أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: إيران وإسرائيل والولايات المتحدة: إعادة قراءة جذور العداء

د. إبراهيم نعيرات 17-3-2026: إيران وإسرائيل والولايات المتحدة: إعادة قراءة جذور العداء

يُقدَّم العداء بين إيران وإسرائيل، وأحيانًا الولايات المتحدة، في كثير من الخطابات السياسية بوصفه صراعًا عميقًا ومتجذرًا في المنطقة. غير أن قراءة دقيقة للتاريخ تكشف أن هذه العلاقة ليست ثابتة كما تبدو، بل تشكّلت عبر تحولات سياسية وأيديولوجية معقدة، بدءًا من تعاون إيران مع إسرائيل قبل الثورة الإسلامية، وصولًا إلى الصراع الحالي بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية.

قبل الثورة الإسلامية، لم تكن إيران عدائية تجاه إسرائيل، وكانت تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي تحافظ على علاقات تعاون غير معلنة مع إسرائيل شملت المجالات الاقتصادية والأمنية، فيما كانت الولايات المتحدة تعتبر إيران حليفًا استراتيجيًا في مواجهة النفوذ السوفييتي وتوازن القوى في الشرق الأوسط. هذه العلاقة جاءت ضمن رؤية براغماتية مشتركة، تتجاوز الاعتبارات الدينية أو الأيديولوجية، وركزت على المصلحة الاستراتيجية المشتركة.

لكن المشهد تغيّر جذريًا مع انتصار الثورة الإسلامية وصعود قيادة روح الله الخميني. فقد أعادت الجمهورية الإسلامية تعريف هوية الدولة الإيرانية على أساس ديني شيعي، وجعلت البعد الأيديولوجي محور السياسة الداخلية والخارجية، مع ربط الصراع مع إسرائيل وأحيانًا الولايات المتحدة بالمشروع الثوري الإيراني. القضية الفلسطينية صارت أداة رمزية وسياسية لتعزيز شرعية النظام، وأصبح العداء لإسرائيل والولايات المتحدة جزءًا من هوية الجمهورية الإسلامية، إذ يُنظر إليهما بوصفهما قوى استعمارية تستهدف الأمة الإسلامية وتوازناتها.

هوية إيران المبنية أساسًا على الدين الشيعي جعلت القضية الفلسطينية أداة مركزية في تحقيق أهداف مشروعها الأيديولوجي. فالنظام الإيراني الجديد، الذي تأسس تحت مظلة المرشد الأعلى، يربط السياسات الإقليمية بالبعد الديني، ويستثمر فلسطين لتعزيز شرعية مشروعه الثوري والشيعي. ومن منظور القيادة الإيرانية، فإن هذا المسار ليس مجرد خيار سياسي، بل واجب ديني، مستمد من اعتقادات مرتبطة بتحقيق وعود إلهية، بما فيها انتظار ظهور المهدي المنتظر.

هذا البعد الأيديولوجي دفع إيران إلى اتباع سياسات تتجاوز حدود مصالحها التقليدية، وتشمل دعم قوى شيعية في المنطقة، وتوسيع النفوذ في الأماكن الإسلامية المقدسة، ما يضعها في صدام مستمر مع بعض الدول السنية التقليدية، ويجعل موقفها من إسرائيل أكثر حدة. وبهذا، تتحول القضية الفلسطينية إلى أداة مزدوجة: رمزًا للعدالة الدينية وللصراع الأيديولوجي، وفي الوقت نفسه أداة سياسية واستراتيجية لتعزيز النفوذ الإقليمي.

وفي سياق هذا المشروع، عملت إيران على بناء شبكة تحالفات إقليمية مع قوى مختلفة. ويعد تحالف الحركات الإسلامية الفلسطينية أحد أبرز الأمثلة على سعي إيران لتسويق مشروعها الديني خارج حدود الدولة. فدعم فصائل مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي ليس مجرد تحالف سياسي أو عسكري، بل وسيلة لتعزيز مشروع إيران الديني الشيعي في المنطقة، ومنحها رأس مال سياسي وديني في العالم الإسلامي، مع إبراز القضية الفلسطينية كرمزية وأداة استراتيجية في الوقت ذاته.

غير أن جانبًا من النقاش السياسي يطرح فرضية مختلفة مفادها أن العداء بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، ليس حتميًا بطبيعته. فالتاريخ القريب يقدّم مثالًا على إمكانية قيام علاقات مختلفة بين الطرفين، كما حدث في مرحلة حكم الشاه. من هذا المنظور، يرى بعض المحللين أن البعد الأيديولوجي الديني للنظام الإيراني لعب دورًا حاسمًا في تحويل العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة إلى صراع مفتوح. فلو كانت إيران دولة تتحرك وفق منطق براغماتي بحت، بعيدًا عن البعد الديني الثوري، لكان من الممكن أن تتطور العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة على نمط العلاقات السابقة للشاه، وقد تحولت العقيدة الدينية إلى عنصر أساسي في الصراع الحالي.

ويأتي 28 فبراير 2026 كنقطة تحول جديدة، حيث بدأت حرب على إيران باغتيال المرشد الأعلى خامنئي، ما يفتح ملفات الصراع الداخلي والإقليمي. يشير البعض إلى أن الاستراتيجية العسكرية والسياسية تجاه إيران تحمل رسائل ضمنية تتجاوز مجرد الصراع العسكري التقليدي. فعدم استهداف الرئيس الإيراني مباشرة، مع التركيز على الشخصيات الدينية العليا مثل المرشد الأعلى، قد يعكس محاولة لإضعاف البعد الديني في بنية النظام الإيراني، دون المساس بالهيكل التنفيذي للدولة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم أن الهدف ليس فقط مواجهة إيران كدولة، بل مواجهة المشروع الأيديولوجي الديني الذي تشكّل منذ الثورة الإسلامية، ومحاولة الحد من تأثيره في الداخل والخارج، بما في ذلك في سياساتها تجاه المنطقة والقضية الفلسطينية.

وفي ضوء ذلك، يطرح بعض المراقبين تساؤلًا أوسع يتعلق بمستقبل هذه العلاقة: هل يمكن أن تتغير طبيعة الصراع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، إذا شهدت إيران تحولات سياسية تعيد تعريف دور الدولة وهويتها الأيديولوجية؟ يعتقد البعض أن أي تحول عميق في بنية النظام السياسي الإيراني قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقات الإقليمية، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

ومع ذلك، تبقى مثل هذه السيناريوهات في إطار الافتراضات السياسية، لأن واقع الشرق الأوسط يُظهر أن الصراعات فيه نادرًا ما تُفسَّر بعامل واحد فقط. فالأيديولوجيا والمصالح الاستراتيجية والتوازنات الإقليمية تتداخل جميعها في تشكيل سياسات الدول.

لذلك، فإن فهم العلاقة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة يتطلب تجاوز التفسيرات المبسطة التي تختزل الصراع في بعد ديني أو سياسي واحد. فالحقيقة الأرجح أن هذا العداء تشكّل عبر تفاعل معقد بين الأيديولوجيا والمصلحة، بين الطابع الثوري للنظام الإيراني، وتوازنات القوة الإقليمية والدولية.

وفي قلب هذه المعادلة تبقى القضية الفلسطينية حاضرة بقوة، بوصفها قضية تحرر بالنسبة لكثيرين، وأداة سياسية واستراتيجية للنظام الإيراني لتعزيز شرعيته الإقليمية، ما يجعلها مركزًا لا ينفصل عن قراءة جذور العداء بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى