أقلام وأراء

د. مجدي جميل شقورة: مستقبل غزة: رهان خطة ملدينوف

د. مجدي جميل شقورة 8-4-2026: مستقبل غزة: رهان خطة ملدينوف

تمثل خطة ملدينوف مقاربة دبلوماسية تتجاوز في جوهرها مجرد الإغاثة الإنسانية لتصل إلى محاولة إنشاء واقع سياسي وإداري جديد في قطاع غزة، معتمدة في ذلك على معادلة دقيقة تربط بين الاستقرار الأمني المستدام وتدفقات إعادة الإعمار. هذا المسار لا يطرح كحل نهائي للصراع التاريخي، بل كإطار لإدارة الأزمة وتقليل كلفته البشرية والسياسية، حيث يتحول المنطق من البحث عن تسوية شاملة إلى تثبيت تهدئة وظيفية تمهد الطريق لمرحلة انتقالية طويلة الأمد. وفي ظل هذا التصور، يبرز سيناريو النجاح كولادة لنموذج إداري غير تقليدي، تتقلص فيه الفوارق السياسية لصالح هيئة مهنية مدعومة دوليا وإقليميا، تتولى توحيد المؤسسات الخدمية وتنشيط الدورة الاقتصادية، مما قد يؤدي تدريجيا إلى تحييد دوافع التصعيد العسكري وربط غزة مجددا بالمنظومة السياسية الفلسطينية الأوسع عبر بوابة الدولة الوظيفية.

إلا أن هذا الاستشراف المتفائل يصطدم بجدار من التحديات الجوهرية التي قد تجعل من الخطة مجرد محاولة لإعادة إنتاج الأزمة بقالب جديد؛ فغياب الأفق السياسي الواضح، واشتراطات إعادة الإعمار المقيدة أمنيا، قد تحول غزة إلى بيئة محتقنة ترى في هذه الترتيبات أداة ضغط لا مسار تحرر، خاصة في ظل تحفظ القوى الفاعلة على الأرض على التخلي عن أدوارها السياسية والأمنية لصالح كيانات إدارية ناشئة. هنا يبرز الدور الدولي كعنصر مزدوج التأثير؛ فهو الضامن المالي والرقابي من جهة، وهو المقيد للقرار المحلي والمكرس للتبعية الخارجية من جهة أخرى، مما يجعل استمرارية أي توافق رهينة لتقلبات الإدارات الدولية الكبرى ومصالح القوى الإقليمية.

بناء على ذلك، يقف مستقبل غزة عند تقاطع ثلاثة مسارات محتملة: الأول ينحو باتجاه تحول تدريجي رصين نحو الاستقرار إذا ما وجدت الإرادة لتقديم تنازلات متبادلة، والثاني يكرس حالة من الجمود المدار الذي يحافظ على التهدئة دون نمو حقيقي، أما الثالث فهو الانفجار الذي يتربص بأي فشل في التنفيذ أو انهيار في الضمانات الدولية. وفي المحصلة، لا تظهر خطة ملدينوف كحل سحري، بل كمناورة واقعية في حقل ألغام سياسي، حيث يبقى نجاحها معلقا بين الرغبة في كسر حلقة الأزمات وبين خطر التحول إلى مجرد فصل جديد من فصول إدارة الصراع بدلا من إنهائه، لتظل غزة ساحة مفتوحة على احتمالات تصاغ تفاصيلها بين إرادة القوى الميدانية وتعقيدات الحسابات الدولية.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى