أقلام وأراء

مروان إميل طوباسي: بين فشل التفاوض ووهم التسوية، ماذا يعني لنا التعثر الأمريكي الإيراني؟

مروان إميل طوباسي 12-4-2026: بين فشل التفاوض ووهم التسوية، ماذا يعني لنا التعثر الأمريكي الإيراني؟

لم يكن فشل المفاوضات الأمريكية –الإيرانية حدثاً تقنياً عابراً كما أعلن عنه ، ولا مجرد تعثر في نقاشات حول نسب تخصيب اليورانيوم ، بل هو تعبير واضح عن انسداد أفق التسويات في الإقليم التي لا تريدها الولايات المتحدة ولا أسرائيل حتى تستمر ظاهرة الحروب قائمة لخدمة رؤية اصحاب اليمين الفاشي المتطرف للحفاظ على حكمهم ، وانكشاف حدود الرهان على دبلوماسيتهم الكاذبة والخادعة خدمة لاهدافهم في صراعهم الدولي .

فمنذ انهيار الاتفاق النووي الإيراني ٢٠١٥ بعد انسحاب إدارة ترامب منه بضغط نتنياهو ، لم تعد طهران ترى في واشنطن شريكاً موثوقاً ، بل طرفاً يسعى لفرض شروط القوة تحت غطاء التفاوض أو التفاوض تحت تهديد النار كما ترغب الحركة الصهيونية بالمنطقة . في المقابل ، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إنتاج اتفاق مستقر ، في ظل قيود داخلية وضغوط إسرائيلية تدفع نحو إبقاء الصراع مفتوحاً دون حله في محاولة لترميم قدرة الردع في محاولات للحسم الفاشلة حتى اللحظة بما في ذلك بحق لبنان .

لكن الأهم من ذلك ، أن هذا الفشل يكشف حقيقة أعمق ، وهي اننا أمام صراع على شكل النظام الإقليمي ، لا على تفاصيل برنامج نووي . واشنطن تريد شرق أوسط مضبوط الإيقاع ضمن منظومتها الأمنية ومصالحها الجيوسياسية وهيمنة اسرائيل ، بينما تسعى إيران إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية مستقلة ، تمتلك أدوات ردعها ونفوذها ، وهي تظهر في موقع تمثيل مصالح دول الجنوب العالمي والمستضعفين بالأرض في مواجهة الامبريالية الأمريكية الإسرائيلية .

في هذا السياق ، تتحول المفاوضات إلى مجرد أداة لإدارة الصراع ، لا لإنهائه . فكل جولة تفاوضية غير ناجحة لا تعني بالضرورة خسارة، بل قد تكون إعادة تموضع ، أو محاولة لكسب الوقت ، أو تحسين شروط المواجهة القادمة . وهنا يكمن الخطر المتمثل ببقاء المنطقة تعيش على حافة الانفجار دون أن تنفجر ، لكنها أيضاً دون أفق حقيقي للأستقرار .

بالنسبة لنا كفلسطينيين ، لا يمكن النظر إلى هذا التعثر بمعزل عن قضيتنا الوطنية . فالتجربة التاريخية تقول ، إنه كلما تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ، تحولت فلسطين إلى ساحة توظيف سياسي ، إما عبر التصعيد العسكري الإسرائيلي ، أو عبر محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض مستفيدة من دعم الولايات المتحدة لها ومن انشغال العالم بصراعات أكبر .

الأخطر من ذلك ، أن استمرار هذا الصراع يعزز منطق “إدارة الأزمة” بدلاً من حلها ، وهو المنطق ذاته الذي حكم التعامل الدولي مع قضيتنا الفلسطينية لعقود . مفاوضات بلا نتائج ، تسويات مؤجلة ، ووقائع ميدانية تتغير لصالح الأحتلال بغزة والضفة يوماً بعد يوم دون إنهاء الأحتلال الذي يشكل جذر معظم أزمات الإقليم .

وهنا باعتقادي ، نكون نحن أمام واقع يثير سؤال ، اذ ما زال من المنطقي الرهان على مسار تسوية ترعاه الولايات المتحدة ، في وقت تعجز فيه حتى عن إدارة تفاوض مستقر مع خصم إقليمي كإيران ؟ أم أن هذا الفشل يجب أن يدفعنا لإعادة تعريف أستراتيجيتنا الوطنية ، بعيداً عن أوهام الحلول الجاهزة ؟

إن قراءة ما يجري تفرض علينا استخلاص امراً هاماً ، انه في عالم يتجه نحو تعددية قطبية وصراعات مفتوحة ، لا مكان للضعفاء الذين ينتظرون نتائج التفاوض ، بل لمن يملكون أوراق القوة ويعرفون كيف يستخدمونها ويديرونها .

ففشل المفاوضات الأمريكية –الإيرانية ليس حدثاً بعيداً عنا ، بل ما يعكس واقعاً أوسع يتمثل في نهاية مرحلة كاملة من الرهان على التسويات غير المتكافئة ، وبداية مرحلة تتطلب إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني على أسس امتلاك مصادر القوة والتأثير والقدرة على فرض المعادلة لا أنتظارها .

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تعثر تفاوضي ، بل لحظة كاشفة لمرحلة لا تعترف إلا بمن يملك القدرة على فرض موقعه في معادلة الصراع .

ولعل ما جرى بالأمس في كنيسة القيامة وشوارع القُدس خلال احتفالات سبت النور ويوم عيد القيامة بما يحمله من معاني انتصار الحياة على الموت والحق على الباطل ، من ممارسات قمعية واستهداف المصلين والمجموعات الكشفية وابناء شعبنا، ليس حدثاً معزولاً عن ما يجري بالاقليم بالإضافة الى ارتكاب مجازر جديدة في غزة وقتل متعمد في قرى الضفة ، بل تجسيد مباشر لهذا الواقع ، حين يغيب أي أفق للمساءلة أو السلام العادل ، يتحول الأحتلال إلى قوة منفلتة تمارس إرهابها اليومي دون رادع .

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى