#شؤون فلسطينية

فتحي كليب: الأزمة المالية للأونروا وتحولاتها السياسية: التمويل كأداة سياسية لنزع الشرعية الدولية

فتحي كليب، 16-3-2026: الأزمة المالية للأونروا وتحولاتها السياسية: التمويل كأداة سياسية لنزع الشرعية الدولية

الملخص

صدر عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات – «ملف» دراسة جديدة بعنوان: «الأزمة المالية للأونروا وتحولاتها السياسية: التمويل كأداة سياسية لنزع الشرعية الدولية»، بقلم عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية فتحي كليب. وهي دراسة مكملة لدراسة اخرى كانت صدرت عن المركز عام 2025 بعنوان حرب إسرائيل على وكالة الغوث وبقلم فتحي كليب وعضو اللجنة المركزية للجبهة محمود خلف، وتناولت مجموعة من العناوين الغنية والهامة.

تتناول الدراسة خمسة عناوين ما زالت مطروحة للنقاش العام، سواء على مستوى الوكالة والامم المتحدة وبعلاقتهما مع اللاجئين او على مستوى اللاجئين انفسهم وممثليهم. وتركز على أزمة التمويل التي تواجه الأونروا، حيث تعتبر أن الأزمة الحالية ليست مالية فقط بل ذات أبعاد سياسية تهدف إلى إضعاف الوكالة وتقويض دورها المرتبط بقضية اللاجئين الفلسطينيين. مشيرة الى انه بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، علّقت أو أوقفت نحو 18 دولة تمويلها للأونروا استجابةً لاتهامات إسرائيلية بمشاركة بعض موظفي الوكالة في الهجوم. ورغم أن الاتهامات طالت عدداً محدوداً من الموظفين، فإن العديد من الدول المانحة استخدمتها ذريعة لإعادة النظر في دعمها المالي.

وترى الدراسة أن هذه الأزمة ترتبط بمخطط سياسي أوسع يستهدف تقليص دور الأونروا أو تفكيكها، باعتبارها أحد الشواهد الدولية على استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة وفق قرارات الشرعية الدولية. كما تحاول بعض الأطراف إعادة تعريف مفهوم اللاجئ الفلسطيني بحيث يقتصر على الجيل الأول فقط، ما يؤدي عملياً إلى تقليص عدد اللاجئين وإضعاف حقوقهم القانونية والسياسية.

كما تناقش الدراسة تبريرات الدول المانحة لوقف التمويل، مثل الادعاءات الأمنية، والضغط لتغيير المناهج التعليمية، والمطالبة بإصلاحات إدارية ومالية، إضافة إلى ربط الدعم بشروط سياسية. وترى الدراسة أن هذه الشروط تمثل شكلاً من أشكال الضغط السياسي على الوكالة.

ومن القضايا المهمة أيضاً طرح فكرة تحويل خدمات الأونروا إلى وكالات أممية أخرى أو إلى الدول المضيفة. وتوضح الدراسة أن هذا التوجه قد يؤدي إلى إضعاف المكانة القانونية والسياسية للأونروا، وتهديد الخدمات الأساسية، كما قد يفتح الباب لإعادة تعريف قضية اللاجئين كقضية إنسانية فقط، بدلاً من كونها قضية سياسية مرتبطة بحق العودة. مشيرة إلى تراجع التمويل العربي للوكالة في السنوات الأخيرة، حيث انخفضت نسبة المساهمات العربية بشكل كبير، ما يزيد اعتماد الأونروا على المانحين الغربيين ويجعلها أكثر عرضة للضغوط السياسية.

أما من الناحية المالية، فقد ارتفعت احتياجات الأونروا إلى مليارات الدولارات سنوياً بسبب الأزمات الإنسانية، خصوصاً في غزة، بينما بقيت الميزانية العادية ثابتة تقريباً، ما أدى إلى عجز مالي كبير وإجراءات تقشف أثرت على الخدمات الأساسية. كما أن الاعتماد المتزايد على تمويل الطوارئ بدلاً من برامج التنمية يشير إلى تحول دور الوكالة من التنمية إلى الإغاثة الإنسانية.

وتخلص الدراسة إلى أن حماية الأونروا تتطلب دعماً سياسياً ومالياً دولياً، ورفض أي محاولات لاستبدالها أو تقليص دورها، إضافة إلى إيجاد آليات تمويل مستدامة وضمان استمرار خدماتها للاجئين الفلسطينيين، باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومة الشرعية الدولية المرتبطة بحقوقهم.

(الدراسة كاملة)

مقدمة

رغم أن وكالة الغوث لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، قد مرت بالعديد من الأزمات المالية منذ تأسيسها – 1949، إلا أن الأزمة الحالية تعتبر الأكثر خطورة، نظراً لتشابك أسبابها وتعدد أطرافها؛ فهي ليست من نوع الأزمات المالية الدورية التي يمكن معالجتها من خلال تدخل كيانات أو منظمات، كما كان يحصل، بل هي أزمة سياسية تتداخل فيها ضغوط دولية جعلت منها أزمة ممتدة تشكل خطراً على مستقبلها، وتتطلب حلولاً غير تقليدية.

السبب الظاهر لهذه الأزمة، التي خرجت إلى العلن بعد قرارات جماعية من دول غربية وأطلسية، كان من نتائجها وقف أو تعليق نحو 18 دولة لمساهماتها المالية في بداية عام 2024، في إستجابة واضحة لمطالب إسرائيلية بقطع التمويل، بعد إتهامات وجهتها إسرائيل لبعض موظفي الأونروا بالمشاركة في أعمال «طوفان الاقصى»، تبعها عملية تحريض واسعة ضد الأونروا، شاركت فيها منظمات ومؤسسات تتخذ من أوروبا مقراً لها، وهو ما دفع بمانحين رئيسيين كالولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة إلى مراجعة التمويل بانتظار نتائج تحقيقات ستجريها الأمم المتحدة.

■ غير أن المتابع لتطورات الأزمة، والمواقف السياسية للعديد من الدول المانحة، يلاحظ أن الأزمة تجاوزت إطارها المالي والإداري الصرف، خاصة إذا ما تم ربطها بإجراءات سياسية وقانونية إتخذتها إسرائيل، لأول مرة منذ تأسيس الأونروا، طالت وجودها بحد ذاته، إثر سحب إعترافها بالوكالة، وإلغاء مذكرة التفاهم بينها وبين الأمم المتحدة، وصولاً إلى سن تشريع قانوني يحظر كافة أنشطة الأونروا في فلسطين، مع كل ما ترتب على ذلك، من إلغاء لكافة الحصانات والإمتيازات الممنوحة للأونروا، باعتبارها واحدة من منظمات الأمم المتحدة. ولم نعد بحاجة لإعادة التأكيد، بأن الهدف من كل هذا، هو ضرب المكانة السياسية والقانونية لوكالة الغوث، كونها واحدة من منظومة حق العودة للاجئين الفلسطينيين، تضطلع بدور يجمع بين تقديم الخدمات الأساسية لهم، وبين الحفاظ على إطار دولي يعكس إستمرار الإعتراف بوجود قضية لاجئين لم يتم حلها بعد. ولهذا السبب، إكتسبت الوكالة مع مرور الوقت بعداً سياسياً وقانونياً يتجاوز وظيفتها الإغاثية المباشرة، لتصبح أحد أبرز الشواهد المؤسسية على استمرار قضية اللاجئين معلقة تنتظر حلاً ضمن منظومة الشرعية الدولية.

■ على هذه الخلفية، يمكن فهم وتفسير أهداف الضغوط التي تتعرض لها قضية اللاجئين الفلسطينيين، من مدخل إستهداف وكالة الغوث مالياً، لمحوريتها في ملف هذه القضية؛ فلجوء بعض الدول المانحة إلى تعليق أو وقف تمويلها، رغم أن الإتهامات موجهة إلى عدد يكاد لا يذكر من العاملين فيها، يعكس حقيقة أن جعل التمويل طوعياً منذ تأسيس الوكالة كان مقصوداً لتوظيف المال كأداة إبتزاز لتحقيق أهداف سياسية، وهذا ما يبدو واضحاً في سياسات ومواقف الدول المانحة الغربية بالذات، التي تربط إستمرار دعمها المالي بالإستجابة لشروط سياسية، وأحياناً دعوات صريحة إلى إلغاء وكالة الغوث، بسبب «إسهامها في إدامة وتأبيد قضية اللاجئين».

■ لذلك، فالمواقف الغربية في مجاراتها للمواقف الإسرائيلية، لا تعكس حرصاً على حياد وكالة الغوث وتطوير أداءها وتعزيز شفافيتها، بقدر ما تشكل مواقف ومخططات تعمل على العبث بقضية اللاجئين ومكانتها القانونية في قلب الشرعية الدولية، من خلال العنوان الأوسع الذي سبق وأن تم طرحه في أكثر من محفل وفي أكثر من مناسبة من خلال «تقديم تعريف جديد للاجئين الفلسطينيين»، مغاير للتعريف المعتمد منذ تأسيس الوكالة، وصولاً إلى ما من شأنه أن يحصر قضية اللاجئين بعدد لا يُذكر منهم، يقتصر على من ولد في فلسطين، ما يهبط بعددهم إلى بضعة آلاف، ويقود من الناحية العملية إلى تجريد قضية اللاجئين من بعدها السياسي والقانوني المرتبط بالأمم المتحدة وقراراتها، ويتهدد – تالياً – جانب رئيسي من الحقوق الوطنية الثابتة لشعب فلسطين، ويحيلها إلى إطار إنساني إغاثي عام.

■ وعليه، ما نحن بصدده، لا يقوم على إفتراضات أو تكهنات، بل على حقائق تأكدت صحتها بعد العام 2017، عندما تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي – نتنياهو بلا مواربة عن نية إسرائيل العمل على تفكيك الأونروا، مطالباً بدمجها في الـ UNHCR – المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. لذلك، فما تطرحه بعض الأطراف اليوم من مقترحات لنقل خدمات ومهام الأونروا إلى مؤسسات أممية أخرى، لا يمكن وضعه في خانة «إجراءات تنظيمية ذات طابع محض إداري ترمي إلى توحيد آليات التعامل مع قضايا اللجوء»، بل تخدم ما ذهب إليه نتنياهو، لجهة تفكيك المنظومة المؤسساتية والقانونية المعنية باللاجئين الفلسطينيين من أجل إخراج أحد المحاور الرئيسية لقضيتهم الوطنية، أي حق العودة إلى الديار والممتلكات وجبر الأضرار، من دائرة الحماية التي يوفرها لهم القانون الدولي والشرعية الدولية■

(1) تبريرات الدول المانحة لوقف التمويل

■ في نقاش الأزمة المالية لوكالة الغوث، تبرز الكثير من الإجتهادات حول أسبابها وخلفياتها، لكن المؤكد أنها ليست محض مالية تتعلق بعدم قدرة الدول المانحة على الوفاء بالتزاماتها، التي تزيد قليلاً عن المليار ونصف دولار سنوياً، حيث كانت الإعتبارات السياسية تتقدم دائماً على الإعتبارات المالية، إذ ليس منطقياً أن أكثر من 70 دولة تساهم في التمويل، تنفق المليارات من الدولارات مساعدات لدول ومنظمات ناشطة في أربع جهات الأرض أن تعجز عن تغطية موازنة الوكالة.

ومن يتابع ويرصد سلسلة الأزمات المالية التي عاشتها وكالة الغوث خلال العقود الثلاثة الماضية، يلاحظ أنها كانت دائما تترافق مع أزمات سياسية تفتعلها إسرائيل. أما في الأزمة الحالية، فقد نجحت تل أبيب في إستغلال واقع «التحالف الدولي» الذي تشكل بعد السابع من أكتوبر 2023، لتطرح مخططها الإستراتيجي في كيفية التعاطي مع وكالة الغوث ومستقبلها بأفق الإجهاز عليها. وعليه، يمكن فهم القرارات التي سارعت إليها دول غربية وأطلسية مانحة، بوقف تمويل موازنة الأونروا أو تخفيضها، مقدمة مبررات وذرائع تقاطعت فيها الإعتبارات الأمنية والإدارية والسياسية، وإن تفاوتت في حدّتها وقدرتها الإقناعية من دولة إلى أخرى. وفي هذا السياق نذكر مايلي:

أولاً- كيل إتهامات أمنية للأونروا: بعد مزاعم الحكومة الإسرائيلية بأن عدداً من موظفي الأونروا شاركوا في عملية 7 أكتوبر 2023، سارعت عديد الدول إلى وقف تمويلها أو تخفيضه، كالولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة، دون إنتظار نتائج التحقيق؛ فيما إعتبر كثيرون أن قرارات الدول المانحة المالية، لم يكن لها ما يبررها، خاصة وأن الإتهامات لم تتجاوز بضعة أفراد، ولم تنسحب على المؤسسة، والأهم، أنها مجرد إتهامات لا تدعمها أدلة وحقائق مثبتة.

ثانياً- تغيير المناهج التعليمية: كان هذا العنوان مطلباً إسرائيلياً وأمريكاً دائماً، وقد ورد نصاً في «إتفاقية الإطار» الموقعة بين الولايات المتحدة والأونروا لمدة عامين – 2021/2023، التي وضعت شروطاً قاسية عليها لاستئناف التمويل الأمريكي، ومنها إلى جانب مراجعة المناهج التعليمية، الحياد المطلق ومنع وصول الخدمات لموظفين تزعم إسرائيل أنهم على صلة بـ «منظمات إرهابية». رغم أن الوكالة أكدت، وفي أكثر من تقرير إلتزامها بمعايير الأمم المتحدة في ملف التعليم، وذلك في ردها على بعض المنظمات الصهيونية التي تحرض الدول المانحة على وقف تمويلها بسبب تلك المناهج.

ثالثاً- إصلاح الهيكل الإداري والمالي: رغم أن تقارير المفوض العام المصادق عليها من اللجنة الإستشارية، التي تضم عدداً من الدول، من بينها المانحين الرئيسيين، والتي تعتبر من أكثر التقارير الدولية شفافية في تعاطيها مع أكثر من ستة ملايين لاجيء، تناقش أمور الوكالة بشكل دوري، بأقله مرتين في العام، وتضع قضايا الإصلاح والتطوير والهيكلة على جدول أعمالها، إلا أن تلك الدول أصرت، ولا زالت تصر، على أن وكالة الغوث بحاجة إلى إصلاح، سواء على مستوى زيادة الرقابة على الموظفين، أو بتوسيع دائرة الشفافية وتطوير منظومة المساءلة.. وهذا ما اعتبره البعض إبتزازاً واضحاً من قبل الدول المانحة، التي ربطت إسئناف التمويل بتحقيق إشتراطاتها.

رابعاً- مكانة اللاجيء القانونية: هذه المسألة هي النقطة المركزية في مخطط تصفية وكالة الغوث، إذ تعتبر إسرائيل، ومن معها من دول غربية، أن وظيفة الأونروا يجب أن تكون محض إنسانية، تقطع الطريق على إعادة إنتاج ملف اللجوء الفلسطيني، بتوريث صفة ومكانة اللاجيء للأجيال بواسطة «رابطة الدم»، خلافاً للمفوضية السامية التي تعتمد تعريفاً فردياً وظرفياً يهدف لإيجاد حلول دائمة كالعودة أو التوطين في بلد اللجوء أو غيره من البلدان. والمنطق الإسرائيلي، يطرح خيارين بديلين لما يعتبره جذر المسألة: أولاً، تحويل مهام الأونروا إلى المفوضية السامية لشئون اللاجئين، ما سيقود إلى دمج الإطار القانوني الناظم للاجئين الفلسطينيين مع سائر اللاجئين في العالم؛ وثانياً، تحويل الخدمات التي تقدمها الأونروا إلى الدول العربية المضيفة والسلطة الفلسطينية، وتقديم حوافز مالية تساهم في تحقيق هذا الهدف.

خامساً- تبدلات الخارطة السياسية في الدول الغربية، إنطلاقاً من أن قرارات بعض الدول بوقف أو خفض التمويل، كانت إما نتيجة فوز أحزاب حليفة لإسرائيل، أو لطلب من واشنطن، أو للإثنين معاً، أو نتيجة لضغط من إسرائيل، التي تعتبر وجود وكالة الغوث يشكل تهديداً لمشروعها السياسي، وبالتالي فإن تحالفها مع تلك الدول لا ينسجم مع إستمرار دعم منظمة دولية تتهمها إسرائيل والولايات المتحدة بالإرهاب وغير ذلك من تهم.

إن الذرائع التي تسوقها إسرائيل كأسباب موجبة لقطع التمويل أو تخفيضة عن الوكالة لا علاقة لها بأداء الوكالة والعاملين فيها، بل الدور السياسي المطلوب من الوكالة في المرحلة القادمة في خدمة المشروع الأمريكي – الإسرائيلي الذي يهدف إلى تصفية قضية اللاجئين وحق العودة، من مدخل المكانات السياسية – القانونية المعروفة: وجود المخيمات + القرار الأممي رقم 194 + بقاء الأونروا كشاهد على قضية اللاجئين.. وهذا ما يجب أن يؤخذ بالإعتبار على المستوى الفلسطيني، بأن أية إستراتيجية فلسطينية مستقبلية للدفاع عن قضية اللاجئين وحق العودة، يجب أن تقوم على العناصر الثلاثة المذكورة، وأي تجاهل أو تخلٍ عنها، يعني التسليم بالمخطط الإسرائيلي – الأمريكي والإستسلام لأغراضه■

(2) الأمم المتحدة والأونروا والمزاعم الإسرائيلية

■ رغم أن جزءاً كبيراً من المزاعم الإسرائيلية حول تورط الأونروا المزعوم وموظفيها، كان سابقاً لأحداث 7 أكتوبر، إلا أن الأونروا والأمم المتحدة أخذتا تلك المزاعم والإتهامات على محمل الجد، وباشرتا في إتخاذ إجراءات سريعة، حيث لجأتا إلى مسار متعدد الحلقات يجمع بين المحاسبة الإدارية والصرامة القانونية والدفاع عن المؤسسة:

  • فعلى المستوى الإداري، بادر المفوض العام، إلى إنهاء عقود عدد من العاملين في الوكالة المشمولين بالإتهامات الإسرائيلية، معلناً بدء تحقيق داخلي هدف إلى التأكيد على حيادية الأونروا، كمرافق وموظفين وبرامج.
  • وعلى المستوى القانوني، وضع الأمين العام للأمم المتحدة يده على الموضوع، محيلاً القضية إلى مكتب خدمات الرقابة الداخلية، ومطالباً إسرائيل بالتعاون مع المكتب لجهة تقديم الوثائق التي تثبت صحة إداعاءاتها.
  • أما خارجياً، فقد شكلت لجنة تحقيق برئاسة وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاثرين كولونا، التي أصدرت تقريراً، بعد أشهر من التحقيقات، خلص إلى أن إسرائيل لم تقدم ما يثبت صحة مزاعمها، مشيداً بمنظومة الحياد المؤسسي المتبع من قبل الأونروا، مع توصيات بتطوير آليات الرقابة الداخلية.
  • وفي التعاطي مع الإتهامات الإسرائيلية، وقفت الأونروا وموظفيها أمام ثلاثة أشكال من التحقيق: الأول هو التحقيق الداخلي الذي أجرته الأونروا؛ والثاني هو التحقيق الذي قاده مكتب الأمم المتحدة لخدمات الرقابة الداخلية، وهو تحقيق يتعلق باتهامات تطال كل مؤسسات الأمم المتحدة بما في ذلك الأونروا؛ والثالث هو التحقيق المستقل الذي تم بإشراف الأمين العام للأمم المتحدة.

■ لقد إستند رد الأمم المتحدة والأونروا على خلفية أن هناك جهوداً واضحة تهدف إلى نزع الشرعية عن الأونروا، وليس من المنطقي بشيء معاقبة منظمة أممية تقدم الخدمات التعليمية والصحية والإجتماعية الإغاثية لأكثر من ستة ملايين لاجيء، بسبب إتهامات طالت 19 موظفاً من أصل أكثر من ثلاثة آلاف؛ وبالتالي فإن المزاعم الإسرائيلية هي مجرد إتهامات باطلة، ما يجعل تحميل المؤسسة بأكملها المسؤولية أمراً لا يصمد أمام أي منطق قانوني أو إنساني.

ووفقا للأمين العام للأمم المتحدة، فإن وظيفة لجنة التحقيق التي تم تشكيلها، لم يكن التحقيق بالإتهامات الإسرائيلية تحديداً، وليس أيضاً إدانة الأونروا، بل أن هدفها هو «تحديد ما إذا كانت الوكالة تقوم بكل ما في وسعها لضمان حيادها والرد على الإتهامات بارتكاب إنتهاكات خطرة حيثما كان ذلك مناسباً».. وهي – أي لجنة التحقيق – تعتقد أنه كان ضرورياً التمييز بين المسؤولية الفردية لأي موظف، وبين طبيعة عمل الوكالة كمؤسسة أممية، خاصة وإن الأونروا كانت تقدم قوائم موظفيها للسلطات الإسرائيلية بشكل دوري منذ سنوات، لأغراض التدقيق الأمني، وأن إسرائيل لم تكن تبدي أية إعتراضات جوهرية على معظم هذه الأسماء في السابق، وهو ما إعتبر أحد عناصر الدفاع المؤسسي عن الوكالة.

■ ليست إسرائيل وحدها في شن حملة القضاء على وكالة الغوث – كما نستنتج من كل ما سبق – بل هناك دولاً أخرى تشاركها مخططها، بغض النظر عن المواقف الرسمية لتلك الدول الداعمة للوكالة. والهدف الحقيقي لهذه الحملة ليس التحقيق في مزاعم محددة، بل التأثير على حقوق أكثر من ستة ملايين لاجيء فلسطيني، وعزل موظفي الأونروا عن قضيتهم الوطنية، كمقدمة لإعادة تعريف اللاجيء الفلسطيني ورسم إستراتيجيات تلبي مطالب إسرائيل. إن الإستمرار في التحريض على العاملين في الوكالة، بدعوى إنتهاكهم لحيادية المؤسسة الأممية من خلال التعبير عن مشاعر وطنية، من تغريدات أو مشاركة في إحياء مناسبات وطنية، أو إستخدام مصطلحات مثل «النكبة» و«المقاومة»، التي تقوم عليها الذاكرة الفلسطينية،..■

(3) تداعيات تحويل المساعدات إلى وكالات أممية أخرى

■ في العام 2022، أعلن المفوض العام لوكالة الغوث عزمه تعزيز الشراكات مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى، والهدف، كما قال، تقليل العجز المالي وإشراك تلك الوكالات بتحمل مسئولية جزء من الخدمات. وقد قوبل هذا الموقف بتحركات شعبية وسياسية وفصائلية فلسطينية واسعة في كافة تجمعات اللاجئين داخل فلسطين وخارجها، ما دفع المفوض العام إلى إعلان إلتزامه بالفقرة 18 من القرار 302 الخاص بإنشاء الأونروا، التي تدعو منظمات الأمم المتحدة (من موقعها) وبالتشاور مع المفوض العام على مد يد المساعدة للوكالة في إطار برنامجها.

■ اليوم تعود بعض الدول، ومن خلفيات متعددة إلى إثارة هذا الموضوع مرة أخرى، في إطار النقاشات المتعلقة بمستقبل وكالة الغوث. وقد بدأ بعضها، وبشكل منفرد، بترجمة مواقفه واقعاً على الأرض، لجهة تحويل المساهمات المالية، أو جزء منها لصالح منظمات بديلة لوكالة الغوث. وإذا كان البعض يقدم هذا الأمر باعتباره إجراءً فنياً لضمان إستمرار تقديم المساعدات الإنسانية، خاصة في قطاع غزة، بعد القيود التي فرضتها إسرائيل على عمل الأونروا، فإن البعض الآخر ينظر إلى هذا الأمر باعتباره سياسة مقصودة وإجراءً متعمداً يتجاوز البعد الإغاثي ليمس الحقوق السياسية للاجئين الفلسطينيين، ومن أبرز هذه المخاوف التي أُثيرت سياسياً وشعبياً، نشير إلى مايلي:

أولاً- إضعاف المكانة السياسية والقانونية للوكالة، التي تعمل وفقاً للقرار 302، وتكتسب شرعيتها من هذا القرار، إضافة إلى التفويض الدوري من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى أساس أنها تتلقى التبرعات الطوعية لتقدم من خلالها خدمات منتظمة لملايين اللاجئين، إلى حين تطبيق القرار 194، الخاص بالعودة وجبر الأضرار. وبالتالي، فإن إحالة الخدمات إلى منظمات أممية اخرى، من شأنه أن يضعف ويمس الإطار الدولي الخاص بقضية اللاجئين الفلسطينيين، بما فيه التفويض الممنوح لها.

ثانياً- تهديد البرامج الأساسية للوكالة، حيث تعتبر الأونروا بمثابة «القطاع العام» بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، الذين يعتمدون بنسبة شاهقة على خدماتها، وهي خدمات منتظمة في المجالات الصحية والتعليمية والإغاثية؛ أما المنظمات الأممية الأخرى، فهي تعمل وفق برامج محددة زمنياً وفي مجالات معينة لا تتسم بالشمول ولا تتمتع بالخبرة اللازمة، ولا تمتلك بنى مؤسسية دائمة مخصصة لخدمة اللاجئين الفلسطينيين، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى حدوث فجوات خطيرة في تقديم الخدمات، ستكون مبرراً للدول المانحة في وقت لاحق إلى وقف التمويل.

ثالثاً- الخبرة المتراكمة، جرّاء عمل الوكالة في أوساط اللاجئين الفلسطينيين لفترة تقارب ثمانية عقود، إمتلكت الأونروا خبرة ومعرفة تفصيلية بأوضاع وعادات وتقاليد مجتمعات اللاجئين في مناطق عملياتها. هذا العمق في فهم التركيبة الإجتماعية والإحاطة بالأوضاع القانونية للاجئين لا تتوفر لدى الوكالات الدولية الأخرى المزكاة لأن تحل مكان الأونروا، ما يجعل الإستجابة الإنسانية البديلة أقل كفاءة، وأقل قدرة على استيعاب تعقيدات الواقع الفلسطيني، ويفتح الباب أمام مشكلات واسعة مع اللاجئين أنفسهم.

رابعاً- مخاطر إعادة تعريف قضية اللاجئين: بغض النظر عن الأزمة المالية، فإن وجود الأونروا بحد ذاته يعكس إعترافاً دولياً بأن قضية اللاجئين هي قضية سياسية لشعب يتمتع بحقوق وطنية ثابتة، إلى جانب طابعها الإنساني؛ وعليه، فإن من شأن نقل الخدمات إلى وكالات أخرى أن يفتح الباب نحو إعادة تعريف مكانة اللاجيء على أساس إنساني فحسب؛ هذا إضافة إلى الوظيفة الأخرى التي تضطلع بها الأونروا وهي التشغيل إلى جانب الإغاثة، كما دَلَّ على ذلك إسمها عند التأسيس، إذ يعمل فيها عشرات الآلاف، وأي تقليص لدورها قد يفاقم نسب البطالة الموجودة أصلاً، ويزيد من سوء الأوضاع الإقتصادية بين أوساط اللاجئين.

خامساً- إختلال الإستقرار السياسي والإجتماعي: تلعب خدمات الأونروا صمام أمان للإستقرار الإجتماعي، وأي تقليص لها، سيشكل تهديداً مباشراً للإستقرار في مخيمات اللجوء، لا سيما في لبنان والأردن، فالوكالة لا يقتصر دورها على تقديم خدمات، تعمل بشكل مشترك مع الدولة المضيفة كمنظومة تخفيف للعبء الإقتصادي والإجتماعي. وهذا ما كانت تشير إليه تاريخياً تقارير المفوض العام السنوية، التي كانت تربط على الدوام بين إنتظام الخدمات واستقرار الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة.

■ في ضوء ما تقدم، لا يمكن فهم مواقف بعض الدول المانحة بتحويل مساهماتها إلى منظمات أممية بديلة عن الأونروا، إلا باعتباره إستجابة للضغوط الإسرائيلية – الأمريكية وضلوع في مخطط تصفية وكالة الغوث وخدماتها؛ فعلى الرغم من أن تحويل جزء من الدعم إلى وكالات أممية أخرى قد يبدو حلاً سريعاً لتلبية مؤقتة لبعض الخدمات، إلا أنه ينطوي على مخاطر واضحة، حيث إضعاف الأونروا مالياً وخدماتياً يؤدي إلى إنهيار شبكة الخدمات الحيوية التي يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وهذا ما سيقوض الإطار القانوني والدولي لقضيتهم. لذلك على الأمم المتحدة والمفوض العام أن يحرصا دائماً على تأكيد إلتزامهم بنص القرار 302، خاصة الفقرة 18، لجهة الشراكة مع كافة وكالات الأمم المتحدة في إطار التعاون البناء لخدمة اللاجئين وقضيتهم، دون أن يشكل ذلك مساساً بحقوقهم السياسية■

(4) التمويل العربي للأونروا وضغوط السياسة

■ لأن الدعم المالي العربي، خاصة ما مصدره دول خليجية، يعتبر جزءاً رئيسياً في منظومة الدعم الذي تقدمه الدول العربية إلى الشعب الفلسطيني، سواء عبر أقنية السلطة الفلسطينية، أو من خلال مؤسسات إجتماعية عاملة في الوسط الفلسطيني، فإن تذبذب هذا التمويل، خاصة لوكالات أممية لها خصوصية سياسية معينة، يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة حول خلفيات هذا التذبذب، في ضوء ما شهدناه في السنوات الأخيرة من تراجع واضح في مساهمة دول عربية في الدعم المالي لوكالة الغوث، ما أثار، ويثير أسئلة مشروعة حول مدى إرتباط ذلك بأجندات سياسية بعينها لدى بعض هذه الدول.

■ وتشير المعطيات الرقمية الصادرة عن وكالة الغوث، بأن المساهمة المالية للدول العربية لا يحكمها قانون أو نظام واضح، علماً أن القرار الذي إتخذته جامعة ادول العربية – 1987، ينص بأن لا تزيد المساهمة المالية العربية عن 7,8% من الميزانية الإجمالية للوكالة، على خلفية إبقاء المسؤولية القانونية والسياسية والأخلاقية عن قضية اللاجئين حاضرة لدى الدول الغربية، كونها تتحمل المسؤولية الكبرى في خلق مشكلة اللاجئين، من خلال دعمهم متعدد الأوجة لنشوء وبقاء وتطور دولة إسرائيل.

ويتضح من الأرقام، أن قيمة المساهمات العربية في السنوات بعد العام 2010، التي لم تزد عن 12% من الميزانية العادية، قد إرتفعت في العام 2018 بشكل كبير، في محاولة لتعويض قرار الولايات المتحدة بقطع مساهمتها المالية التي قدرت بـ 365 مليون دولار.

وفي هذا الإطار تقدمت أربع دول عربية لتسد النقص الحاصل، وساهمت بنحو 200 مليون دولار (بمعدل 50 مليون دولار لكل من السعودية، الإمارات، قطر والكويت)، أي ما نسبته 24% من حجم الموازنة العادية (أي بما يزيد كثيراً عن النسبة المقرة من الجامعة العربية)؛ غير أنه في الأعوام التي تلت، شهدت المساهمة العربية إنخفاضاً غير مبرر، ولم تتجاوز النسبة 3% من حجم التبرعات الكلي في العام 2025، رغم أن العجز المالي السنوي تجاوز 200 مليون دولار، في ظل تزايد الحاجة، خاصة في قطاع غزة والضفة الغربية، ناهيك عن الأوضاع الإقتصادية الصعبة للاجئين المقيمين في المخيمات في الدول العربية المضيفة.

■ تبدو أسباب هذا التراجع في التمويل متباينة بين دولة وأخرى ولا ترتبط بالعامل المالي فحسب، بل تُنسب لاعتبارات متعددة، من بينها ما له صلة – بالنسبة لبعض الدول العربية – بالتكيف مع المخطط الأمريكي- الإسرائيلي، لجهة تحويل الدعم إلى أقنية بديلة عن وكالة الغوث، بالتركيز على إتفاقات تمويل ثنائية مع السلطة الفلسطينية، أو بتمويل بعض المنظمات الأممية التي تعمل في فلسطين بشكل خاص؛ وبالتالي، فإن التفسير الذي يطرح نفسه لتراجع التمويل العربي لوكالة الغوث، بشكل مباشر، هو الإستجابة لرغبات أمريكية بتوجيه التمويل العربي نحو مسارات بديلة عن وكالة الغوث، وبما يلتقي أيضاً مع مواقف بعض المانحين التقليديين، الذين يتذرعون بعدم قدرة الوكالة على العمل، نتيجة الإجراءات الإسرائيلية.

■ إن استمرار المساهمات العربية بهذا السقف المحدود، يضع الوكالة أمام معضلة حقيقية تتمثل في إحتمال تسييس الدعم الإنساني، وهو أمر بدأ يحصل على كل حال؛ فاعتماد الأونروا بدرجة كبيرة على المانحين الغربيين، يجعل برامجها التعليمية والإغاثية عُرضة لشروط أو ضغوط سياسية، كما أنه يضعف القدرة العربية على التأثير في مسار الدفاع الدولي عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وفي مقدمتها حق العودة.

وبالنتيجة، ثمة حاجة لفتح قنوات التواصل بين أطراف ثلاثة لمعالجة مشكلة التمويل العربي: أولها، الأمم المتحدة ووكالة الغوث؛ وثانيها، الدول العربية، خاصة الخليجية منها؛ وثالثها، هو منظمة التحرير التحرير الفلسطينية، ممثلة باللجنة التنفيذية وبدائرة شؤون اللاجئين، من أجل إستمرار حث الدول العربية على زيادة مساهماتها المالية، وإيجاد مسارات تمويل عربية ثابتة وأكثر إستدامة، والتخفيف قدر الإمكان من الإعتماد على المنظمات الأممية، التي بدأت تتقدم كبديل عن الأونروا، بدعوى الإعتبارات الإنسانية.

إن الدعوة إلى إلتزام الدول العربية بحدود النسبة المقرة، لا يعني للحظة تخلي الدول العربية عن مسؤولياتها تجاه دعم الشعب الفلسطيني واللاجئين بشكل خاص، بل إن قنوات الدعم يجب أن تتكامل فيما بينها، خاصة وأن إحتياجات اللاجئين الفلسطينيين أكبر من أن تتولاها دولة بعينها. وهذا ما يتطلب بالضرورة وجود إستراتيجية عربية بديلة توفر الحد الأدنى من مقومات الصمود والبقاء الإجتماعي لمجتمع اللاجئين■

(5) أزمة التمويل، والتحول من التنمية إلى الإغاثة

■ تقدم الأونروا خدمات منتظمة في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة والخدمات الإجتماعية لأكثر من ستة ملايين لاجيء، موزعين على مناطق العمليات الخمس (قطاع غزة، الضفة الغربية، الأردن، لبنان وسوريا). وتعتمد على ثلاثة مسارات لتمويل تلك الخدمات: ميزانية البرامج العادية (الميزانية العادية)، نداءات الطواريء (التي قد لا تتكرر بالضرورة بشكل سنوي)، وموازنة المشاريع.

ومن خلال الصورة التالية، يبدو واضحاً أن التمويل تأثر بالأوضاع التي إستجدت بعد السابع من أكتوبر؛ فوفقاً للتقارير الدورية، بلغت الإحتياجات المالية الإجمالية للأونروا في العام 2024 حوالي 2,72 مليار دولار، منها 880 مليون دولار كميزانية عادية (32%)، و1,2 مليار دولار (44%) لميزانية الطواريء المخصصة لقطاع غزة والضفة الغربية، و415 مليون دولار (15%) لميزانية الطواريء في كل من سوريا، الأردن ولبنان، ونحو 210 مليون دولار (8%) تحت عنوان مشاريع تنموية وإعادة تأهيل.

وقد أعلنت الأونروا أنها بذلت جهوداً من أجل توفير هذا المبلغ، إلا أنها لم تتمكن من جمع سوى نصفه (1,4 مليون دولار)، بعجز تقديري بلغ 1,3 مليار دولار. أما في العام 2025، فقد شهدت الميزانية الإجمالية إرتفاعاً واضحاً، وبلغت نحو 3,18 مليار دولار موزعة على التالي: 880 مليون كميزانية عادية، 1,7 مليار لميزانية الطواريء في فلسطين، 464 مليون لميزانية الطواريء في الخارج، و112 مليون دولار لميزانية المشاريع.

■ بتحليل سريع لحركة الميزانيتين بين عامي 2024/2025، يمكن قراءة التالي:

  • إن الميزانية تتجه بشكل تدريجي لأن تُغلِّب الإعتبارات الإنسانية على الإعتبارات التنموية، وهذا بحد ذاته يثير القلق من تغييرات بنيوية قد تشهدها الأونروا على مستوى البرامج العادية، خاصة بعد أن لجأت الأونروا في الفترة الأخيرة إلى إجراءات تقشفية مَسَّت خدمات الصحة والتعليم بشكل أساسي.
  • إن الإعتماد على نداءات الطواريء، يثير قلقاً مشروعاً من إحتمال جعل الوكالة عرضة للأزمات السياسية والتمويلية، خاصة وأن بعض الدول، رهنت إستمرار التمويل، بتوجيه الخدمات بإتجاهات محددة.. إضافة إلى أن عدم مواكبة الميزانية العادية للإحتياجات المتزايدة، من شأنه أن يُخضع الخدمات لضغوط متزايدة مع إرتفاع أعداد اللاجئين والمشكلات الإقتصادية المتفاقمة في الدول المضيفة.
  • إن ثبات الميزانية العادية عند رقم 880 مليون دولار، يعني أن الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة تعاني من مشكلة عدم توفر التمويل اللازم لها، لمواكبة الإحتياجات المتزايدة، بينما نجد إرتفاعاً في ميزانية الطواريء، خاصة في قطاع غزة والضفة، بنحو 500 مليون دولار مقارنة بعام 2024، بفعل الإحتياجات الإنسانية المتزايدة. كما نلاحظ أيضاً إنخفاض ميزانية المشاريع، ما يشير إلى تراجع الإهتمام بقضايا التنمية، نتيجة تركيز الأونروا على الإستجابة الإنسانية العاجلة، إضافة إلى الإعتماد بدرجة أكبر على النداءات الإنسانية وفقاً لخطط قصيرة الأجل، وهو أمر منطقي، بنتيجة الإحتياجات الإنسانية في الضفة وغزة، لكن ما هو غير طبيعي هو عدم مواكبة التمويل الإعتبارات سابقة الذكر.

■ وبنتيجة كل ذلك، تعاني الأونروا حالياً من مشكلة مالية تهدد وجودها، وهي تختلف عن كل الأزمات السابقة التي مرت بها وتمكنت من تجاوزها. وليس جديداً القول إن الأونروا عانت خلال السنوات الماضية من عجز مالي سنوي ومركب، بسبب المزاجية التي تتحكم بالدول المانحة، كون تبرعاتها طوعية لا يحكمها قانون ثابت، فضلاً عن زيادة الإحتياجات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين والزيادة السكانية الطبيعية.. ونظراً لاعتماد اللاجئين على وكالة الغوث بشكل كبير، فإن العجز إنعكس أوتوماتيكياً على البرامج التي شهدت تخفيضات حادة جداً، وصلت مؤخراً إلى درجة التقنين على مستوى برامج التعليم والصحة بشكل خاصة بلغت 20%، ما ترتب عليه تحركات شعبية في مختلف تجمعات اللاجئين داخل فلسطين وخارجها.

■ غير أن الأونروا، وبالتعاون مع بعض المانحين واللجنة الإستشارية، كانت قادرة على مواجهة العجز السنوي، دون الحاجة للجوء إلى إجراءات تقشفية تمس جوهر برامجها. ففي عام 2023 وصل العجز المالي إلى 75 مليون دولار، وفي العام الذي تلاه وبفعل إجراءات تقشفية وزيادة بعض المانحين لمساهماتهم المالية تمكنت الأونروا من تخفيض قيمة العجز إلى 35 مليون دولار.. لكن بنتيجة العدوان على قطاع غزة، ووقف أو تعليق العديد من الدول لمساهماتها المالية، إرتفع العجز في العام 2025 ليصل إلى نحو 200 مليون دولار، ولتدخل الأونروا العام 2026 بعجز مالي بلغ 222 مليون دولار■

■■■

■ رغم النجاح النسبي الذي حققه المخطط الإسرئيلي – الأمريكي في إستهدافه لوكالة الغوث، فإن هناك إمكانية فعلية لإفشاله، وتوفير الحماية المطلوبة لوكالة الغوث، وهذا يبدأ أولاً بامتلاك اللجنة الإستشارية، والدول المضيفة، والجمعية العامة للأمم المتحدة الإرادة على الصمود والمواجهة، خاصة وأن معركة الدفاع عن الأونروا هي معركة الدفاع عن القانون الدولي وعن الأمم المتحدة ومنظومتها في الآن ذاته.. وفي ظل تزايد مخاطر الإستهداف، فليست هناك من مسارات بديلة يمكن إتباعها سوى ما يلي:

أولاً- رفض التكيف مع المخطط الإسرائيلي، واعتباره عدواناً على الأمم المتحدة بكافة منظماتها ووكالاتها، وتأكيد الثقة والدعم السياسي الدائم من قبل المجتمع الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة للأونروا وولايتها وفق القرار 302. إن ما يترتب على ذلك، لا يقتصر على رفض المخطط الإسرائيلي فحسب، بل معاقبة إسرائيل على إنتهاكها الصريح والمتعمد لميثاق الأمم المتحدة، بكل ما يتطلبه ذلك من ضرورة تفعيل للعديد من المواد القانونية في نظام عمل الأمم المتحدة ضد الدول التي تنتهك ميثاقها.

ثانياً- التعاطي مع تجمعات اللاجئين بمعيار سياسي واحد، ورفض أي محاولة لفصل أقاليم عن بعضها، أو حجب التمويل عن إقليم دون آخر، سواء باجتهادات ليست في مكانها من قبل بعض مسؤولي الأونروا، أو باشتراط من دول مانحة، ورفض القوانين الإسرائيلية التي تمنع الأونروا من العمل في مناطق الـ 48، أو القدس الشرقية.

ثالثاً- دعم الأونروا سياسياً ومالياً، بحث الدول المانحة على تفهم خصوصية قضية اللاجئين الفلسطينيين باعتبارها قضية تختلف عن جميع قضايا اللجوء في العالم، واعتبار الحماية السياسية لدعم الوكالة وصون دورها أمراً مهماً، لكنها لا تُغني عن ضرورة الوصول إلى معالجة جدية للأزمة المالية، من خلال إيجاد آلية تمويل مستدامة تضمن إستقرار ميزانية الأونروا واستمرار خدماتها بعيداً عن أي إبتزاز سياسي أو مالي.

رابعاً- توفير تمويل مستدام، بالعمل على توفير شبكة أمان مالية للوكالة وللاجئين الفلسطينيين، من خلال الفتح على مصادر تمويل جديدة، والسعي للوصول إلى إتفاقيات شراكة وتعاون سنوية أو متعددة السنوات مع عدد من الدول، ودراسة تمويل جزء من موازنة الأونروا مباشرة من الأمم المتحدة، وفقاً لما جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة – 2017.

خامساً- رفض إستبدال الأونروا بمنظمات بديلة، أو إستحضار وكالات دولية أخرى، أو إعتماد الدول المضيفة لتقديم الخدمات، أو تحويل بعض المنظمات الدولية إلى بديل عنها بشكل تدريجي، مع التأكيد على أهمية التعاون بين الأونروا وبقية مؤسسات الأمم المتحدة دعماً لعملها، وليس لتحل مكانها.

سادساً- حماية موظفي الأونروا من خلال التعامل معهم كجزء من الشعب الفلسطيني لهم الحق في ممارسة نشاطهم السياسي والوطني، ووقف كل أشكال الإبتزاز التي يتعرضون لها تحت شعار الحيادية، والإستجابة لمطالبهم المشروعة، وتعزيز شعورهم بالأمان الوظيفي، ورفض تحميلهم مسؤولية الأزمة المالية.

  • وأخيراً، على المستوى الفلسطيني، يضحى المطلوب أولاً وقبل كل شيء توحيد جهود ومواقف كافة الهيئات الفلسطينية المعنية بقضية اللاجئين، وبإعتماد إستراتيجية وطنية مشتركة للدفاع عن الأونروا، ورفض أية محاولات لإيجاد بدائل عنها، تصفية لدورها ولحق العودة وجبر الأضرار، الذي يكفلهما القرار 194■

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى