتكوين”.
ربما يجد سايلور بعض العزاء في أن شركته ليست الأكثر تضرراً. لقد تراجعت أسهم منصة “جيميني” لتداول العملات المشفرة بنسبة 80 في المئة منذ طرحها في البورصة في سبتمبر (أيلول). كذلك بدأت الشركة تقلص عدد موظفيها وتخفض بعض عملياتها.
قد تعاود أسعار العملات المشفرة الارتفاع، لقد حدث ذلك من قبل. لكن الوضع الحالي يبدو أكثر خطورة. تتلاشى موجة النشوة التي سادت سابقاً سريعاً، وربما لن تعود. من المؤكد أن الانطلاقة الكبرى التي بشر بها ترمب لم تتحقق كما كان متوقعاً، أو بالأحرى تحققت فترة وجيزة قبل أن تعاود العملات المشفرة الهبوط.
في المقابل، يواصل الذهب والفضة الارتفاع. هذه مفارقة أخرى طريفة.
*صحافي متخصص في شؤون قطاع الأعمال



