إسرائيل اليوم: المسار بين دلهي والقدس يمر عبر طهران

إسرائيل اليوم 25/2/2026، تسفي هاوزر: المسار بين دلهي والقدس يمر عبر طهران
زيارة رئيس وزراء الهند، نرنديرا مودي الى إسرائيل ليست حدثت دبلوماسيا عاديا. هي حدث يمكنه وينبغي له أن يشكل رصاصة البدء لبلورة استراتيجية سياسية محدثة. تجري الزيارة في وقت يوجد فيها المجال الذي بين البحر المتوسط وشبه الجزيرة الهندية في مسيرة إعادة تنظيم حول كتل إقليمية. لم يعد يدور الحديث عن ساحات منقطعة بل عن مجال متواصل مراكز القوة فيه تبحث عن التكتل والنفوذ. امام ناظرينا يتبلور محور سُني إسلامي واضح، ينبغي أن نسمه باسمه: كتلة “الاخوان المسلمين”. تخلق هذه الكتلة تحديا ذا تعقيدات لإسرائيل. فهو يعمل على تثبيت نظام إقليمي جديد باسناد امريكي أوروبي مفعم بالمفارقة، نظام يتعارض على نحو ظاهر مع المصلحة الإسرائيلية. في ضوء التوتر المتواصل بين الهند والباكستان فانه يتعارض على نحو صارخ مع مصالح الهند في المنطقة أيضا.
توفر تركيا للكتلة قيادة سياسية وعسكرية، فيما تشكل قطر محركا ماليا، والباكستان تعرض اسنادا سياسيا مرفقا بمظلة نووية. اليهم جميعهم تنضم السعودية – لاسباب تتعلق بالمنافسة الإقليمية والحاجة الى إعادة التموضع. ومصر التي لا تزال تتردد وان كانت متعلقة عميقا بالمال وبالاستثمارات. دولة مثل مصر مع اقتصادها الهش سيصعب عليها ان تقف على مدى الزمن خارج المحور الذي يعرض عليها ظهرا اقتصادية وافقا سياسيا.
لقد حققت هذه الكتلة حتى الان إنجازات مبهرة في اشهر قليلة: سوريا سقطت في ايدي محور إسلامي – تركي، غزة توجد بسيطرة حماسية – تركية مطلقة. يهودا والسامرة في اليوم التالي لابو مازن توجد على بؤرة الاستهداف التركية – القطرية. بالتوازي هذا المحور يضرب العين على العراق ولبنان – دولتين ضعيفتين، ممزقتين وهما عرضة للنفوذ الخارجي. إسرائيل غفت في الحراسة حين التفت ربطة الخناق الشيعية حول رقبتها. محظور على إسرائيل أن تغفو مرة أخرى امام ربطة خناق “الاخوان المسلمين”.
ايران الغد
هنا تدخل ايران الى الصورة – ليس ايران اليوم بل ايران الغد. في نظرة تستشرف المستقبل توجد مصلحة تاريخية استراتيجية لاسقاط نظام ايات الله – الى ابعد بكثير من الحاجة الى إزالة التهديدات الأمنية المعروفة لنا بالحاضر. تغيير النظام في ايران هي خطوة جيوسياسية ضرورية ومصيرية ستشكل عنصرا ذا وزن جوهري في قدرة إسرائيل المستقبلية على مواجهة تحديات الغد. ايران ما بعد ايات الله – لا ثيوقراطية، لا ثورية ولا امبريالية – يمكنها وينبغي لها أن تكون شريكا طبيعيا للهند ولاسرائيل في الجهد صد كتلة إسلامية – سُنية راديكالية بقيادة تركيا وقكر وباسناد باكستاني. نظام إيراني مؤيد للغرب سيضمن استقرارا وتوازنا في الشرق الأوسط المستقبلي. محور هندي – إيراني – إسرائيلي سيشكل وزنا مضادا وبديلا لدول أخرى في المنطقة بل وسيكبح الانجراف الأمريكي لاتجاه تركيا وقطر.
زيارة مودي هذا الأسبوع يجب أن تركز على الفهم بان مصالح القدس ونيودلهي تتجاوز الساحة الثنائية وترتبط بميزان إقليمي أوسع. أولا وقبل كل شيء مطلوب رؤيا مشتركة لعمل فاعل لليوم التالي لايات الله في ايران.
للهند يوجد دور تاريخ في مثل هذه الوضعية: لقد كانت منذ الازل موضع اهتمام وحليف لإيران. على إسرائيل ان ترفع الرأس عن الساحة العسكرية وتفهم عظمة الفرصة السياسية – الاستراتيجية من زاوية نظرها. إسرائيل والهند تعلنان في زيارة مودي عن رفع مستوى منظومة العلاقات بينهما الى “علاقات استراتيجية خاصة”. التعبير عن ذلك لا ينبغي ان يكون فقط في كل ما يتعلق بالأسلحة بل أولا وقبل كل شيء بالتنسيق والتعاون لتصميم المجال.
فرص تنشأ وتختفي
الكثيرون سيشكون في إمكانية تغيير ميزان الرعب الإقليمي المتبلور. يخيل أحيانا ان قصر النظر السياسي هو علة جينية اصيلة في السياسة الإسرائيلية. لكن تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية في اعقاب تغيير الحكم ليست نظرية. رأينا هذا مؤخرا في سوريا حيث أدت التغييرات في القيادة الى فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة. رأينا هذا في فنزويلا، دولة اتخذت حتى وقت أخير مضى صورة الدولة المناهضة لامريكا والمناهضة للغرب بشكل صارخ، مستعدة اليوم لان تبيع النفط حتى لإسرائيل – خطوة كانت تبدو خيالية قبل اشهر قليلة فقط. الواقع الجيو سياسي اكثر سيولة مما يخيل. إسرائيل ملزمة بان تركز على الفرص الناشئة والمختفية بوتيرة سريعة وان تبدأ بالمبادرة الى خطوات – لا ان ترد عليها فقط.
يعلمنا التاريخ بان انعطافة كهذه ليست خيالية. في الستينيات والسبعينيات كان حلف استراتيجي بين القدس وطهران. تعاون في الامن، الاستخبارات والطاقة. حلف بين شعبين صغيرين في الشرق الأوسط بحثا عن توازن بين العالم العربي الراديكالي في حينه. واشدد، حلف أقليات في الشرق الأوسط هو الأساس الأكثر متانة لاستقرار منظومة علاقات بعيدة المدى في الشرق الأوسط، بخاصة ان يكون مثل هذا الحلف مسنودا من قوة عظمى صاعدة كالهند. ما فهمه بن غوريون في الخمسينيات يجب ان يكون جليا أيضا للقيادة في عصرنا.
لا يكفي إدارة التهديد
الخطاب الإسرائيلي عن ايران حبيس منذ سنين في مثلث دائم: نووي، صواريخ باليستية وإرهاب وكلاء. هذا تهديد حقيقي، خطير وفوري، ولا ينبغي الاستخفاف به. لكن الاستراتيجية القومية لا يمكنها أن تكتفي بإدارة التهديد. فدولة ترى نفسها قوة عظمى إقليمية مطالبة بان تفكر الى الامام، 20 و 30 سنة وتسأل ليس فقط كيف يمنع الخطر التالي بل كيف يصمم الشرق الأوسط التالي. بخاصة حين تفتح نافذة فرص نادرة لتغييرات جوهرية، وحيال نشاط مكثف من قوى عظمى إقليمية معادية تحاول بشكل فاعل تصميم المجال وفقا لاحتياجاتها.



