إسرائيل اليوم: اذا لم تتم المحاسبة القانونية فسيتضرر الردع

إسرائيل اليوم 30/3/2026، يوتم ديشه: اذا لم تتم المحاسبة القانونية فسيتضرر الردع
الارتفاع في العنف من جانب أقلية يهودية متطرفة في الضفة الغربية يضع جهاز الامن والمستوى السياسي أمام حسم صعب. فلم تعد هذه مسألة سيطرة على المنطقة بل مسألة أوسع بكثير تتعلق بصورة إسرائيل، استقرارها الداخلي وعلاقاتها مع العالم، وبخاصة مع محافل في الإدارة الامريكية. على المحك توجد احدى الأدوات الأكثر شذوذا في صندوق أدوات الدولة: الاعتقال الإداري. أداة تسمح بنزع حرية شخص ما دون لائحة اتهام، دون محاكمة علنية، بل واحيانا دون قدرة حقيقية للدفاع عن النفس. هذه وسيلة معدة لاوضاع متطرفة فقط، والمطالبة الان باعادتها الى الاستخدام تعود من جديد.
في نهاية العام 2024 قرر وزير الدفاع إسرائيل كاتس التوقف عن استخدام الاعتقالات الإدارية تجاه اليهود. وقد اتخذ القرار على خلفية نقد جماهيري وقضائي وانطلاقا من الفهم بانها أداة شاذة يجب تقليص استخدامها قدر الإمكان. لكن بعد اقل من سنة ونصف من ذلك يقوض الواقع على الأرض هذه الفرضية.
تصف محافل في جهاز الامن ظاهرة تتسع بسرعة. جماعات صغيرة لكن مصممة، لا تصل أحيانا على الاطلاق من داخل يهودا والسامرة بل من مناطق أخرى في البلاد تعمل في ظل استخفاف معلن بمنظومة انفاذ القانون. بعضهم يأتون وهم ملثمون، مع مشاركين خبراء في مواجهة التحقيقات، مما يساعدهم في الامتناع عن الإدانة. خطوات ابعاد قصيرة لا تخلق ردعا حقيقيا.
بالتوازي، يسجل ارتفاع في محاولات إقامة بؤر استيطانية، واحيانا حتى في المناطق أ و ب. هذه الخطوات تخلق احتكاكا مع السكان الفلسطينيين، دون فاصل امني. في الجيش الإسرائيلي يعرفون هذا كوضع خطير.
ويقول مصدر عسكري ان “الجيش يدخل في احتكاك كي يحمي المدنيين. هنا يدخل المدنيون أنفسهم الى الاحتكاك.
يختفون عن الميدان
لكن فضلا عن الجدال القيمي والقضائي، في الميدان تصف محافل أمنية معينة إحساسا بفقدان السيطرة. تتحدث هذه المصادر ورجال الميدان عن واقع تقع فيه الاحداث بوتيرة سريعة بل واحيانا دون قدرة رد ناجعة في الزمن الحقيقي. ليس بالضرورة بسبب انعدام الرغبة في العمل بل بسبب فجوات بنيوية عميقة.
احدى المشاكل المركزية هي لوجستية. قوات الجيش الإسرائيلي ليست الجسم المؤتمن على اعتقال مدنيين إسرائيليين. هذه مهمة الشرطة. غير أن معظم الاحداث تقع في مناطق ب وبل واحيانا في مناطق أ وهي المناطق التي لا تعمل فيها الشرطة بشكل جارٍ بل يمكنها أن تدخل الى المنطقة بمرافقة الجيش الإسرائيلي فقط. والمعنى هو أن كل عمل شرطي يستوجب وصول مسبق لقوات الجيش الإسرائيلي، حراسة الساحة والمرافقة الداخلية.
حتى بعد وصول القوات يكون سلم الأولويات واضحا: قبل كل شيء تهدئة الحدث، الفصل بين الأطراف ومنع التدهور. لكن في هذا الزمن، غير مرة، باقي المشاركين يختفون عن الميدان. الحدث الموضعي يتوقف دون أن يكون تم انفاذ القانون في الميدان.
“الردع يتضرر”
رغم الإحساس في الميدان، تشير المعطيات بالذات الى ارتفاع في اعمال انفاذ القانون. منذ بداية 2026 سجلت قفزة ذات مغزى في عدد الاعتقالات والإجراءات القضائية مقابل الفترة الموازية في العام الماضي.
في الفترة الموازية في العام 2025 اعتقل 20 مشبوها ورفعت 14 لائحة اتهام. في العام 2026 صحيح حتى الأسبوع الماضي اعتقل 44 مشبوها ورفعت 22 لائحة اتهام، الى جانب ملفات أخرى ستصل الى لوائح اتهام. في الأسبوع الماضي فقط اعتقل اكثر من 15 مشبوها. مصادر في الميدان تعزو هذا الارتفاع الى إقامة قيادة مشتركة للشرطة، الشباك والجيش الى نشاط مكثف للقيادة الخاصة في لواء شاي بقيادة اللواء شرطة موشيه بنتشي.
وعلى حد قول هذه المصادر، تعمل القوات على مدار الساعة دون تقسيم كلاسيكي لورديات، وجاهزة للقفز الفوري لكل حدث.
لكن رغم الارتفاع في الاعتقالات، بعض من المحافل تشير الى حلقة أخرى في سلسلة الانفاذ: المحاكم.
على حد قولها، في حالات معينة تتخذ قرارات مخففة مع المشبوهين. هكذا مثلا هذا الأسبوع فقط اطلق سرا مشبوهين امسك بهم وهم يحملون حاويات وقود في قرية مخماس بعد ان قررت المحكمة انهم لا يشكلون خطرا كافيا.
“كل المحافل تعمل كي تحبط الظاهرة”، يقول مصدر مطلع على التفاصيل، “لكن في نهاية السلسلة يجب أن تكون محاسبة قانونية، والا فان الردع سيتضرر”.
وفي اطار كل هذا، فانه حتى الأدوات البديلة التي جربت حتى الان لا توفر جواب. احدى أبرزها هي القيد الالكتروني، لكن بلا نجاح كبير. وحسب مصدر في جهاز الامن، لم تنجح الأداة في خلق ردع كاف ولم تؤثر بشكل جوهري على الوضع في الميدان.
وفي هذا الواقع تنطلق اكثر فأكثر الدعوة لاعادة استخدام الاعتقالات الإدارية، لفترة زمنية محدودة على الأقل. لكن حتى هنا لا يوجد توافق. فقد انتقل الجدال الى الساحة السياسية ايضا وهو يكشف عن خلاف عميق حول الطريقة المناسبة للعمل.
بالتوازي ثار سؤال آخر: هل الحل هو بالذات زيادة التواجد العسكري في الميدان. فزيادة الاحتكاك، وهو مفهوم معروف أساسا من التصدي للسكان الفلسطينيين، يمكنه في هذه الحالة أن يخلق الردع، التواجد وقدرة رد اسرع، لكن في الجيش يحذرون من أتن هذا حل اشكالي. فزيادة القوات في الميدان ستمس بقدرة الجيش على العمل ضد محافل الإرهاب، بخاصة في فترة حرب طويلة المقدرات فيها محدودة.
علاج جذري
لم يعد السؤال فقط ما هو الحل. سواء كان هذا إعادة الاعتقالات الإدارية، زيادة قوات الشرطة أو جلب قوات أخرى من الجيش الإسرائيلي الى يهودا والسامرة لاجل منع الاحداث، فان النتيجة على الأرض في هذه اللحظة هي واحدة. إحساس بالفوضى وفقدان السيطرة.
البحث الان يتركز في الحل السريع الذي يمكن أن يقدم جوابا فوريا، ولهذا تعود مرة أخرى مسألة الاعتقالات الإدارية. لكن يحتمل الا يكون الحل يوجد هنا والان. العلاج يجب أن يكون اعمق. ليس فقط بوسيلة انفاذ القانون بل بالفتيان أنفسهم. في التعليم، في القيم وفي محاولة وقف التدهور الى دائرة العنف.
هنا يدخل دور مدير المشروع بالعناية بفتيان التلال، العقيد احتياط افيحاي بن عامي. ومؤخرا فقط تلقى الميزانيات التي خصصت لنشاطه وهو الان مطالب بان يثبت بان الاستثمار في الشبيبة، في التوجيه وفي الوقاية، هو السبيل الصحيح للتصدي للظاهرة على مدى الزمن.



