منوعات

فتحي زيدان جوابرة: انطلقوا لشراء ملابس العيد، فعادوا بالأكفان

فتحي زيدان جوابرة 21-3-2026: انطلقوا لشراء ملابس العيد، فعادوا بالأكفان

لم تكن ثمة حرب واشتباكات في الطريق، الهدوء الحذر ليلا يعمّ المكان، ويبحث الناس فيه عن طمأنينة يتشبثون بها، كحبل يسحب قلوبهم إلى صبيحة يوم العيد.

لم يكن في السيارة الوادعة سوى أطفال أربعة، أحدهم لا يبصر العالَم بعينيه، بل يراه عالما جميلا بقلبه. أطفال أربعة يتقدمهم قلبُ أمٍّ رؤوم، وظلّ دافئ يستشعره الأطفال من أبٍ عاد للتو من العمل في الداخل المحتلّ، عاد من تعب باحثا عن فسحة فرح، حلق شعره في صالون الحلاقة المعتاد عليه، ثم اصطحبهم إلى المدينة؛ لشراء ملابس العيد وبعضًا من الفرح.

انطلقوا من طمون يحملون الفرح معهم، يحذوهم الأمل لاستقبال العيد بملابس جديدة وألعاب سيشترونها، كل على مزاجه وذوقه وميوله. ولا بأس من تدخّل الأم في نوعية الملابس وشكلها وثمنها، فهذا الأمر تدركه الأم أكثر منهم. ويدركون أنها تعرف ما يناسبهم أكثر منهم.

جلسوا في السيارة ومنحوا للفرح مساحة كافية، لكنهم لم يكونوا على علم بأنّ الموت قد تسلل إلى المقعد الخلفي، وأقعى وراءهم ينتظر الفرصة. في هذه الليلة الرمضانية قاد (علي عودة) السيارة، آمِلا بأن يعتلي أبناؤه صهوة المسرّة، ثم العودة سريعا إلى طمون، وإلى جواره تجلس زوجته (وعد) التي وعدت أبناءها أن تشتري لهم ما يرضيهم. وخلفهما القلوب البريئة (خالد، مصطفى، عثمان، ومحمد). والموت يحدّق بهم أجمعين، يتجادل مع ذاته: أيّهم سيكون الضحية، الفريسة، وجبة هذا الليل ؟؟.

تجوّلوا في السوق، تحاوروا، وربما تجادلوا على شيء ما، واتفقوا أخيرا على المشتريات، عادوا مع كمية أكبر من الفرح، سيارة تكتظ بالغبطة والضحكات، والفرح يتقافز بين المقاعد. والأشقاء يداعبون عثمان، الطفل الذي يرى العالم بقلبٍ بريء.

حانت ساعة الصفر، والموت تهيّأ للانقضاض، وانهمر الرصاص فجأة من سيارة تشبه سياراتنا وتحمل لوحة من لوحات سياراتنا. لم يحتج الموت سوى ثوانٍ قليلة ليبدّد الفرح الصغير ويجلب محلّه خوفا ورعبا وصرخات لا تجد مغيثا، ثم ألما وحسرة عميقة لا يمحوها تعاقب الفصول ولا تُنسى بالتقادم. صرخت (وعد) بكلمة واحدة “خلص”، تلك الكلمة التي قالتها انتصار الوزير حينما انهمر الرصاص على صدر زوجها الشهيد أبو جهاد. “خلص” التي صدحت في تونس قبل ثمانية وثلاثين سنة تتكرر اليوم في طمون ونابلس، كما صدحت كثيرا في غزة. لكن الفارق أن “خلص” الأولى أبقت على انتصار، أما “خلص” اليوم فلم تبق على وعد الطمونية وهند الغزية.

خلال ثوانٍ أو دقيقة أنهى الموت مهمته واكتملت المأساة في مركبة العيد السعيد؛ أُزيلَ الظل الدافئ (علي) من الوجود، بعد أن تلقى الرصاص بكل أنحاء جسده، واغتيل القلب الرؤوم (وعد) بعد أن صرخ صرخة لعلها توقظ ضمير الإنسانية الغائب، وغادر هذا العالَم الظالم الطفلان الأصغران: محمد وعثمان الذي كان يعتقد أن هذا العالم جميل، حيث كان يبصره بقلبه لا بعينيه. أما خالد ومصطفى فقد منحهما القدر فرصة للاختباء من الموت الداهم؛ ليظلا شاهدين على جريمة إنسانية، أطفأت أضواء الفرح وموسيقى الحب.

يقول خالد الطفل الناجي من المجزرة الدموية: “كان أخي محمد يضحك مع أبي وفجأة لم يعد هناك صوت”. “هجموا على السيارة، وانهالوا عليّ ضربًا، وحاولوا انتزاع شقيقي مصطفى من بين يديّ”.

يا طمونُ الثكلى، لست وحدك، كلنا نحترق ونتألم وجعا، فالجرح واحد هنا وفي غزة وفي كل مكان يتواجد فيه إنسان هواه وهويته فلسطين… الدموع غزيرة والقلوب محترقة، ولون السواد يشكّل خلفية لحروف لهجتنا الفلسطينية المخضبة بالدم وبالصبر والصمود.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى