هآرتس: ايران تقوض النظام العالمي في هرمز

هآرتس 13/4/2026، روتم كوفنر: ايران تقوض النظام العالمي في هرمز
قد يشكل قرار ايران فرض رسوم عبور على ناقلات النفط المغادرة لمضيق هرمز سابقة تقوض الاتفاقيات الدولية القائمة منذ عقود، اذا لم يكن من القرن التاسع عشر. كان يصعب تصديق ان الولايات المتحدة ستسلم بذلك. ليس من الغريب ان يرفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد تردد قصير، طلب ايران، بل هو اعلن فرض حصار بحري على المضيق. وحتى ان ترامب صرح بانه امر البحرية الامريكية باحتجاز أي ناقلة تدفع رسوم عبور لإيران في محاولة لردع شركات الشحن والدول التي قد تفضل الوضع الراهن على المستقبل. اذا نجحت خطوة ترامب فيمكن النظر في حلول أخرى لتمويل إعادة اعمار ايران، شريطة ان لا يصبح النقل البحري رهينة للابتزاز.
المبلغ الذي تطلبه ايران هو تقريبا دولار واحد للبرميل (159 لتر) – قد يصل الى 2 مليون دولار في حالة ناقلات النفط الكبيرة. بالنسبة للدول التي تعتمد على نفط الخليج الفارسي فان هذا المبلغ قد يكون مقبول. ولكن السؤال الرئيسي المطروح غير مادي، بل مبدأي. لا يحق للدول المطالبة بدفع رسوم عبور في مضيق دولي. مع ذلك، ضعف استجابة الكثير من الدول للطلب الإيراني، فرض رسوم عبور، أوحى بإمكانية قبوله في ظروف معينة، ولو كحل مؤقت لفترة قصيرة. ولكن هذه سابقة خطيرة قد تنتشر بسرعة اذا ما تمت الموافقة عليها. في مقال نشر في يوم السبت في موقع “واللا” حذر شاؤول حوريف وبني شبانييه من ان طلب ايران قد يحدث اثر متسلسل في مضائق أخرى في العالم، ويصبح بذلك تهديد اقتصادي واستراتيجي حقيقي لإسرائيل، التي تمر تقريبا 98 في المئة من وارداتها في هذه المضائق. هذا القلق له ما يبرره، لكن مشكوك فيه ان تكون دول العالم مستعدة لاعطاء الشرعية، حتى في ظل الظروف الراهنة، لمثل هذا الانتهاك الصارخ لحرية الملاحة الدولية.
لذلك فان موقف امريكي مهم جدا، رغم التحفظات الفطرية على الفكرة. ظهر ترامب للحظة وكأنه يفكر بإمكانية تقاسم رسوم العبور مع ايران كجزء من اتفاق شامل. وهذا ليس بالامر الغريب، لأنه تغري البعض فكرة ان يتحمل طرف آخر تكلفة الحرب وإعادة الاعمار. مع ذلك، ما زالت واشنطن تصمم على موقفها الرافض. فالولايات المتحدة لم تكتف بحمل راية التجارة الحرة لسنوات، بل ان مثل هذه السابقة قد تحول الملاحة البحرية، وربما الجوية، الى ساحة مشتعلة للابتزاز المتبادل.
دائما أدى الحفاظ على حرية العبور في المضائق الدولية الى ردود عسكرية شديدة، ساهمت في صياغة الاتفاقيات والقوانين التي تطبق الان. ومن بين الأمثلة البارزة على ذلك ما حدث في العام 1863 عندما أغلقت مقاطعة تشو شو في غرب اليابان ممر كانيمون الذي يفصل بين جزيرة هونشو وجزيرة كيوشو. ففي نهاية عهدها الاقطاعي شعرت تشو شو بالتهديد جراء فتح الممر بشكل قسري قبل تسع سنوات، فاعلنت بانها ستقصف أي سفينة غربية ستعبر في المضيق. الرد لم يتأخر، فبعد ثلاثة أسابيع هاجمت فرقاطة تابعة للبحرية الامريكية سفينة تابعة لهذه الجزيرة، وبعد أربعة أيام انضمت اليها سفينتان حربيتان فرنسيتان. لم تساعد المفاوضات الدبلوماسية التي بدأت بعد ذلك. وبعد سنة تقريبا شكلت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وهولندا قوة مشتركة قوامها 17 سفينة حربية وآلاف من مشاة البحرية، تمكنت في غضون يومين من القضاء على أي مقاومة أخرى وتم فتح المضيق امام الملاحة الحرة بشكل نهائي. وسرعان ما تبنت كل اليابان السياسة الغربية بشان حرية الملاحة البحرية.
لم يكن الرد الغربي العنيف مرتبط بالضرورة بهوية الجهات التي فرضت الحصار. فقبل سبع سنوات الغت اتفاقية كوبنهاغن الرسوم التي فرضتها الدانمارك لقرون على السفن الأجنبية من والى بحر البلطيق في مضائقها. وقد ضمن ذلك حرية المرور في مضائق الدانمارك بدون رسوم. مع ذلك، لم يرسخ مبدأ حرية العبور في المضائق الدولية بشكل كامل الا في القانون البحري الحديث. أما بالنسبة للقنوات فقد كان العبور فيها وما زال يخضع للدفع بموجب الترتيبات القانونية المطبقة عليها. لم تكن المضائق مفتوحة دائما في كل الظروف، لا سيما في أوقات الحرب، لكن العبور فيها لم يعد يخضع للرسوم.
لقد تاسس النظام البحري العالمي الذي بدأ يتشكل في القرن التاسع عشر بشكل نهائي بعد الحرب العالمية الثانية في اطار اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار يو.ان.كلوس، وقعت هذه المعاهدة في العام 1982 ودخلت الى حيز التنفيذ في 1994. وكان الهدف منها منع الفوضى في البحار مع وضع قواعد واضحة للسلوك العالمي في كل المناطق. وتنص قواعد المعاهدة بوضوح على ما يلي: في المياه الإقليمية حتى مسافة 12 ميل بحري عن الشاطيء تتمتع الدولة بسيادة كاملة، بينما في المنطقة القريبة حتى 24 ميل بحري عن الشاطيء تتمتع الدولة بسلطات انفاذ في مسالة الجمارك والهجرة والصحة العامة. كما ارست هذه المعاهدة فكرة المنطقة الاقتصادية الخالصة حتى مسافة 200 ميل بحري، التي تؤثر بشكل كبير على السياسة والاقتصاد الآن. في هذه المنطقة تتمتع الدولة بحق حصري في استغلال الموارد، بينما تتمتع السفن الأجنبية بحرية الملاحة.
على الرغم من الرفض المستمر للتصديق على المعاهدة، فان الولايات المتحدة وايران تقفان حاليا على طرفي نقيض. تتخذ ايران دور القرصنة، بينما عادت الولايات المتحدة الى دورها التقليدي كشرطي العالم.



