إميل أمين: إيران..أمة منقسمة على ذاتها
إميل أمين 29-3-2026: إيران..أمة منقسمة على ذاتها
طوال قرابة شهر منذ اندلاع المواجهات الأميركيّة الإيرانيّة، تعرّضَتْ كُبرياتُ المدن الإيرانيّة، بما فيها العاصمة طهران، لأنواع شتّى من الغارات الجوّيّة، والقصفات الصاروخيّة، عطفًا على الاختراقات السيبرانيّة، وجميعها من دون أدنى شكٍّ، تركتْ أثرًا هائلًا على بنيتها التكتونيّة، ولسنوات طوال قادمة.
هل كانت الهجمات العسكريّة على المنشآت الإيرانيّة هي التحدّي الأكبر والأخطر الذي واجهته إيران، أم أنّ هناك أمرًا ما لا يبدو واضحًا إلّا لغير أهل الاختصاص؟
المؤكَّد أنّ ظِلَّ الحرب الأهليّة يخيّم فوق إيران منذ وقت غير قصير، وهذا ما يؤكّده البروفيسور “زولتان غروسمان” عضو هيئة التدريس في قسم الجغرافيا ودراسات السكّان الأصليّين في كلّيّة إيفرغرين ستيت في أولمبيا، واشنطن، والذي يرى أنّه فيما الولايات المتحدة الأميركيّة وإسرائيل، يَصُبّان جامَّ غضبهما على نظام الملالي، كان خطر انزلاق إيران إلى حربٍ أهليّة حاضرًا طوال الوقت.
البروفيسور الأميركيّ يقطع بأنّ الحروب والصراعات الأهليّة لا تنشب فجأةً بين عشيّة وضُحاها، وإنّما تتخلّق في رَحِم الزمن عندما تتحدّى أنظمةٌ اجتماعيّة متنافسة سلطةَ الدولة.
والشاهد أنّه إذا كانت إيران قد وقفت على هذه العتبة من قبلُ، فإن شبحها يخيّم على البلاد مجدّدًا، مع متغيّرٍ مثير وخطير يتمثّل في الهجومات العسكريّة التي تتعرّض لها البلاد من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.
يُظهِر تاريخ إيران نفسه كيف تكتسب الأزمات الداخليّة أبعادًا دوليّة بسرعة. واليوم الوضعُ مشابهٌ لكثيرٍ من المنعطفات التاريخيّة الإيرانيّة، حين قويت جماعات داخليّة محلّيّة، في مواجهة الحكومات.
عادةً، لا تبدأ الحرب الأهليّة بمعارك واسعة النطاق، فقد يبقى العنفُ محدودًا، ولكن إذا نجحت جماعاتٌ اجتماعيّة في بناء مؤسّسات سياسيّة أو إداريّة أو قانونيّة موازية، فإنّ البلاد تكون قد انزلقتْ بالفعل في هاوية المواجهات الأهليّة.
في هذا الإطار، يَعِنّ لنا أن نتساءل عن الأوضاع الإيرانيّة الداخليّة، وبخاصّة في ظلّ ما شهدتْه إيران من حراك مجتمعيّ، بلغ حدَّ العنف مؤخّرًا كما جرى في التظاهرات الأخيرة.
هل بدأتْ جماعاتٌ مؤسّساتيّة بديلة تطفو على سطح الحدث، أم أنّها حاضرة لكنّها متوارية عن الأنظار خوفًا من يد البطش الحكوميّة؟
الشاهد أنّه لا يمكننا فصل الجواب عن تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترمب، والتي أشار فيها إلى أنّ إدارته تعمل وتنسّق عن قربٍ مع قياداتٍ جديدة في الداخل الإيرانيّ، حتّى وإن كانت غالبيّة القيادات التقليديّة قد لَقِيَتْ مصرعها منذ بداية الضربات.
يعني ذلك أنّ واشنطن تراهن بالفعل على شقّ الصف الإيراني الداخلي من خلال الغزل على الجماعات العِرْقيّة المؤدلجة بنوعٍ خاصّ، لا سِيَّما من الأقلّيّات التي عانت طويلًا جدًّا من استبداد رجال الحكم الصفويّ طوال قرابة خمسة عقود.
وممّا لا شكّ فيه أنّ إيران قد بلغت بالفعل، وحتى قبل العمليّات العسكريّة الأخيرة، مرحلةً أصبحت فيها قضيّةُ الأقلّيّات العِرْقيّة وحقّها في تقرير مصيرها أمرًا بالغ الأهمّيّة، لا سِيّما بعد أن حُرِمت من حقوقها، وقُمعت مطالبها الثقافيّة واللغويّة، كما بَقِيت تلك الأقلّيّات العِرقيّة مُستبعَدة من البِنى السياسيّة الرئيسيّة للدولة ودولاب الحكم. ولهذا بات الانزلاق نحو الحرب الأهليّة وكأنّه قَدَرٌ مقدور في زمن منظور، وبخاصّة بعد أن أخفق الملالي في فهم فلسفة التاريخ، والذي يظهر أنّ القمع الإيرانيّ عبر عقود طوال، وإن كان فعّالًا مؤقّتًا، إلّا أنّه لا يُنهي هذه الصراعات بل يُعمِّقها، ما يجعل من هؤلاء وأؤلئك، عناصر مستعدّة للتحالف مع الشيطان على حَدِّ وصف رئيس وزراء بريطانيا العتيد “ونستون تشرشل”.
هل الأقلّيّات العِرقيّة الإيرانيّة جاهزةٌ بالفعل لتفعيل سيناريو الانشقاق ومن ثمّ تصعيد المشهد إلى حدود الحرب الأهليّة؟
تبدو كافّةُ السيناريوهات مطروحةً على موائد النقاش، فيما الحقيقة المؤكّدة هي أنّ البيت الإيرانيّ يكاد يشبه بيت العنكبوت، فلا نسيجَ مجتمعيًّا واحدًا، ولا رؤية إنسانويّة موحّدة للإيرانيّين.
بمعنًى أكثر وضوحًا، لقد حاول الملالي عبر قرابة نصف قرن من الزمان، الرهان على أدوات القمع في الداخل، مستخدمين كلَّ ما يمكن تسخيره من أدوات التوتاليتاريّة والاستبداد العالميَّيْن.
الكارثة وليس الحادثة، هي أنّ النظام الإيرانيّ لا يتعاطى مع مواطنيه من منطلق الاختلافات السياسيّة الإيديولوجيّة، والتي يمكن معها وعبر فلسفة المؤامرات، التوصّل إلى حلول وسط، ترضي كافّةَ الأطراف، ضمن قسمة الغرماء التقليديّة.
النظام الإيراني يحكم عبر رؤيةٍ غيبيّة، موصول بثقافة راسخة في مجتمعٍ يؤمن بالمطلقات، وهذه عقبةٌ كؤود في التواصل مع الآخر، والذي ينبغي إزاحته وتصفيته من الطريق، حيث الذهنيّة الأحاديّة تبقى هي الحاكمة.
من هذا المنطلق تبدو العِرْقيّة وكأنّها تُطِلّ بوجهها، ما يتيح لقرابة 51% من ذوي الأصول الفارسيّة، التعاطي بفوقيّة دوغمائيّة مع العرب والأكراد والأذر والبلوش، وغيرهم ممّن لا يَدِينون بأفكار فريق آيات الله.
هذا هو التحدّي الأكبر، والصراع الأخطر الذي يُهدِّد النسيج المجتمعيّ الإيرانيّ، غير المرتاح إلى بعضه البعض عبر الطبقات العِرْقيّة والثقافيّة، بأكثر ممّا يمكن أن تفعل قنابل العمّ سام.
ما ينساه النظام القائم في إيران وربّما يتناساه عن عمد، هو أنّ الأمم والشعوب على مقربة من نهايات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، لا يمكن أن تقاد بالدوغمائيّات الماروائيّة، ولا بالإيديولوجيّات الشموليّة، الشعوب في أزمنة الذكاءات الاصطناعيّة، والحوسبة الكموميّة، عطفًا على الرقائق الإلكترونيّة، تحتاج إلى الميثودولجيات، وفتح مسارات الانثقاف من العوالم والعواصم ،من غير محاصصةٍ طائفيّة أو تمايز عِرْقِيّ.
من إدوارد غيبون، مرورا بأرثر شيلزنجر، وصولًا إلى نيل فيرجسون، وقبلهما بألفٍ وخسمائة عام مع أوغسطينوس، يبدو واضحًا للعيان أنّ الأمم والحضارات تنهار من الداخل، بأكثر ممّا يفتّ في عَضُدِها مواجهةُ أعداء الخارج.
لن تنفع الشعارات الطوباويّة المثاليّة التي تمّ رفعها في بدايات الثورة الإيرانية في مدِّ عمر نظام تجاوز واقع ومعطيات الحياة العصرانيّة، حيث عبر العالم فكرة القرية الكونيّة إلى ما هو أصغر بكثير عبر أجهزة الهاتف الذكيّة والتي يحلو للبعض أن يطلق عليها صندوق الدنيا.
العقلاء وحدَهم يدركون أنّه لا يمكن الوقوف أمام فكرةٍ حانَ موعدها، وعليه تبدو إيران كشعب مختلف الطبقات العِرْقيّة والحضاريّة في حاجةٍ إلى مراجعة الذات وإعادة تقويم المسار سعيًا لمرحلة جديدة من الحكومة الرشيدة، قوامها احترام الإنسان، وتقدير الجيران.
أثبتت التجربة خلال الشهر المنصرم أنّ الصواريخ لا تفيد، وأنّ الأحقاد لا تبني الأوطان، والعزف الأبوكريفيّ على الأفكار الغيبيّة إنّما يقود إلى ممالك تنقسم على ذاتها، ومَنْ ينقسمْ على ذاته لا يَثْبُتْ. وكلّ بيتٍ ينقسم على ذاته يخرب، فانظرْ ماذا ترى.



