عصام إدريس: مقصلة “التريند” والعدالة العرجاء
عصام إدريس 22-3-2026: مقصلة “التريند” والعدالة العرجاء
في عصر شكلت فيه الشاشات المرايا الوحيدة التي يتمكن الواقع من الانعكاس خلالها، برزت حادثة “أكياس الماء” خلال صلاة عيد الفطر لهذا العام بمنطقة مصر الجديدة بالقاهرة لتكشف عن وجهٍ قبيح لـ “المقصلة الرقمية”.
لم تكن الواقعة مجرد تعدٍّ عابرٍ على شعائر دينة أو كونها رد فعلا على همجية الغوغاء الذين اعتدوا على سيارة الأسرة ، بل كانت تجسيداً لمرضٍ عضال أصاب الوعي الجمعي، حيث تحولت السوشال ميديا من “وسيلة تواصل” إلى “سلطة قضائية بديلة” تمنح صكوك الغفران تارة وتصدر أحكام الإعدام المعنوية وفقاً لمزاج الخوارزميات تارة أخرى وهنا سأتناول الظاهرة بغض النظر عن الموقف من عدة جوانب:
أولاً: سيكولوجية الحشد.. حين يغيب العقل ويحضر “القطيع”
يبدأ الانحدار دائماً بلحظة “انفعال” يجري توثيقها بالهاتف، يرى العالم الجزء غير الغاطس فقط من جبل الجليد، وسرعان ما يشتعل فتيل الغضب بين رواد المنصات “الميداوية” المختلفة وهنا، نستحضر رؤية غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير”؛ حيث تذوب شخصية الفرد الواعية في روح الجماعة، وتتحول العواطف البسيطة إلى تطرفٍ أعمى.
في هذه الحادثة، تحول الجمهور من مناقشة السلوك المتدني ودوافعه إلى البحث عن “من هم؟” ليفرغ فيهم شحنة الغضب، ويوظفها في قضايا تميزية بعينها وهنا برزت شائعة انتماء العائلة لجنسية دولة عربية شقيقة وانهالت التعليقات بالسباب واللعان والطعان حتى أقسم البعض أنه عندما رأى هذا السلوك المعوج علم يقينا “بحذاقته منقطعة النظير” أن هؤلاء ينتمون إلى تلك الدولة ، وعندما فشلت الفكرة تحولت الشائعة لكون الأسرة أسرة مسيحية على الرغم أن انتماء الأسرة لدولة بعينها أو دين بعينه لا يعتبر إدانة جماعية لطائفة معينة.
ثانياً: العدالة لمن يملك “التريند”.. ضياع حقوق الصامتين
أخطر ما يلفت انتباهي في كل قضايا التريند هو “طبقية العدالة الرقمية”. فنحن نعيش في غابة إلكترونية تتيح للبعض أخذ حقوقهم لمجرد أنهم يمتلكون المهارة في “توظيف السوشال ميديا”، بينما يضيع حق من لا تسعفه الفرصة أو القدرة على الوقوف أمام العدسة.
إنها مفارقة موجعة؛ فبعيدا عن هذه الحادثة بعينها يتمكن الشخص الذي يجيد الصراخ الرقمي واختيار العناوين المثيرة من تحويل باطله إلى حق في نظر الناس، بينما المظلوم الحقيقي الذي يلوذ بالصمت يدفن حقه تحت ركام النسيان، وكأن السؤال المنطقي هنا !!!!،
ماذا عمن لا يملك جرأة استخدام السوشال ميديا؟ ماذا عمن لا يعرف كيف يخاطب الجماهير؟
إن السوشال ميديا خلقت “عدالة عرجاء” تنتصر للمشهور على المغمور، وللمتحدث على الصامت، وفي كثير من الأحيان، ينتصر الطرف الظالم لأنه فقط كان الأسرع في “رفع الفيديو” وتأطير الرواية لصالحه.
ثالثاً: دستور “التبيّن” في مواجهة “الجهالة” الرقمية
لقد وضع القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً المصل الواقي من هذا الوباء في آيةٍ هي “مانيفستو” الأخلاق الإعلامية:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فتبينوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ))
“الجهالة” في سياقنا المعاصر هي “رعونة الإصبع” الذي يضغط زر المشاركة قبل أن يستنطق الحقيقة. والندم الذي ذكرته الآية هو ذلك الشعور الثقيل الذي انتاب الآلاف (إذا افترضنا جدلا أنهم راجعوا ضمائرهم) بعدما اكتشفوا أن الأسرة ليست من جنسية مختلفة ولا من دين مختلف، وأن القصة لها أبعاد أخرى غابت عن المشهد المجتزأ، لكن الندم الرقمي لا يرمم السمعة التي تهدمت، ولا يمسح الوصمة التي طبعت على الجدران.
رابعاً: تزييف الوعي وهندسة الحقيقة
يقول ميشيل فوكو إن “الحقيقة ليست خارج السلطة”، واليوم، السلطة هي “اللايك”. لقد أصبحت السوشال ميديا وسيلة لـ صنع الحقيقة لا لنقلها، حيث تجرى “هندسة” الوعي الجمعي من خلال الموقف؛ وسلبيات الموقف تتجاوز مجرد “الخطأ في المعلومات”، إلى “ترسيخ الكراهية” في سقطة أخلاقية كبرى تجعل من المجتمع غابة من التكفير والتخوين المتبادل.
أخيرا فإنه علينا أن ندرك بأن “الحقيقة” أقدس من أن تُترك لنهش الخوارزميات وأن العدالة التي تأتي من “التريند” هي عدالة منقوصة، لأنها تنتصر فقط لصاحب الصوت الأعلى، بينما الحق الحقيقي قد يكون قابعاً في زاوية مظلمة، لا يملك صاحبها “باقة إنترنت” ليدافع عن نفسه.



