إسرائيل اليوم: انهيار آيات الله والشرك التركي

إسرائيل اليوم 30/1/2026، د. حي ايتان كوهن ينروجك: انهيار آيات الله والشرك التركي
مع إعادة جثة المخطوف الأخير ران غوئيلي بلغت الحرب الأطول في تاريخ إسرائيل منتهاها.
لا شك أن هذه الحرب أحدثت حراكا تكتونيا في الشرق الأوسط كله. فطوق النار الذي اقامته ايران حول إسرائيل هُزم في معظمه بعد معركة طويلة. فقد نجحت دولة إسرائيل في استعراض تفوقها العسكري، الاستخباري والتكنولوجي. نصر ساحق ضد ايران اضعف نظام آيات الله. والان، في ظل الاحتياجات العاصفة، المشاكل الاقتصادية الحادة وأزمة المياه الخطيرة يواصل النظام التشبث فقرون مذبح الحكم بقوة الذراع.
من جهة تركيا راضية عن اضعاف ايران، خصمها التاريخي. من جهة أخرى ترفض التسليم بالارتفاع الشاهق لقوة إسرائيل في المعادلة الاستراتيجية.
في نظرة الى الوراء تتضح حقيقة أن احد التداعيات المركزية للمواجهة بين إسرائيل وايران هو أن القدس بعد أن هزمت طهران، حولت بيديها تركيا الى الدولة الإسلامية الأقوى في المنطقة. وهكذا وجدت إسرائيل وتركيا نفسيهما وحيدتين في القمة الشرق أوسطية.
إسرائيل كـ “تهديد على تركيا”
تذكير: علاقات إسرائيل – تركيا توجد في اسفل الدرك منذ نشوب الحرب في 7 أكتوبر، وذلك في اعقاب تبني سياسة خارجية مؤيدة لحماس من جانب رئيس تركيا رجب طيبة اردوغان.
في اثناء الحرب في غزة، ومع ان إسرائيل لم تشكل أي تهديد على تركيا، اختارت أنقرة الإعلان عنها كالتهديد المركزي على امنها القومي.
الى جانب التطورات في ايران، فان الاحتكاك بين الدولتين – سواء في سوريا، سواء في شرق البحر المتوسط ام في محور الصومال – ارض الصومال، فاقم التوتر. وبينما تسعى تركيا الى توثيق الطوق الخانق حول إسرائيل من خلال تحالفات إقليمية تعقدها مع جيران سوريا والمحاولة لربط السعودية والباكستان، تجري إسرائيل مناورات ذكية من خلال تعزيز حلف استراتيجي مع اليونان وقبرص، بل ولم تتردد للاعتراف بارض الصومال. في ظل كل هذه التطورات الدراماتيكية نشبت في نهاية كانون الأول مظاهرات في ايران، يمكنها ان تغير ميزان القوى في كل المنطقة.
صرف الانتباه
في نظرة أولى، لو كنا فحصنا تركيا العلمانية في التسعينيات لكان يمكن لنا أن نفترض بان أنقرة في حينه كان يفترض بها أن ترحب بتغيير محتمل للحكم في ايران. لكن ردود فعل تركيا في عصر اردوغان تختلف جوهريا عن سابقتها. تركيا اردوغان مقتنعة بان تغيير النظام في ايران سيشكل تهديدا مباشرا على المصالح التركية في الدولة المجاورة. فقد صرح الوزير فيدان في مقابلات في التلفزيون الرسمي بان إسرائيل هي المسؤولة المباشرة عن المظاهرات في ايران. بكلمات أخرى، في انقرة يعتقدون ان حكما إيرانيا جديدا كذاك الذي يمكن أن يكون بقيادة رضا بهلوي في اليوم التالي – سيكون حليفا قريبا لإسرائيل وكفيل بان يعمل ضد تركيا. لهذا السبب، فان تركيا اردوغان تمنح اسنادا علنيا لنظام ايات الله.
في أنقرة يفهمون بان بقاء الحكم في طهران يفرض على إسرائيل توزيع المقدرات. وبالتالي ترى تركيا من الصواب اسناد آيات الله انطلاقا من إرادة باردة ومحسوبة لابقاء القدس عالقة في الوحل الإيراني.
رغم كل ما قيل، فان السياسة التركية المؤيدة للنظام في ايران ليست موجهة فقط وحصريا ضد إسرائيل. واضح أنه فضلا عن الاعتبارات الجيوسياسية، في انقرة قلقون بعمق من إمكانية ان نشعل اهتزام بالنظام في ايران موجة هجرة جماعية أخرى نحو حدودها. فبعد كل شيء، لا تزال تركيا تحمل على ظهرها عبء ملايين اللاجئين من الحرب الاهلية في سوريا.
محاكاة الاحتجاج – في تركيا
الى جانب سيناريوهات الهجرة، في انقرة يخشون من أن فراغا سلطويا في غرب ايران سيسمح للاكراد المحليين بإقامة حكم ذاتي، أو أسوأ من ذلك في حالة تفكك ايران، انبعاث “جمهورية مهباد”، الدولة الكردية المستقلة الأولى والوحيدة في التاريخ التي قامت وانهارت في 1946. هذه السابقة، في نظر انقرة، لا تشكل فقط تحديا داخليا تجاه السكان الاكراد في تركيا، بل تعتبر كتهديد محتمل، تشعل التطلعات القومية الجماعية للاكراد في العراق وفي سوريا على حد سواء.
إضافة الى ذلك في المناخ السياسي الذي تعاني فيه الديمقراطية التركية من تآكل متسارع، وبينما الخصم المركزي لاردوغان، رئيس بلدية إسطنبول اكرم امامولو، قيد الحبس، تخشى انقرة من الاثار الواسعة لما يجري في ايران. ان نجاح الاحتجاجات الجماهيرية في احداث تغيير للنظام في طهران من شأنه أن يخلق سوابق خطيرة من ناحية اردوغان: بث أمل في أوساط المعارضة وهز المنظومة السلطوية.
على أصحاب القرار في أنقرة أن يفهموا بان هذه المرة أيضا، مثلما حصل في حرب السيوف الحديدية، يجدون أنفسهم مرة أخرى في الجانب غير الصحيح من المتراس التاريخي. مسيرة تفكك النظام الإيراني انطلقت على الدرب ولم يعد التغيير مثابة ممكن بل يقين ينتظر لحظته. في هذه المصيرية يد إسرائيل هي العليا، والزخم الإقليمي ينتقل اليها بتصميم.
*باحث كبير وخبير في شؤون تركيا في مركز دايان – جامعة تل أبيب



