أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: زرع بذور التغيير: الحرب واغتيالات القادة في قلب إيران

د. إبراهيم نعيرات 18-3-2026: زرع بذور التغيير: الحرب واغتيالات القادة في قلب إيران

صباح يوم 28 فبراير 2026، اهتزت شوارع طهران بصوت الانفجارات الضخمة، وتصاعدت أعمدة الدخان من القصر الرئاسي ومقار أمنية أخرى. كانت هذه البداية لـ الحرب الشاملة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل محاولة لإعادة تشكيل السلطة والشرعية داخل الجمهورية الإيرانية.

في قلب هذه الحرب، كان هناك هدفان استراتيجيان: المرشد الأعلى علي خامنئي، رمز الثورة الإسلامية والقوة الرمزية للنظام منذ عقود، وعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الجسر بين التيارات السياسية المختلفة و”ذاكرة النظام الحية”. اغتيالهما لم يكن تصفية لأفراد فحسب، بل ضربة مباشرة للشرعية الرمزية التي استند إليها النظام منذ الثورة.

مع سقوط خامنئي في الضربة الأولى، شعر النظام بزلزال داخلي. لم يكن مجرد فراغ إداري، بل اهتزاز كامل للسردية الثورية التي بنيت على رمزية القيادة. وبعد أسابيع، جاء اغتيال علي لاريجاني ليضاعف الصدمة: فقدت القيادة الجديدة القدرة على استدعاء الرصيد الرمزي الذي يربط بين المؤسسات والأجنحة المختلفة للنظام.

غياب هذه الرموز لا يخلق فراغًا إداريًا فحسب، بل يفتح فجوة في الشرعية الرمزية التي يعتمد عليها النظام. القادة الجدد، مهما بلغت كفاءتهم، لا يرثون تلقائيًا الشرعية الرمزية، ولا يمكنهم استحضار نفس القبول الداخلي، خصوصًا في نظام يستمد جزءًا كبيرًا من قوته من الذاكرة الثورية والرموز الدينية.

في هذا السياق، تتجلى إشكالية التوازن بين مراكز القوة: الحرس الثوري الإيراني، المؤسسة الدينية، والبنية السياسية الرسمية، يشكلون مثلثًا دقيقًا من النفوذ. غياب شخصية جامعة لضبط هذا التوازن قد يحوّل التنسيق الضمني إلى تنافس صريح، ويترك الباب مفتوحًا لإعادة توزيع السلطة بصورة غير مستقرة.

إن فقدان النظام لهذه الركيزة الأساسية يفتح نافذة للمعارضة الداخلية لتحريك نفسها وإعادة بناء قواعد سياسية يمكن أن ترتكز عليها في معركة التغيير. هذا لم يكن صدفة، بل أحد أهم أهداف الحرب: قطع الاستمرارية عن النظام وخلط الأوراق داخله. فالقيادة الجديدة لن تكتسب الشرعية تلقائيًا، لأن النظام مبني أساسًا على الرمزية الدينية الشيعية، حيث تُقدس الشخصيات التاريخية والقيادات العليا وتصبح محورًا للسردية الثورية.

هذه الفجوة ليست مجرد فرصة، بل نافذة زمنية حاسمة للمعارضة لإعادة ترتيب نفسها. لكن قدرتها على التحول من مجرد صوت احتجاجي إلى قوة مؤثرة تبقى مرتبطة بعدة عوامل: مستوى تماسكها الداخلي، ضغط النظام الأمني، وظروف الاقتصاد التي تشكل الخلفية الحاسمة لأي تحوّل سياسي.

بعد أن يضمن النظام استقراره النسبي ويغيب صوت المعارضة، يتحول القمع من أداة مؤقتة إلى آلة قمع مؤلمة على الشعب. في البداية، يقل استخدام القبضة الأمنية لأنه ليس بحاجة إليها إلا بالحد الأدنى، مستفيدًا من ضعف المعارضة. لكن مع استعادة نفوذه الداخلي وطمأنة النخبة الحاكمة، غالبًا ما يتجه إلى تعزيز قبضته على الشارع، مستخدمًا القمع بشكل أكثر وضوحًا وفعالية لاستئصال أي بوادر احتجاج.

هذا الأسلوب، رغم فاعليته المؤقتة، يحمل مفارقة خطيرة: كل خطوة قمعية قد تؤدي إلى استنهاض المعارضة وإذكاء روح المقاومة بين المواطنين. القيود الصارمة على التعبير والحركة السياسية، بدل أن تثبت الاستقرار على المدى الطويل، قد تشعل غضبًا دفينًا، وتخلق قوى جديدة قادرة على تحدي النظام.

ومن هنا، نجد أنفسنا أمام مرحلة حساسة قد ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن هدف الحرب غير المعلن قد تحقق. فالضربات والاغتيالات لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل زرعت بذور التغيير داخل إيران: تقويض الشرعية الرمزية، خلق فجوة قيادية، وإتاحة فرصة للمعارضة لإعادة ترتيب نفسها. في هذه المرحلة، قد يتوقف التصعيد العسكري، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن الهدف الاستراتيجي — خلخلة النظام وخلط الأوراق داخله — قد تحقق بالفعل.

في النهاية، يقف النظام الإيراني أمام معادلة دقيقة: تعزيز القبضة لضمان استمراريته على المدى القصير، أو المخاطرة بفتح المجال للمعارضة والنزاعات الداخلية على المدى المتوسط. إنه مفترق حساس بين شرعية الماضي وضغوط الحاضر، بين رمزية التاريخ وثقل الواقع، حيث لا يُحسم مصير النظام بالسقوط أو البقاء، بل بإعادة تعريف ذاته: ماذا سيبقى من الروح الثورية، وماذا سيتغير تحت وطأة الأحداث؟ في الإجابة على هذا السؤال يتحدد شكل المرحلة القادمة — مرحلة قد تكون الأكثر دقة وتعقيدًا منذ تأسيس الجمهورية.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى