أحمد دخيل: عُبابُ الرماد… ولُجَّةُ الأمل
أحمد دخيل 19-1-2026: عُبابُ الرماد… ولُجَّةُ الأمل
بين تلال الركام التي ما زالت تتنفّس غبار الموت، وتحت عصف الريح الذي يعوي في تجاويف الخيام، تنبثق من عمق الجرح بارقة، تشقّ ظلام النفق الطويل، حاملةً رائحة الحياة، ورجاءً عنيداً بأن تنتهي، ولو بعد حين، معاناةٌ أكل الدهر عليها وشرب.
إنها «اللجنة». كلمة قد تبدو إداريةً جافة، لكنها تحمل تحت جلدها نبض شعبٍ يطلب الإغاثة، ويستعيد ما سُلب من كرامته، ويعيد إعمار ما تهدّم من بيوتٍ وذاكرةٍ وأحلام.
غزة تعرفهم. تعرف في هذه اللجنة وجوهاً حملت الوطن في جفونها قبل أن تحمله في أوراقها. رجالاً لا يشكّ عارفٌ في كفاءتهم ولا في وطنيتهم ولا في إخلاصهم لفلسطين، أمّ الجميع. إخوةٌ وأصدقاء، اختُبروا في محراب العمل الصامت قبل ضجيج المواقع، وفي قسوة المسؤولية قبل فتنتها. وبرغم كل الملابسات التي أحاطت بولادة الإطار، وبرغم ثقل الأسئلة القلقة التي تتدلّى كسكاكين فوق الرؤوس، فإنهم يشكّلون منفذاً للهواء، ونقطة ارتكاز يمكن، إن أُحسن القبض عليها، أن نرفع بها بعض هذا الجبل من المآسي.
فالطريق إلى المرحلة الثانية أهمّ من بلوغها. طريق الآلام هذا، حيث الجوع والمرض والتشريد، أعلى كلفةً بكثير من كلفة الغموض الذي يكتنف المهمة. غير أن الغموض نفسه هو اللغم الأول الذي ينبغي تفكيكه.
هذه اللجنة وُلدت من رحم هزيمة مروّعة، ومن قلب حرب إبادة واجهها شعبنا بصمودٍ تاريخي سيخلده سجلّ الأمم. وهي ابنة واقعٍ مرير، رفضت «حماس» قراءته بعين السياسة وموازين القوى، وظنّت نفسها «اليوم التالي»، فإذا بها تصل إلى اللحظة نفسها التي حذّرنا منها، ولكن بعد أن خَسرت رفح، وخَسرت القدرة، وخَسرت عشرات الآلاف من الأرواح والبيوت، وأوقعت شعبها في مجاعة لم يشهد لها التاريخ الفلسطيني مثيلاً.
كان التأخر في فهم حقائق التاريخ فادحاً ومهيناً. وكانت النتيجة أن تأتي اللجنة بشهادة ميلادٍ توافقية على أسمائها، كما قيل .
مفارقةٌ قاسية: شخصيات من أكثر الوجوه احتراماً ووطنية، تخرج من مسارٍ جريحٍ ومذلّ. وهذا هو الجرح الذي يجب مداواته، لا إدارته.
فقوة اللجنة الحقيقية لا تكمن في قبولٍ إسرائيلي مؤقت، إنه وليد عقم الخيارات الإسرائيلية نفسها. إسرائيل لا تريد حكم غزة، ذلك كابوس لعقلها العسكري. جرّبت حكم الروابط، والعشائر، والبدائل، وفشلت. وها هي اليوم ترى في هذه اللجنة مخرجاً من المستنقع. هنا تكمن ورقة القوة الفلسطينية: الرفض الأعمى يعمّق المأزق، والقبول الواعي يفتح باب المناورة. وعلى اللجنة أن تدرك أن وجودها ليس تفصيلاً إدارياً، فهي طرف في معادلة سياسية دقيقة.
غير أن شرط النجاح الأول هو ألّا تتحوّل إلى أداة تفتيت. خطاب نتنياهو المبكر: «لا حماسستان ولا فتحستان» ما زال قائماً. ورغم أن غالبية أعضائها من الاداريين المهنيين ، تصرّ إسرائيل على أن تعمل بمعزل عن السلطة الوطنية، وبلا ارتباطٍ بمنظمة التحرير الفلسطينية، المشروع الوطني الجامع. وهذا يعني تكريس الانفصال بين الضفة وغزة، وهي الكارثة التي حذّرت منها الرئاسة الفلسطينية في بيانها الترحيبي الحذر، محذّرة من «المؤقت الدائم»، ومن الازدواجية والتجزئة والتشتيت.
هنا تُخاض المعركة الحقيقية. فالتاريخ الفلسطيني علّمنا أن الانقسام بعد النكبة، تحت أنظمة متعددة، أنتج مجتمعات متغربة، إلى أن جاءت منظمة التحرير في منتصف الستينيات بهويةٍ واحدة، ثم جاءت السلطة بقوانين موحِدة وثقافة وطنية جامعة. كانت لحظة لملمة الجرح الكبير. قبل أن تأتي فعلة «الانقلاب البغيض» 2007، فتقلب المسار، وتعيد الشقاق في ذروة محاولة التجمّع.
من هنا، فإن مهمة اللجنة، بين مطرقة الظروف الكارثية للنازحين وسندان الاشتراطات الإسرائيلية، فالمهمة لا تقتصر على إزالة الركام المادي وبناء المنازل. إنما الأصعب هي إزالة ركام المشروع التفتيتي وإعادة بناء المجتمع الفلسطيني. وأن تكون همزة وصل لا أداة قطع. أن تبني جسراً نحو الوحدة، وتهدم جداراً يقسّم الوطن.
وكان أول الاختبارات على معبر الكرامة، بتعطيل سفر رئيسها، في رسالةٍ فظة: الطريق مفروش بالاستدراكات، من جثة الجندي إلى ملف السلاح.
نعم، السياسة ابنة موازين القوى، ونحن نعيش نتائج هزيمة قاسية. لكن حتى في قلب الهزيمة، ثمة مساحات للمناورة، إن حُسنت إدارتها، لحماية ما تبقى من الأمل. قوة اللجنة تكمن في إعلانها الواضح أنها جزء لا يتجزأ من الجسم الوطني الواحد، تابعة للسلطة ومرتبطة بالمنظمة، وهنا القضية لا تعد مسألة إجرائية، إنها مسألة حياة أو موت للمشروع الوطني.
فليبدأوا العمل. وليفكّوا ألغام الذرائع التي يخلقها «ذئب الليكود». وليفتحوا معابر الحياة. وليشرعوا في إعمار الحجر والبشر. لكن ليكن واضحاً، في كل خطوة:
نحن فلسطينيون… شعب واحد، وهوية واحدة، ومصير واحد.
لسنا «لجنة غزة»، نحن يدٌ تعمل من أجل فلسطين في غزة.
قد يكون الغموض أداة في السياسة، لكن الوضوح في الهوية هو البوصلة التي لا تحتمل الالتباس. ففي الوحدة وحدها، حتى وهي وليدة ألمٍ مهين، تكمن إمكانية النهوض من تحت عُباب الرماد… نحو شروقٍ نستحقه.



