هآرتس: صمت الهند بالنسبة لحرب ايران هو جزء من استراتيجية محسوبة

هآرتس 22/3/2026، اوشريت بيروودكر: صمت الهند بالنسبة لحرب ايران هو جزء من استراتيجية محسوبة
لو أن ناريندرا مودي تنبأ بان الحرب على ايران ستبدأ بعد بضعة أيام على مغادرته لإسرائيل، لكان مشكوك فيه ان يختار القيام بزيارته التاريخية في البلاد. التوقيت المؤسف حول ما كان من المفروض ان يكون انتصار دبلوماسي الى بؤرة من نظريات المؤامرة، الامر الذي عرض العملاق الآسيوي لانتقادات شديدة، داخلية وخارجية.
لقد أدى اغلاق ايران لمضيق هرمز الى تفاقم الانتقادات واثارة الخوف في الأسواق. ولكن نيودلهي التي جعلت الحذر الدبلوماسي ميزة لها، تسير مرة أخرى في مسارها وفقا لمصالحها الوطنية. الان مع تزامن الاضطرابات الجيوسياسية مع اندماجها بالاقتصاد العالمي، أصبحت عملية صنع القرار معقدة اكثر وحساسة اكثر.
رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها بسبب العقوبات الدولية التي تم فرضها على ايران، بدء بقطع التمويل عن ميناء تشابهار الاستراتيجي ومرورا بوقف مشتريات النفط وانتهاء بتجميد مليارات الدولارات في البنوك في طهران، الا أن الهند دائما تفاخرت بقدرتها على الحفاظ على علاقات وثيقة مع كل الأطراف. لذلك فان صمت الهند في الأيام الأولى للحرب اعطى فرصة للمحللين وشخصيات معارضة لانتقاد سياسة مودي الخارجية. وتصدر عناوين الصحف المحلية سؤال مؤثر وهو “لماذا لم تقم الهند حتى الان بإدانة قتل خامنئي؟”. وقد جادلت سونيا غاندي، وهي من ابرز الأصوات في حزب المؤتمر، في مقال راي، بان عدم التعزية لا يعني الحيادية، بل التخلي عن مباديء السياسة الخارجية للهند. وتساؤل راؤول غاندي، ابنها، “هل تؤيد الهند اغتيال زعيم دولة؟”.
الواقع معقد
انتقد سانغاي سينغ، زعيم حزب “إيه إيه بي”، صمت الحكومة في نيودلهي إزاء الهجمات الامريكية والإسرائيلية في ايران وقال: “قل أي شيء عن استبداد أمريكا وإسرائيل، يا سيد مودي… استبداد أمريكا، الديكتاتور العالمي، سينتشر في كل العالم”. هذا الانتقاد جاء في وقت سارع فيه المحللون الى استنتاج ان الهند تغير استراتيجيتها وتدخل تحت جناح الغرب.
ولكن الواقع يتكون من تقسيم ثنائي (ابيض واسود) الذي يقدسه العصر الحديث. فبينما ينظر الى الصمت أحيانا بانه ضعف في المجال العام، الا انه في الدبلوماسية قد يكون استراتيجية محسوبة. فالتوقيت الحرج للهجوم على ايران بعد بضعة أيام فقط من اعلان مودي فوق منصة الكنيست بان “الهند تقف بحزم مع إسرائيل”، لم يترك أي مجال لاصدار ادانة مدوية، لا سيما مع امتناع دول المنطقة نفسها عن ذلك. إضافة الى ذلك كان المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول للحرب، من ابرز الأصوات التي تعارض الهند في قضية كشمير.
حسب مصادر حكومية تدخل خامنئي في الشؤون الداخلية للهند اربع مرات في الأعوام 2017 – 2024، وتبنى رواية الباكستان، الامر الذي أدى الى استدعاء الممثلين الإيرانيين الى محادثات توبيخ في نيودلهي. ولكن في مواجهة موجة الاحتجاجات للشيعة والسنة في شوارع الهند، والخوف من اندلاع فتنة طائفية، اختارت الحكومة في نهاية المطاف ارسال مسؤول صغير لتقديم التعزية في السفارة الإيرانية وهكذا طويت القضية.
مع ذلك إضافة الى القلق على تسعة ملايين مواطن هندي الذين يعيشون في دول الخليج التي تعرضت للقصف، والذين يتم تهديد مليارات التحويلات المالية التي يرسلونها الى عائلاتهم في الهند، تجبر الهند على التعامل مع ازمة أخرى لها تداعيات خطيرة على النمو الاقتصادي فيها، اغلاق مضيق هرمز.
ما زالت الهند، التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز من الشرق الأوسط رغم خططها الطموحة لتنويع مصادر الطاقة، تجد نفسها تتحمل عبء حرب لم تكن طرف فيها. تعتبر الهند المستوردة الثالثة للنفط في العالم والمستهلكة الثانية للغاز المسال، وياتي نصف استهلاكها من المنطقة، الامر الذي يجعلها معرضة للخطر بشكل خاص. من شأن ارتفاع سعر برميل النفط الى اكثر من 100 دولار ان يبطيء النمو الاقتصادي في الهند ويؤدي الى التضخم ويضعف العملة المحلية، الروبية، ويفاقم عجز الميزانية بشكل ملحوظ.
تعتمد مكانة نيودلهي الدولية الان على النمو الاقتصادي. ولهذا السبب بالذات، لا يمكن لاقتصاد ودولة بهذا الحجم ان تخاطر بالاعتماد على مصدر واحد فقط. تعتبر الهند حاليا اسرع الاقتصادات نموا في العالم ووجهة استثمار رئيسية في الطريق الى ان تصبح ثالث اكبر اقتصاد في العالم. ويكمن نجاحها في القدرة على تحقيق هذا الاستقرار الاستراتيجي، وذلك من خلال سياسة توزيع المخاطر، فضلا عن حكومة منتخبة لولاية ثالثة.
هذه العقلية هي التي دفعت نيودلهي لشراء النفط الرخيص من روسيا في فترة الحرب مع أوكرانيا رغم الضغط الدولي. ومن الصحيح أيضا ملاحظة استثمار شركة “ريلانس” الهندية في إقامة مصفاة نفط في تكساس. ويضاف الى ذلك القرار المفاجيء للرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح الهند استثناء في شراء النفط الروسي لمدة ثلاثين يوم في ضوء الحرب الجارية مع ايران. ويأتي ذلك في اعقاب مواجهات مستمرة مع إدارة مودي على مدى الأشهر الستة الأخيرة، التي تضمنت فرض رسوم جمركية عقابية تبلغ 25 في المئة. مع ذلك، تصرف ترامب لا ينبع من حبه لمودي وتعاطفه مع تعقيدات الهند، بل بدافع براغماتي لكبح ارتفاع أسعار النفط ومعرفته ان الهند ستستمر في العمل فيما يخدم مصالحها الوطنية في كل الحالات. ومن المرجح أن تعود الى شراء النفط من روسيا، سواء بموافقته أو بدونها.
يبدو ان نيودلهي تستغل بدرجة كبيرة رصيدها الاستراتيجي الذي بنته بعناية كبيرة، وهو شبكة العلاقات الواسعة التي تحافظ على مسافة آمنة عن كل الأطراف. هذه الاستراتيجية هي التي مكنت الهند من تامين مرور ناقلتي النفط في مضيق هرمز، بالتنسيق والموافقة مع ايران. وقد أوضح وزير خارجية الهند، سوبر امانيام جنشيكار، ان هذا ليس اتفاق اطار شامل، بل هو دراسة متانية لكل حالة على حدة.
تشير تقارير كثيرة الى وجود صفقة مقايضة يجري العمل عليها بالسر، تتمثل بتزويد الهند بمعدات طبية مقابل الافراج عن ثلاث سفن إيرانية سمحت لها بالرسو في شواطئها عند اندلاع النزاع في نهاية شهر شباط.
ان دعوة ترامب للدول الأخرى للمشاركة في تامين عبور السفن في مضيق هرمز وتخفيف العبء عن الولايات المتحدة، كانت ستكون خطأ استراتيجي لو انها وجهت ضد الهند. قد يؤدي دفع نيودلهي الى تدخل عسكري فعلي الى جعلها طرف مباشر في النزاع، وهو سيناريو يتعارض مع مصالح كل الأطراف، لانه قد تكون الهند هي “الورقة الرابحة” الوحيدة التي بقيت من اجل التوسط في الحالات القصوى. في غضون ذلك تواصل الهند الحذر في خياراتها، وتؤمن مصالحها الآنية، بينما تعد نفسها بهدوء للمستقبل.



