صقر أبو فخر يكتب – التراجع إلى خط الدفاع الثاني .. من الشيوعية إلى العلمانية
صقر أبو فخر – 22/5/2019
ما عاد كثير من اليساريين الجدد، وحتى القدامى القابضين على جمر اليسار، يحتملون قراءة تقارير المؤتمرات الحزبية، أو حتى بياناتها السياسية، بل يكتفي المرء عادة بإمرار البصر على الفقرات والعناوين الفرعية، وحسب المرء ما رأى، لا ما قرأ، مع أن الخبر ليس كالمشاهدة بالنظر. وفي هذا المناخ، يأتي الكتاب الذي أصدرته منظمة العمل الشيوعي في لبنان، والذي يحوي خلاصة الأفكار التي تمخض عنها المؤتمر العام الرابع للمنظمة (2018)، ليتخطّى الكساح التقليدي في بيانات المؤتمرات الحزبية التي كانت لا تكل عن تزيين “أمجادها” الكلامية بعباراتٍ مثل “لقد أثبتت الوقائع صحة موقفنا المبدئي”، أو “إن سمة العصر هي التحوّل الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية”، أو “كنا أول من اكتشف أسباب ما يجري في منطقتنا”. والكتاب، فوق ذلك، نصٌّ فكري وسياسي ونضالي، يثير مسائل سجالية شتى، ولا سيما موقع اليسار اليوم في لبنان، علاوة على الديمقراطية والعَلمانية والطائفية، وغير ذلك من المسائل التي يحتدم النقاش في شأنها، لا في لبنان وحده، بل في العالم العربي كله. لكن فصول ذلك الكتاب لا تُقتصر على الموضوعات الفكرية، بل تعالج الواقع اللبناني بتفصيلاته المملة والمهمة في آن، كاتفاقي الطائف والدوحة والإصلاح السياسي وحزب الله والاقتصاد اللبناني وقانون الإيجارات والأزمة السورية وقضية فلسطين.
غاية هذا الكتاب الموسوم بعنوان “من أجل حزب يساري علماني” (بيروت: منشورات بيروت المساء، 2018) هي “مراجعة الهوية الفكرية للمنظمة، وإطلاق مبادرة لتجديد اليسار اللبناني” (ص4). وفي هذا الميدان، جرى التخلي عن الشيوعية، مع الاحتفاظ بها في اسم المنظمة. ولعل مردّ ذلك إلى أن الاسم إرث تاريخي عمره نحو خمسين سنة. وقد أوكل المؤتمرون إلى المؤتمر الخامس المقبل مهمة التخلص من كلمة الشيوعية في الاسم. لكن، بين المؤتمرين، الأول (1971) والثاني (2001) مر ثلاثون عاماً. وبين المؤتمرين، الثالث (2013) والرابع (2018) تقلصت الفجوة الزمنية نسبياً، فكم سيطول الزمن حتى تعقد المنظمة مؤتمرها الخامس، ويحسم مَن بقي من أعضائها اسم المنظمة؟ لنتذكّر أن مشروع محسن ابراهيم للتخلي عن مرجعية الماركسية – اللينينية، واقتراحه تأسيس منظمة يسارية ديمقراطية جديدة يعود إلى عام 1990، أي ثلاثين سنة إلى الوراء (انظر: سليمان تقي الدين، اليسار اللبناني وتجربة الحرب، بيروت: دار الفارابي، 2013، ص 169). ولمحسن إبراهيم باع طويل في استبدال الأسماء والشعارات؛ ففي أحد اجتماعات “الشباب القومي العربي” في سنة 1958، عرض استبدال اسم “الشباب القومي العربي” باسم آخر هو “حركة القوميين العرب”، وهذا ما حصل. وفي سنة 1959 اقترح استبدال كلمة “ثأر” في شعار القوميين العرب “وحدة تحرّر ثأر” بأي كلمةٍ غيرها مثل “استعادة فلسطين”. ومهما يكن
غاية الكتاب مراجعة الهوية الفكرية لمنظمة العمل، وإطلاق مبادرة لتجديد اليسار اللبناني”
الأمر، فإن عبارات محسن إبراهيم ووضاح شرارة وأحمد بيضون تطل من بين الصفحات، ثم لا تلبث أن تختفي مثل “الاستتباع” و”النصاب” و”السلم الأهلي البارد”. لكن شبح محسن إبراهيم وأفكار صديقنا الراحل خالد غزال، وأصابع زهير هواري، وغيرهم بالتأكيد، جلية إلى حد كبير في هذا النص المهم. أما مقالتي هذه فهي تتجاوز الاهتمام الطبيعي بتقرير منظمة العمل الشيوعي، لتعانق القضايا الأرحب التي أثارها ذاك التقرير، كالعلمانية واليسار والديمقراطية وسورية والنازحين السوريين. ولعل المقالة تساهم في النقاش الدائر اليوم على قدر تحصيلنا المعرفي، وهو قليل في أي حال.
تحولات اليسار وانقلابات اليساريين
من مفارقات تاريخنا السياسي المعاصر أن اليسار العربي الجديد لم يظهر في مجرى تحولات اليسار الشيوعي القديم، إلا في حالاتٍ مخصوصة، بل خرج من رحم الحركات القومية العربية، وبالتحديد من صفوف حزب البعث وحركة القوميين العرب. وكان لانفصال سورية عن مصر في 28/9/1961 أثر كبير في صعود الجيل الجديد من القوميين، وتحولهم إلى اليسار، أمثال ياسين الحافظ وحمود الشوفي وعلي صالح السعدي وحمدي عبد المجيد في حزب البعث، ومحسن إبراهيم ومحمد كشلي ونايف حواتمة في حركة القوميين العرب، ففي حزب البعث طُرحت الماركسية في المؤتمر القومي السادس (1963)، وفي حركة القوميين العرب طُرحت الاشتراكية منذ 1965. وفي كلا الجانبين، بدأ الكلام حينذاك على تخليص الفكر القومي من رومانسيته، وراح محمد كشلي ينشر خلال أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول 1966 سلسلة مقالات في مجلة الحرية، بعنوان “نقد التجربة الناصرية” و”نحو يسار عربي جديد”. وكانت أفكار “البعث”، التقدمية في ذلك الزمن، مخرجاً للشبان العرب الحائرين بين ثنائية الشيوعية والإسلام، فهؤلاء كانوا يتطلعون إلى العدالة الاجتماعية، من غير أن يكونوا شيوعيين، ويرغبون في أن يمارسوا حياتهم علمانيين من دون أن يتخلوا عن إيمانهم، أو أن يرتبطوا بالإخوان المسلمين. ثم صارت الماركسية بعد انفكاك الوحدة، ولا سيما بعد هزيمة 1967، ملاذاً فكرياً بعدما تخلخلت ركائز الفكر القومي، بنسختيه البعثية والناصرية.
في خضم تلك التحولات، شهدنا الهجرة من البعث إلى الناصرية (عبد الله الريماوي وجمال الأتاسي وفؤاد الركابي)، والهجرة من البعث إلى الماركسية (ياسين الحافظ وحمود الشوفي وحمدي عبد المجيد وعلي صالح السعدي) الذين أسسوا “حزب العمال الثوري العربي” في سورية. وفي لبنان ظهرت حركة لبنان الاشتراكي من ظهر حزب البعث (وضاح شرارة
“اليسار العربي الجديد خرج من رحم الحركات القومية العربية”
وفواز طرابلسي وأحمد بيضون ومحمود سويد)، وولدت “منظمة الاشتراكيين اللبنانيين” من نسل القوميين العرب (محسن إبراهيم ومحمد كشلي وآخرون). وفي موازاة ذلك، وقبل ذلك وبعده، هاجر إسلاميون إلى الماركسية (حسين مروة)،وماركسيون إلى الإسلام (منير شفيق ومحمد عمارة وعادل حسين). وعادل حسين هو أفضل مثال لتلك التحولات الفكرية المتقلقلة؛ فقد بدأ حياته السياسية في حزب مصر الفتاة، القومي المتطرّف، ثم انتقل إلى الشيوعية بعد ثورة 23 يوليو 1952، وانضم إلى الحركة الديمقراطية للتحرّر الوطني (حدتو). ومع هبوب رياح العالم الثالث، تحول إلى الماوية، وصار من مفكري هذا التيار، إلى جانب سمير أمين وآخرين. وفي سنة 1986، انضم إلى حزب العمل الاشتراكي، بزعامة إبراهيم شكري “أستاذ التنجيم وقراءة الكف”. وراح هذا الحزب يتحول، بالتدريج، إلى حزب إسلامي، بعد تحالفه مع “الإخوان المسلمين” في سنة 1987. في ذلك السياق المتدرج، وبالتحديد بين سنتي 1970 و1971، ظهرت منظمة العمل الشيوعي من اندماج البعثيين الماركسيين (حركة لبنان الاشتراكي) والقوميين العرب الماركسيين (منظمة الاشتراكيين اللبنانيين). وقد أطلقت سجالاتُ اليسار الجديد، طوال عقد السبعينيات من القرن المنصرم، حيوية فكرية، قلما شهدها لبنان من قبل، واتسمت “مرحلة نشأة اليسار الجديد بالتشدد اللفظي، والخلط بين المستوى الاستراتيجي والمستوي التكتيكي، وسيادة الجملة الثورية، ورفض التعاطي مع مؤسسات الواقع السياسي باسم النقاء الثوري، وطغيان السجال النظري على الصياغة السياسية البرنامجية، وتغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي، واستمرار النزاعات الشللية والحلقية” (سليمان تقي الدين، اليسار اللبناني وتجربة الحرب، مصدر سابق، ص71). غير أن معظم تلك السجالات الصاخبة جاءت، في محصلتها النهائية، خراجاً بلا غلّة، وتبيّن أن سيوفها من خشب، ورماحها من قصب، فتكسّرت عند أول معركة، وتركت الميدان للجماعات الإسلامية. وبرهانُ ذلك انتقال عدد لا بأس به من مثقفي منظمة العمل الشيوعي إلى مؤسسات طوائفهم، والتحاق آخرين بأكثر الفئات الرأسمالية جشعاً ونهباً، أي رأسمالية المقاولات العقارية التي جسّدتها السياسات الاقتصادية للرئيس رفيق الحريري، وكانت الذريعة ضرورة التحالف معه، في سبيل السيادة والحرية والاستقلال والإعمار، تلك السياسة النيوليبرالية العالمثالثية التي ما برح الاقتصاد اللبناني يدفع ثمنها ديوناً. والمعروف أن شيوعيات متخلفة كثيرة ظهرت في بلاد العالم خارج الشيوعية السوفياتية، المتخلفة بدورها، كالشيوعيات الكورية والكمبودية والألبانية (أنور خوجة)، والشيوعية اليوغسلافية لصاحبها الجنرال جوزف بروز تيتو. وتلك الهرطقات الشيوعية، مثل الهرطقات الدينية، ظلت أقلوية خارج بلدانها الأصلية، وعاشت على هامش المؤسسة الشيوعية السوفياتية العريقة، وتعيّشت على مخاصمتها ونقدها الذي كان صحيحاً في معظم جوانبه. وعندما انهار الاتحاد السوفياتي، ودشّن انهياره عصر الأفول الشيوعي، اندثرت معظم الشظايا الشيوعية كما يندثر الفطر من بين أسنان التماسيح التي تتعيش عليها الطيور؛ فما إن يموت التمساح حتى تختفي الطيور، فتهاجر أو تموت. ومثال ذلك حزب العمل الاشتراكي العربي، الرديف الحزبي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والذي راح يلملم العناصر غير الفلسطينية من بقايا حركة القوميين، أمثال هاشم علي محسن. وكان ذلك الحزب، بقيادة حسين حمدان، أقرب إلى الماوية (حزب الشعب والفلاحين وحزب شيوعي عربي موحد… إلخ). لكن، مع الهجوم الصيني على فيتنام في سنة 1979، انهارت الجاذبية الماوية، وبدأ الحزب يتقرّب من الشيوعية السوفياتية، الأمر الذي جعله بلا فائدة بوجود الأحزاب الشيوعية التقليدية.
هل تجديد اليسار ممكن؟
يتساءل الكتاب: لماذا تعثّر السير بتجديد اليسار خلال العقود الثلاثة الماضية؟ وما هي الأسباب
“يتساءل الكتاب: لماذا تعثّر السير بتجديد اليسار خلال العقود الثلاثة الماضية؟ وما هي الأسباب الموضوعية والذاتية لهذا التعثّر؟”
الموضوعية والذاتية لهذا التعثّر؟ (ص 23). ولعل عقابيل الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في سنة 1975 كانت من بين الأسباب الرئيسة لذلك التعثر، وهي كلمةٌ لطيفةٌ تحل في محل كلمة الفشل، فمجادلات اليسار بعد عام 1967 في شأن الثورة ورأسمالية الدولة وغيفارا وحرب الشعب والطبقات واليسار العالمي الجديد، وبيروقراطية الدولة السوفياتية والمقاومة الفلسطينية والتسوية مع إسرائيل، والتخلف الاقتصادي والثقافي والتنمية وصراع الدول التقدمية والدول الرجعية ودول النفط، وما إلى ذلك من أفكار ومفاهيم وعقائد وسياسات اندثرت كلها إلى حد كبير، مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وحل في محلها الكلام على الطوائف واليمين الانعزالي والتدخل الخارجي والاعتداءات الإسرائيلية والتسوية الداخلية اللبنانية، وإعادة صوغ النظام السياسي على أسس طائفية جديدة.
وترافق ذلك، خصوصاً مع انصرام سنة 1979، مع تحوّلات هائلة في الشرق الأوسط غيّرت وجه المنطقة جذرياً مثل الاجتياح السوفياتي لأفغانستان ونشوء “الجهادية الإسلامية” بصورتها الجديدة، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وتوقيع أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل، وتحطيم مقولة الصراع العربي – الإسرائيلي بخروج مصر منها، واندلاع الحرب العراقية – الإيرانية (1980) وفشل الميثاق القومي السوري – العراقي. وجاءت تلك التحولات متزامنةً مع تغيّرات جوهرية على النطاق العالمي، مثل صعود المحافظين وسياساتهم النيوليبرالية التي عبر عنها فوز مارغريت تاتشر في بريطانيا، ورونالد ريغان في الولايات المتحدة الأميركية، ومناحيم بيغن في إسرائيل، وانكشاف تخلف الاتحاد السوفياتي في سباق التسلح. وأدى ذلك كله إلى تغيير النظام الدولي بالتدريج، وإلى تغيير سياسات التنمية حتى في دول العالم الثالث، ثم تبنّي الخصخصة. وبدأت فكرة احترام سيادة الدول بالأفول، ثم غمرنا الإعصار الدموي للجماعات الإسلامية التكفيرية الذي ما زالت أنيابها بارزة.
في معمعان تلك التحولات التي “شقلبت” العالم كله، كان اليسار اللبناني (والفلسطيني
“كان اليسار اللبناني (والفلسطيني استطراداً) يقيم علاقاتٍ وثقى مع نظم استبدادية عربية”
استطراداً) يقيم علاقاتٍ وثقى مع نظم استبدادية عربية، مثل نظام أحمد حسن البكر – صدام حسين، ويتلقى الأموال منه، ويسكت على جرائمه. والأمر نفسه ينطبق على أنظمة معمر القذافي في ليبيا وهواري بومدين في الجزائر وعلي ناصر محمد في اليمن الجنوبي. وكانت إبداعات اليسار العربي، على المستوى السياسي، ضحلة جداً، فاليسار المصري على سبيل المثال قصر نشاطه بين عامي 1967 و1973 على المطالبة بالحرب على إسرائيل لتحرير سيناء، وكانت الغاية إحراج أنور السادات، فلما شنّ الأخير الحرب في 1973، ضاع ذلك اليسار، وصار دائخاً لا يعرف ماذا يفعل، حتى أن إسماعيل صبري عبد الله، الشيوعي الذي سُجن طويلاً، اختاره السادات وزيراً للتخطيط في إحدى حكوماته. واليوم، فإن تراجع اليسار، مرغماً في معظم الأحوال، إلى خط الدفاع الثاني، أي إلى إعلاء شأن الديمقراطية والعَلمانية، جعله يتخلّى عن الاشتراكية أحياناً، ويتبنّى مقولات الديمقراطية بوجهها الليبرالي، مثل “المجتمع المدني” و”التعددية السياسية” و”التنوع الثقافي”…إلخ. وفي هذا الميدان، غيرت أحزاب شيوعية اسمها، كالحزب الشيوعي الفلسطيني الذي صار “حزب الشعب”. وكذلك الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي الذي بات “حزب الشعب السوري” الذي لم يتورّع أمينه العام، رياض الترك، بعد سنوات طويلة من السجن، عن الدعوة إلى التحالف مع الإخوان المسلمين نكاية بالنظام السوري. واختفت مصطلحات شتّى، جرّاء التقادم وعدم الفائدة، مثل “الصراع الطبقي” و”ديكتاتورية البروليتاريا”. وحتى الاشتراكية جرى استبدالها بـِ”العدالة الاجتماعية”، وشاع استخدام “المجتمع المدني” و”السلم الأهلي”، وما عاد العداء للإمبريالية ضرورياً ليساريين كثر. وكان لمنظمة العمل الشيوعي موقفٌ في هذا الشأن، فهي ترى أن التاريخ “لم يحكم للماركسية، كمشروع للتغيير الاجتماعي، بالنجاح، بل حكم عليه بالفشل. لذا لا محلّ اليوم لتقييد اشتراكيتنا بقيد الالتزام الكلي بالماركسية. ونقرّر أننا اشتراكيون لا نرى مبرّراً لاستمرارنا حاملين صفة الماركسية. والهوية الشيوعية التي نحمل لم تعد صالحة وجهاً للاشتراكية المتجدّدة التي نسعى إلى اشتقاق مفاهيمها (…)، ولا محل لانخراطنا في دائرة الاشتراكية الديمقراطية الممثلة بالدولية الاشتراكية” (ص 128-129).
أوقع غياب التخوم بين اليساري والليبرالي، اليسار في تشوّه الهوية. وهذا، على الراجح، من عوامل تعثر اليسار، فما الفارق بين الماركسي الذي يدافع عن الديمقراطية والحريات، ويقف في وجه القمع والدكتاتورية، والليبرالي؟ وما الفارق بين الديمقراطي الذي يناضل في سبيل المساواة وحقوق المرأة وضد العنصرية، واليساري الذي يتخذ المواقف نفسها؟ الحقيقة أنْ لا فارق جوهرياً بينهما. الفارق الجوهري هو الرؤية الاجتماعية؛ فاليساري هو مَن يحمل مشروعاً للتغيير يتضمن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة والحريات والعَلمانية ومعاداة الإمبريالية والصهيونية. و”نصف يساري” أو “نصف عَلماني” لا يستقيمان في هذا الشأن،
“غيّرت أحزاب شيوعية اسمها، كالحزب الشيوعي الفلسطيني الذي صار “حزب الشعب”. وكذلك الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي الذي بات “حزب الشعب السوري”
كأن يكون أحد مع الديمقراطية والحريات وضد العسف والاستبداد، لكنه يدعو إلى التخلص من عبء القضية الفلسطينية وإلى التصالح مع إسرائيل، حتى قبل أن ينال الفلسطينيون بعض حقوقهم التاريخية. وأبعد من ذلك، فإن تعثر اليسار العربي، خصوصاً اللبناني، راجع اجتماعياً وتاريخياً إلى عدم نشوء طبقة عاملة حقيقية في هذا البلد، فهل يمكن أن يظهر يسار ثوري مقتدر في دولٍ لا طبقة عاملة مسيسة فيها؟ “الطبقة العاملة” في لبنان مؤلفة من عمال مهاجرين وموسميين: سوريين ومصريين وسودانيين وبنغال وهنود وسريلانكيين وفيليبينيين، وهؤلاء لا يتكلمون بلسان واحد. إنهم عمالة مهاجرة وموقتة، وذات طابع خدمي. هناك أيدٍ عاملة لا “طبقة عاملة”. ومن المحال أن تتطوّر الأيدي العاملة إلى “طبقة”، بالمعنى التاريخي والاجتماعي، في بلد عمّاله ليسوا من أبنائه، لأن مفهوم “الطبقة” مصطلح دلالي يشير إلى نسق اجتماعي – اقتصادي ذي سمات تاريخية. وينشأ هذا النسق بالتراكم التدريجي، من خلال اتساق أنماط الإنتاج ووسائل الإنتاج والفئات الاجتماعية المطابقة، علاوة على القوانين الموازية لهذا النسق، وذلك كله في إطار الدولة الثابتة والاقتصاد المتحرّك (راجع: صقر أبو فخر، هل اليسار ممكن في العالم العربي اليوم؟، مجلة الآداب، الأعداد 7 و 8 و9، تموز/ يوليو – أيلول/ سبتمبر 2011). ولعل “الطبقة العاملة” موجودة اليوم، لا في لبنان أو دول الخليج العربي، بل في الصين وروسيا. وحتى مصر التي عرفت الصناعة الحديثة قبل مئتي عام، كان فيها مليونان وسبعمئة ألف خادم منزلي (عامل منزلي) في سنة 1947، وهذا العدد هو ضعف عدد العمال في المدن الصناعية.
الديمقراطية المخصية
في خضم الحروب المستعرة في العالم العربي كله، استخلص كثيرون من اليساريين التائبين أن الحل، في نهاية المطاف، هو الديمقراطية ولا شيء غيرها؛ فلا الخلافة الإسلامية يمكنها أن تنتصر، ولا دولة الاستبداد تستطيع الاستمرار، وحتى الدول شبه الديمقراطية وشبه الليبرالية، مثل مصر وسورية والعراق بُعيد نكبة فلسطين، لم تتمكّن من إنجاز الاندماج الاجتماعي والوطني في نطاق الدولة الحديثة، المؤسسة على المواطنة والمساوة والديمقراطية. ولكن لا أحد اليوم قدّم إجابة شافية عن تلك الديمقراطية الموعودة، بل إن ما بين أيدينا في هذا الحقل مجرّد مطارحاتٍ فكرية في الديمقراطية، وليس مشروعاً سياسياً للمستقبل، فالشائع في أفهام كثيرين أن الديمقراطية تعني، أولاً وأخيراً، حكم الأغلبية، وهو ما يُترجم في الواقع إلى حكم السُنة في سورية، وإلى حكم الشيعة في العراق، وإلى حكم المسلمين، جرّاء الغلبة العددية، في لبنان، فالأغلبية لدى هؤلاء هي الأغلبية الطائفية، لا الأغلبية السياسية كما الحال في الديمقراطية حقاً. والديمقراطية، في عُرفنا، رديفٌ لازم وشَرطي للعلمانية؛ فلا علمانية من غير ديمقراطية، لأن العلمانية من غير ديمقراطية تأتي بالطراز التركي الاستبدادي. والديمقراطية من دون عَلمانية تأتي بنموذج باكستان أو بنغلادش. هنا، في هذا المجال تقول رؤية منظمة العمل الشيوعي إن “النظام اللبناني (…) ليس نظاماً ديمقراطياً” (ص 8)، وغير قابل للإصلاح، وهو نظام رعايةٍ لحرب أهليةٍ مستدامة (ص 16).
يكاد هذا الوصف الصحيح يطابق ما كتبه ياسين الحافظ قبل نحو 45 سنة: “الحديث عن
“اللبنانيون يتكلمون كثيراً عن الديمقراطية ولكن كل زعيم في طائفته دكتاتور”
ديمقراطية لبنانية ينطوي على تلفيق” (أنظر: ياسين الحافظ: في المسألة القومية الديقمراطية، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1981). وبحسبه أيضاً، “الديمقراطية اللبنانية ديمقراطية مخصية، والطائفية هي الخاصي” (المرجع السابق، ص127)، لأن الطوائف في لبنان ليست جماعات مؤمنين، بل أشباه أمم. والمعروف أن ثمة فارقاً بين مجتمع Society وجماعة Community. ولبنان لم يتطور كفاية ليصبح مجتمعاً له هوية مشتركة حاسمة، بل بقي مجرّد نطاق جغرافي، تعيش فيه جماعات تراحمية ذات عصبيات طائفية، وهذه هي هويتها الأساس. واللبنانيون يتكلمون كثيراً عن الديمقراطية، لكن كل زعيم في طائفته دكتاتور. ومجموع الدكتاتوريين أقاموا في ما بينهم نظاماً يضمن بعض الحريات لكل دكتاتور ولجماعته، فلبنان، بهذه الصفة، مكان للحريات وللدكتاتوريين الأحرار في الوقت نفسه. صحيحٌ أن الطوائف موجودة منذ زمن بعيد، ولم تنشأ مع ظهور الدول الحديثة في المشرق العربي، أي بعد تطبيقات سايكس – بيكو (1916) ومؤتمر سان ريمو (1920)، لكن تحول الطائفة إلى كياناتٍ سياسيةٍ (الطائفية السياسية) هو نتاج مرحلة الاستعمار والحماية، وتحويل نظام الملل العثماني إلى نظام سياسي. وزعماء لبنان، خصوصاً الموارنة في مرحلة ما قبل الطائف، والشيعة والسنة اليوم لا تهمهم الديمقراطية والعَلمانية، بل الإبقاء على امتيازاتهم في الدولة التي يتمسّكون بها، ويريدون الاستمرار في حكمها، ونيل حصصهم منها. وفي أي حال، فإن الديمقراطية وحدها لا تكفي. جاءت بهتلر وموسوليني وفرانكو، ويمكن تسخيرها دائماً لمصلحة الحاكم من طراز رجب طيب أردوغان أو مهاتير محمد. الديمقراطية المقترنة بالعَلمانية في سياق التزام العدالة الاجتماعية والعدالة الكونية هي ما يمكن النضال في سبيله، أَكان ذلك في لبنان أو في سائر المشرق العربي المحيط بلبنان.
يشدد كتاب منظمة العمل الشيوعي اللبناني “من أجل حزب يساري ديمقراطي علماني.. من أجل حركة ديمقراطية علمانية” على أن “من شروط تجديد دور اليسار واستنهاضه الدعوة إلى العلمانية وبناء قواها الحية” (ص31)، ويرى أن “شعار إلغاء الطائفية السياسية لم يعد الشعار الذي يضع البلد على طريق الإصلاح. لذلك ترى منظمة العمل الشيوعي أن قضية العَلمانية هي المعركة التي تفتح الأفق أمام إمكانية تجاوز ما هو عليه البلد” (ص17).
العلمانية المستحيلة
أعتقد أن العَلمانية ليست دعوة، بل مشروع سياسي، وهي، في الأساس، مسألة سياسية لا مسألة أيديولوجية أو مسألة دينية، لأنها توجه جهدها السياسي المباشر إلى الدولة وبناء الدولة لا إلى الناس وحدهم. إنها، باختصار، نظام سياسي للدولة يتضمن الحياد أمام الجماعات الدينية وعقائدها، واحترام الحريات، والتعدّد السياسي، والسلوك الذي يتطابق مع المعتقد. والعلمانية ليست فصل الدين عن الدولة ونقطة على السطر. العلمانية ذات مرجعية هي الأخلاق الإنسانية والعقلانية؛ أي أنها لا تستند إلى الدين في مجال الأخلاق. والعقلانية تعني أنْ لا سلطان على العقل إلا العقل، أي أن مرجعية التفكير هي العلم لا الدين؛ فلا يُستند إلى الكتب الدينية في دراسة الأكوان أو التاريخ، بل إلى علوم الفضاء والأركيولوجيا. والعلمانية لا ترفض الدين، بل تحرّره من السياسة. ونقيض العلمانية ليس الإسلام أو المسيحية بل الأيديولوجيات الشمولية التي تريد أن تحوّل عقائدها إلى قوانين، ففي الدول العلمانية يستطيع المسلم مثلاً أن يمارس إسلامه كما يريد، وأن يمتنع عن شرب الخمر، وأن يصوم رمضان، وأن يعتمر غطاء الرأس الملائم له. ولكن لا يجوز للدولة أن تفرض على الجميع قانون منع الخمر وإلزام الجميع بصوم رمضان وإكراه الناس على ارتداء زي محدّد، لأن ذلك يعني خلط الأخلاق الدينية بالقوانين، وهذا هو الاستبداد الديني والسياسي. العَلمانية في لبنان والعالم العربي، على مشروعيتها التاريخية، هي طريدة دائمة للجماعات الدينية المستبدة، وتبدو كأن من المحال تحقيقها في المستقبل القريب، فقد قتل الاستبداد الديني والسياسي عَلمانيين أمثال مدحت باشا (خنقوه في
لا عَلمانية شاملة في لبنان من غير انتصار العلمانية في المشرق العربي، وفي سورية أولاً
سنة 1884)، واغتال عبد الرحمن الشهبندر في دمشق (6/7/1940)، وأعدم أنطوان سعادة في لبنان (8/7/1949)، وشنق محمود محمد طه في السودان (18/1/1985)، واغتال فرج فودة في مصر (8/6/1992). والعَلمانية في لبنان، على رأي ياسين الحافظ، “ليست اتفاقاً بين المسلمين والمسيحيين [ويجب ألا تكون كذلك]، بل هي تجاوز عقلاني للمسيحية السياسية وللإسلام السياسي” (ياسين الحافظ، في المسألة القومية الديمقراطية، مصدر سابق)، ومن غير الممكن، في المثال اللبناني، وضع غطاء علماني على طنجرة طائفية. ومن المثير للهزء والضحك معاً أن تظاهرات حاشدة سارت في شوارع بعض المدن اللبنانية تأييداً لأردوغان بعد فشل محاولة الانقلاب عليه في سنة 2016. وكانت دوافع تلك التظاهرات مذهبية بالتأكيد، فأي حال هي حال العَلمانية التركية التي تؤجج المشاعر المذهبية في لبنان؟ ومن حُسن حظنا أن الحكومات العربية، إلا أقلها، أُرغمت على الأخذ بجوانب من العَلمانية الجزئية، مثل قانون العقوبات؛ فلا عقوبة إلا بنص. وبهذا القانون الذي سنّته في سنة 1840، نزعت الدولة العثمانية من القاضي الشرعي عقوبة التعزير حماية للمواطنين من تسلط رجال الدين. وأُلغي رجم الزانية إلا في السعودية وأفغانستان وربما في إيران، وانتهى قطع يد السارق، ورُفعت الجزية عن غير المسلمين، وحُرّم الرق، وما عادت الردّة جريمة، ومُنع التسرّي وملك اليمين، وصار التعطيل في الأعياد المسيحية أمراً ملزماً.
لا عَلمانية شاملة في لبنان من غير انتصار العلمانية في المشرق العربي، وفي سورية أولاً. لنختبر، كتمرين ذهني، هل يمكن أن تتحقّق فيلبنان مقادير من العلمانية الجزئية، مثل قانون موحد للأحوال الشخصية الذي ينتزع من رجال الدين سلطة التحكّم بحياة الناس؟ وهل يمكن اشتراط عدم السماح بتأسيس الأحزاب والجمعيات على أسسٍ طائفيةٍ أو عرقيةٍ أو إثنية؟ وهل يمكن إلغاء التعليم الديني في مدارس الطوائف، وإلغاء الأوقاف لمصلحة الدولة الراعية؟ ستقوم القيامة وتُسحب الخناجر في ما لو تحوّلت هذه الأسئلة إلى مشروع سياسي.
الاقتصاد والعمال السوريون
من أكثر فقرات كتاب منظمة العمل الشيوعي اللبناني ضعفاً الكلام على الاقتصاد اللبناني، فهو يحلل الاقتصاد لا بأدوات اقتصادية، كالتحليل الكمي أو الرياضي أو الإحصائي مثلاً، بل بالتحليل الوصفي. والتحليل الوصفي كلام عمومي وشحيح، وقلما يعتدّ به في الدراسات العلمية. لنقرأ الفقرة التالية: “هذا الاستطراد لا يرمي إلى تبرئة الاقتصاد الذي كان للبنان قبل الحرب الأهلية المندلعة عام 1975 من الاختلالات القطاعية، والالتواءات البنيوية العميقة، ولا إلى تنزيه لوحة الوضع الاجتماعي اللبناني مثلما تبدت عشية هذه الحرب من الاختناقات الخطيرة التي كانت تهدد فعلاً بتبديد إنجازات التداخل النامي، والوحدة النسبية ضمن النسيج الاجتماعي اللبناني بطبقاته الوسطى والعاملة، الريفية والمدينية. وهي اختناقاتٌ لم يكن من سبيلٍ لتجاوزها إلا على قاعدة تسوية اجتماعية مستنيرة، ذات سلم متحرّك، تقدماً في اتجاه مواكبة الازدهار الاقتصادي وتصليب ركيزته الوطنية – الشعبية الأعم، وتوزيع عوائده على النحو الذي يضاعف من أحزمة الأمان للوضع الاقتصادي – الاجتماعي أمام العواصف الأهلية المضطربة” (ص 48 و49).
يخالف هذا الكلام رغبة المنظمة في إعادة النظر في أدوات التحليل اليساري المتحدرّة من
من أكثر فقرات كتاب منظمة العمل الشيوعي اللبناني ضعفاً الكلام على الاقتصاد اللبناني، فهو يحلل الاقتصاد لا بأدوات اقتصادية، بل بالتحليل الوصفي
ماضي الممارسات الفكرية والسياسية والنضالية (ص 47). ولا يؤدّي هذا الوصف الانشائي إلى أي فهم جديد أو نتيجة علمية ثاقبة، فهو يشبه القول إن “الصحة أفضل من المرض”. نعم، الصحة أفضل من المرض، ولكن ماذا يفيد هذا الجواب البدهي؟ أو أن يقول آخر: “الأخلاق الحميدة خير من الأخلاق المنحطّة”. طبعاً. تُرى مَن يرفض هذا الكلام؟ أو أن يؤكد غيره أن الصدق أفضل من الكذب. واللافت أن الكتاب يدعو إلى حماية الاقتصاد من المنافسة والتهريب (ص 65)، و”تشجيع الإنتاج الصناعي والزراعي وحمايته” (ص 69). ومع أن هذا المطلب يردّده أي مزارع متضرّر من المنافسة والتهريب، فهو يدل على عدم علمية من يدعو إلى ذلك، لأن الحماية في عصر حرية التجارة والمنافسة الحرّة مستحيلة، فضلاً عن أنها مضرّة في أحيانٍ كثيرة. وهذا كلام يقوله صاحب مصلحة، لا صاحب رؤية اقتصادية. وأي باحثٍ مبتدئ في الاقتصاد يعرف أن فرض الحماية على مجموعة من السلع اللبنانية يستدعي فوراً، وبموجب المعاملة بالمثل، فرض الحماية على السلع المقابلة، فمثلاً لو منع استيراد البندورة الأردنية في موسم نضج البندورة اللبنانية، أو منع استيراد البطاطا المصرية في موسم محدّد، لأقدم الأردن ومصر على منع استيراد سلع موازية من لبنان. الحماية، أَكانت تعني فرض رسوم جمركية عالية، أو منع استيراد السلع المنافسة، ولو مؤقتاً، تضر بقطاع الإنتاج المعد للتصدير. ومن بدهيات علم الاقتصاد، اليوم وأمس، هو المنافسة؛ أي المنافسة بالنوعية وبالأسعار. ومن غير الممكن المنافسة بالأسعار، إذا كانت تكلفة العمل عالية، وهذه هي دروس تجربة النمور السبعة في آسيا. وقد أدت اليد العاملة السورية الرخيصة دوراً مهماً في خفض تكلفة الإنتاج اللبناني، وجعل التصدير متاحاً. وهنا يقع الكتاب في خطيئة ترداد كلام الجرائد اللبنانية، بدلاً من التفتيش عن الأرقام في مظانّها، فيقول “قارب عدد النازحين [السوريين] إليه ثلث سكان المقيمين” (ص61)، أي أقل قليلاً من المليونين. والحقيقة التي يعرفها الباحثون الجديون، لا ذوو الغايات والأهواء، أن عدد النازحين وصل في الذروة إلى مليون ومئة ألف نازح، يضاف إليهم نحو 300 ألف سوري من المقيمين الدائمين أو شبه الدائمين، أي أن المجموع لم يتجاوز المليون ونصف المليون سوري في أوج عملية النزوح التي بدأت في عام 2012. ولكن، ما لا تذكره الصحف وكُتّابها أن أكثر من 500 ألف لاجئ سوري غادروا بين 2014 و 2018 إلى أوروبا ودول الخليج العربي وتركيا، وعاد إلى سورية منذ سنة 2017 أكثر من 180 ألفاً. وعدد السوريين في لبنان اليوم لا يتخطى المليون في أبعد تقدير، بينهم 600 ألف لاجئ فقط، والباقي، أي نحو 300- 400 ألف شخص، هم من العمالة المستوطنة في لبنان، والتي من دونها ستُصاب الحياة الاقتصادية اللبنانية، خصوصاً في الزراعة والبناء والنظافة، بكارثة حقيقية.
يورد الكتاب ما يلي: “أثّر النزوح السوري على قطاعاتٍ متعدّدة من الكهرباء إلى المياه إلى
العمال السوريون في لبنان لا يمكنهم منافسة اليد العاملة اللبنانية ألبتة في وظائف الدولة
البيئة والمواصلات والايجارات والسكن (…)، ولعل الأثر الأكبر زيادة حجم البطالة اللبنانية بالنظر إلى المنافسة الشديد من العمالة السورية وارتضائها أجوراً متدنية” (ص 61). والحقيقة أن المؤشرات العلمية لا تربط معدلات البطالة في لبنان باليد العاملة السورية مباشرة، لأن البطالة في لبنان مشكلة قديمة جداً، ولها أسباب متشعبة، فالعمال السوريون في لبنان لا يمكنهم منافسة اليد العاملة اللبنانية ألبتة في وظائف الدولة، ولا في وظائف القطاع الخاص، كالمصارف والصحافة والتلفزة ومحطات الإذاعة ومكاتب مراسلي الصحف الأجنبية ووكالات الأنباء ومراكز الصيرفة والمؤسسات المالية وإدارة شركات الهندسة، ومكاتب المحاماة والمشورة والمستشفيات والأطباء والمحاسبين القانونيين، وما هو على غرارها. يكاد عمل اليد العاملة السورية ينحصر في قطاع البناء وجني المحاصيل الزراعية في مواسمها، والأعمال الرخيصة التي لا تقترب منها الأيدي العاملة اللبناية في العادة. وهنا، من غير الدّقة أن نغفل العمال الآخرين، كالمصريين والسودانيين والعراقيين والبنغاليين والهنود والفيليبينيين والإثيوبيين الذين يحتكرون العمل في محطات الوقود والمطاعم والمعامل وشركات تنظيف المكاتب والشوارع، علاوة على حراسة المباني وقيادة السيارات الخاصة. وثمة مائة ألف عامل مصري في لبنان و75 ألف سوداني وأكثر من مائة ألف بنغالي و50 ألف هندي و40 ألف عراقي، وأعداد وافرة من الفيليبينيات والإثيوبيات والسريلانكيات اللواتي يعملن في الخدمة المنزلية، وفي المحال التجارية بائعات أو عاملات نظافة. ومهما يكن الأمر، يناهز عدد طالبي العمل اللبنانيين من المستويات العلمية والمهنية المختلفة 160 ألف طالب عمل. إذاً، لو عمل هؤلاء جميعاً سيبقى الاقتصاد اللبناني محتاجاً العمالة السورية.
نعم، ثمّة منافسة مع اليد العاملة اللبنانية في قطاعات محدّدة، وثمّة انعكاساتٌ سلبية للنزوح السوري، ولا سيما في البيئة والمياه والسكن، وهو كلام صحيح، لكن المنافسة تكاد لا تظهر فعلياً إلا في التجارة البسيطة (بيع البسطات) والحِرف كالسمكرة والحدادة والبناء وتركيب بلاط المنازل والأدوات الصحية. ومع ذلك، فالحرفيون السوريون، بارتضائهم أجوراً أقل، يخفّضون تكلفة بناء الشقق السكنية، وإلا لكان على المستثمرين في قطاع العقارات أن يزيدوا على سعر المنزل العادي ما بين 75 و 100 ألف دولار. وتظهر المنافسة التي تعلو أصواتها في كل يوم، وتُخفي معها مقادير من العنصرية والكراهية، في أوساط أصحاب الدكاكين والمطاعم الشعبية ومحلات الحلويات والملابس والأفران الذين يتعرّضون بالفعل لمنافسة حقيقية. خارج نطاق تلك القطاعات المحدودة، الكلام على المنافسة مسألة سياسية في لبنان، وليست اقتصادية. وفي هذا الميدان، قلما يتذكّر أصحاب الأصوات العالية نزوح الأثرياء السوريين والطبقة الوسطى السورية، والأثر الإيجابي الكبير الذي عكسه هؤلاء على الاقتصاد اللبناني. ولعل الركود الكبير الذي يتعرّض له الاقتصاد اللبناني اليوم راجع، في أحد أسبابه، إلى مغادرة أكثر من 600 ألف سوري إلى ديار الله الواسعة، وهؤلاء كانوا يحرّكون الحياة التجارية اليومية، كاستهلاك المواد الغذائية واستئجار المنازل والمدارس والمقاهي… إلخ.
الأثر الإيجابي للنزوح السوري
كان مردود النزوح السوري على لبنان إيجابياً، وسلبياته مقتصرة على قطاعات محدّدة، فقد أفاد تقرير معهد التمويل الدولي (Institute of International Finance) بأن صافي
مردود النزوح السوري على لبنان إيجابياً، وسلبياته مقتصرة على قطاعات محدّدة
تدفقات رؤوس الأموال على لبنان بلغت 4,9 مليارات دولار في سنة 2013، و 5,2 مليارات دولار في 2014، وكانت معظم تلك الرساميل سورية (النهار، 9/6/2014). وكان معدل النمو في لبنان 1,5% سنوياً في عام 2012، فارتفع إلى 3% في عام 2013 (راجع: تقرير معهد التمويل الدولي في مايو/ أيار 2013)، ثم إلى 4% في سنة 2014. أما التضخم فانخفض من 6,7% في سنة 2013 إلى 2,4 في سنة 2014. (أنظر تقرير صندوق النقد الدولي لسنة 2014). ويؤكّد تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين UNHCR أن رزم المساعدات للسوريين بلغت في سنة 2014 وحدها 800 مليون دولار (النهار، 18/6/2015). وسارت هذه المساعدات على الوتيرة نفسها في السنوات اللاحقة. وبحسب المضاعف الاقتصادي، فإن ضخ 800 مليون دولار من المساعدات يعادل ضخ 1,3 مليار دولار في الاقتصاد. وقد دفع السوريون 420 مليون دولار للإيجارات في سنة 2013، والقيمة نفسها في السنوات التالية (راجع تقرير UNHCRالصادر في 27/5/2014). والمعروف أن ما لا يقل عن 50 ألف منزل جرى ترميمها، أو تهيئتها، لتلبية الطلب السوري على المنازل منذ أواخر سنة 2012 حتى سنة 2015. وقد زادت إيرادات الدولة اللبنانية كثيراً من رسوم الإقامة ورسوم السفر والمعاملات وغرامات الإقامة، الأمر الذي أتاح توظيف أعداد وافرة من اللبنانيين في الأسلاك الأمنية. أما قطاعا الزراعة والصناعة اللذان تضرّرا كثيراً في حرب 2006، ثم في أثناء الحرب في سورية وانقطاع طرق التصدير إلى دول الخليج العربية، فقد تمكّنا من تعويض جزء كبير من الإنتاج بالتصدير إلى سورية التي وجدت في البضائع اللبنانية الراكدة بديلاً عن بضائعها التي دمرت الحرب وسائل إنتاجها. وفوق ذلك، استفادت الجمعيات الأهلية اللبنانية التي نبتت كالفطر، من أموال المساعدات الخارجية المخصصة للنازحين، فنهبت منها ما تيسر لها من السلب والنهب. ولا ريب أن المؤشرات السلبية كثيرة، بيد أن الصورة لا تكون جلية من دون النظر إلى المؤشرات الإيجابية. ومن المؤشرات السلبية زيادة العبء على الخدمات كالكهرباء والماء والصرف الصحي والاستشفاء، غير أن قصة الكهرباء في لبنان وتقنين ساعات التغذية قديمة، وموجودة قبل النزوح السوري بنحو ربع قرن (استهلاك النازحين من الكهرباء تدفعه الدول المانحة). وعلى هذا المنوال، فإن السياحة متوقفة منذ حرب تموز 2006. أما المشكلات المتفاقمة كالنفايات والنهب المنظم لواردات الدولة والمخدّرات وتبييض الأموال والفساد الحكومي وصراع الطوائف وعدم استقرار النظام السياسي فهي أمور لصيقة بالنظام اللبناني، ولا علاقة للنازحين بها.
فصل الخطاب
ورد في كتاب منظمة العمل الشيوعي أن “روسيا قوة إمبريالية” (ص5). ولا أدري على وجه الدقة كيف تكون روسيا دولة إمبريالية، مع أن الاتحاد الروسي هو اتحاد طوعي، نشأ بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، ولم تنضم إليه، بإرادتها الحرّة، دول كثيرة ومهمة جداً من دول الاتحاد السوفييتي السابق، مثل أذربيجان وكازاخستان وأرمينيا وأوكرانيا. ولو قال إن روسيا دولة كبرى تريد أن تمارس حضوراً عالمياً يعدل وزنها لتفهمنا ذلك. أما أن يقول إنها دولة إمبريالية فهذا كلام غير علمي وغير صحيح، فأين هي الدول التي تهيمن عليها روسيا رغماً عن
“كيف تكون روسيا دولة إمبريالية، مع أن الاتحاد الروسي هو اتحاد طوعي؟”
إرادتها؟ وفي هذا السياق، هل الصين قوة إمبريالية كذلك؟ وهذه المسألة لا يتطرّق إليها الكتاب ألبتة. وجاء في الكتاب: “تضع الدول الكبرى، خاصة أميركا وروسيا، في رأس أولوياتها الدفاع عن أمن إسرائيل ومصالحها في المنطقة على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة” (ص6). ويضيف: “أما روسيا فإن الثابت في سياساتها هو أمن إسرائيل وحقها في الوجود، الأمر الذي يجد ترجمته في ظل تدخلها المباشر في الحرب الدائرة في سورية من خلال التنسيق بين الدولتين وإطلاق يد إسرائيل للتدخل في سورية بذريعة أمنها ” (ص101).
أميركا دولة إمبريالية؟ نعم، وليس هذا الوصف جديداً، لأنها تهيمن على دول كثيرة، وتحمي مصالحها بالأساطيل والقواعد العسكرية وتفرض شروطها على الآخرين، وتجعل العقوبات على من يخالفها وسيلة سياسية. أما روسيا، فالأمر يحتاج طريقةً أخرى في التفكير. وليس صحيحاً أن “في رأس أولوياتها” الدفاع عن أمن إسرائيل ومصالحها، بل أولويتها الفعلية هي السعي إلى تأمين أمن روسيا ومصالحها هي قبل غيرها، وإلا لاعتبرنا روسيا دولةً تابعة لإسرائيل، وهذا هراء. وقد كانت الحرب في سورية المدخل الملائم لروسيا كي ترسّخ تطلعها إلى أن تكون دولة كبرى (وليس دولة إمبريالية)، وأن تحمي المصالح الروسية المهدّدة عند تخومها المباشرة (أوكرانيا والقرم)، وأن تؤكد حماية مصالحها في شرق المتوسط. والقول إن الثابت في سياسة روسيا هو أمن اسرائيل كلام تعوزه العلمية. التزام روسيا حق إسرائيل في الوجود صحيح. وهذا ليس جديداً، بل يعود إلى عام 1947 في زمن الاتحاد السوفييتي. لكن روسيا لا تلتزم “حق” إسرائيل في احتلال الضفة الغربية والجولان. وهل صحيحٌ أن روسيا هي التي تطلق يد إسرائيل للتدخل في سورية؟ المعروف أن إسرائيل بدأت التدخل في الشؤون السورية منذ بدايات الأزمة التي تحولت بسرعة إلى حربٍ أهلية، وقبل سنة 2015 حين وصلت روسيا إلى سورية.
تنقسم العلاقات بين الدول إلى مراتب: حلفاء أو شركاء أو عملاء. حلفاء مثل علاقة أميركا
كانت الحرب في سورية المدخل الملائم لروسيا كي ترسّخ تطلعها إلى أن تكون دولة كبرى
بإسرائيل، وهي علاقة استراتيجية أكثر من وثقى، ومثل علاقة أميركا وبريطانيا. وشركاء مثل علاقة أميركا وألمانيا وفرنسا واليونان. وعملاء مثل علاقة أميركا بدولة بنما أو بورتوريكو أو المملكة السعودية. أما علاقة سورية بروسيا فهي علاقة شراكة. إيران موجودة بقضها وقضيضها في سورية، وهي تتلقى الضربات الجوية الإسرائيلية على مواقعها ولا تفعل شيئاً. فهل هي متفقة بدورها مع إسرائيل، وتطلق يدها في طول البلاد السورية وعرضها؟ المسألة تحتاج حقاً إلى تفكير مغاير. ولا يتورّع الكتاب عن القول إن حركة حماس مصرّة “على ربط القضية الفلسطينية بالمحور الإقليمي الإيراني – السوري” (ص103). رويدكم. لو قيل المحور التركي – القطري لكان في ذلك جانبٌ من الصحة، لكن ما بين سورية و”حماس” ما صنع الحداد. وعلاقة “حماس” بإيران متأرجحة، وقد استقرت أخيرا على الحد الأدنى الذي يلائم “حماس” فلا يلزمها أي موقف، ويلائم إيران في عدم قطع قناة مهمة مع الفلسطينيين، علماً أن أداة الربط، أي الأموال، توقفت أو شحّت كثيراً.
بعد ثماني سنوات على الحرب في سورية التي وصلت إلى ستاتيكو غير ثابت، أي إلى “نصاب” متقلقل، ما برح مؤلفو الكتاب/ التقرير يتحدّثون عن التقسيم في سورية (ص82)، وعن مناطق الصفاء الطائفي التي أوجدها النظام السوري تمهيداً لقيام دويلات طائفية (ص89). وهذا الكلام بعيد عن الواقع سنواتٍ ضوئية، وهو من النوع الذي نقرأه في الصحافة اللبنانية. والتحولات الديمغرافية في سورية (التهجير نتيجة طبيعية في الحروب الأهلية) تخالف فكرة “الدويلات الطائفية” ومناطق الصفاء الطائفي، وترتد على صدقية التقرير نفسه في هذه النقطة، فالجماعات المسلحة هي التي أقامت مناطق الصفاء الطائفي، وطردت من مناطق سيطرتها كل من لا ينتمي طائفياً إليها، ففي اللاذقية حيث الوجود العلوي الكثيف، تدفق عليها وعلى طرطوس أكثر من مليوني سُني من حلب وجوارها، وأقاموا فيها، وأسسوا أعمالاً متنوعة. وهذا الأمر قلب الميزان الديمغرافي للمحافظة، وجعلها مختلطة طائفياً أكثر فأكثر. ولم تنجم عن ذلك مناطق صافية طائفياً إلا في المناطق التي خرجت من أيدي النظام. أما محافظة السويداء التي يشكل الدروز فيها الأغلبية، فقد استضافت ما لا يقل عن 200 ألف شخص من محافظة درعا ومن دمشق وحمص ومن المخيمات الفلسطينية، وهؤلاء جعلوا الأغلبية الدرزية تتعادل عددياً مع السُنّة. طبعاً هذا الأمر مؤقت، والمستقبل مرهون بالتسوية النهائية. وفي أي حال، مناطق الصفاء الطائفي إبداع خالص مسجل لجبهة النصرة ومنظمة داعش، ومعها مخلوقاتها العجيبة ومشتقاتها الغريبة من عيار “جيش الإسلام” و “أحرار الشام” و”أحفاد الرسول” و”الزنكيون” و”أبابيل حوران” و”أنفال بيت المقدس” وغيرها. ومهما تكن الحال، فإن الكلام على “مناطق صفاء طائفي تمهيداً لقيام دويلات طائفية” يثير التندّر لدى من يعرف تفصيلات ما يجري في سورية، فمدينة دمشق ليست منطقة صفاء طائفي، ومثلها حمص وحماه وحلب. ومَن يريد أن يوجد مثل هذه المناطق فعليه أن يبدأ من العاصمة. وهذا محال. ومَن لا يستطيع أن يحتفظ بدمشق لا يمكنه أن يحتفظ بأي دويلة طائفية في أي مكان في سورية. ومَن يُهزم في دمشق يُهزم في سورية كلها. وفصل الخطاب في هذا الحقل الخلاصة النهائية لهذا الكتاب (ص 90) “إن وقف الحرب التدميرية وبقاء سورية موحدة بالحد الأدنى هو أقل الحلول سوءاً، بصرف النظر عن اسم الحاكم أو شركائه في السلطة”.



