أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات:الحرب على إيران: دفاعاً عن إسرائيل الصغرى لا سعياً إلى إسرائيل الكبرى

د. إبراهيم نعيرات 16-3-2026: الحرب على إيران: دفاعاً عن “إسرائيل الصغرى” لا سعياً إلى “إسرائيل الكبرى”

في قلب الشرق الأوسط المشتعل، تتصارع القوى الكبرى على النفوذ والأمن، بينما يسقط الكثير من الكلام عن «إسرائيل الكبرى» في فخ الأساطير السياسية. الحقيقة، كما تشير الأحداث الأخيرة، أن الصراع مع إيران لا يدور حول مشاريع توسّع جغرافية بعيدة، بل حول صراع على البقاء وضمان أمن «إسرائيل الصغرى» في مواجهة تحديات إقليمية متصاعدة.

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يتجدد النقاش حول طبيعة الصراع بين إيران وإسرائيل، وحول الأهداف الحقيقية لأي مواجهة محتملة بين الطرفين. وبين التحليلات المتعددة التي تحاول تفسير هذا الصراع المعقد، يبرز طرح سياسي مهم يرى أن الحرب على إيران – إن وقعت أو توسعت – لن تكون من أجل تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى»، بقدر ما ستكون مرتبطة بحماية «إسرائيل الصغرى»، أي الدولة القائمة بحدودها الحالية وضمان أمنها الاستراتيجي.

هذا الطرح ينطلق من قراءة تعتبر أن إسرائيل، منذ تأسيسها، تركز أساساً على الحفاظ على تفوقها العسكري وترسيخ قدرتها على الردع، بما يضمن منع ظهور قوة إقليمية قادرة على تهديد توازن القوى القائم. وفي هذا السياق تبرز إيران بوصفها أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه إسرائيل اليوم، خصوصاً مع تطور برنامجها النووي واتساع نفوذها الإقليمي عبر شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في عدد من دول المنطقة.

وخلال السنوات الماضية، لم يقتصر الصراع بين إيران وإسرائيل على التصريحات السياسية أو التوترات الدبلوماسية، بل اتخذ أشكالاً متعددة من المواجهة غير المباشرة. فقد دعمت إيران قوى حليفة في أكثر من ساحة إقليمية، بينما سعت إسرائيل في المقابل إلى الحد من هذا النفوذ عبر عمليات عسكرية واستخباراتية استهدفت البنية العسكرية المرتبطة بطهران. وبهذا المعنى، لم يعد الصراع بين الطرفين مجرد خلاف سياسي، بل أصبح جزءاً من منافسة أوسع على النفوذ والهيمنة في الشرق الأوسط.

وفي خضم هذا الجدل، كثيراً ما يُستحضر مفهوم «إسرائيل الكبرى». غير أن النظر إلى مدى واقعية هذا المشروع يثير تساؤلات جدية حول إمكانية تحققه على أرض الواقع. فالمشروع، في صيغته النظرية، يفترض توسعاً جغرافياً واسعاً يتجاوز الحدود الحالية لإسرائيل ليشمل مناطق شاسعة من محيطها الإقليمي. غير أن الواقع السياسي والديموغرافي والعسكري في المنطقة يجعل تحقيق مثل هذا السيناريو بالغ التعقيد.

فالشرق الأوسط اليوم ليس فراغاً جغرافياً يمكن إعادة رسم حدوده بسهولة، بل هو فضاء مكتظ بالدول والكيانات السياسية والشعوب التي تمتلك هويات وطنية راسخة ومصالح متشابكة – بل ومتعارضة أحياناً. كما أن أي محاولة لتوسّع جغرافي واسع النطاق ستصطدم بمعارضة إقليمية ودولية كبيرة، فضلاً عن الكلفة العسكرية والاقتصادية الهائلة التي قد تترتب على مثل هذا المشروع.

لهذا يرى عدد من الباحثين أن فكرة «إسرائيل الكبرى» تبقى، في كثير من الأحيان، ضمن نطاق الخطاب الأيديولوجي أو الرمزي أكثر من كونها خطة سياسية قابلة للتنفيذ. وفي المقابل، يذهب آخرون إلى أن طرح مثل هذه الأفكار قد يُستخدم أحياناً لرفع سقف الخطاب السياسي أو التفاوضي، بحيث تبدو الأهداف الأقل – مثل تثبيت السيطرة أو توسيع النفوذ داخل حدود فلسطين التاريخية – أكثر واقعية أو قابلية للقبول مقارنة بالطرح الأقصى.

من هنا يصبح النقاش حول «إسرائيل الكبرى» جزءاً من جدل أوسع يتعلق بطبيعة الصراع في المنطقة وحدود الممكن في السياسة. فبين الطموحات الأيديولوجية والقيود الجيوسياسية الصارمة، يبقى الشرق الأوسط ساحة معقدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التوازنات الإقليمية والمصالح الدولية، وهو ما يجعل أي مشروع توسعي واسع النطاق يواجه تحديات هائلة في طريق تحوله من فكرة نظرية إلى واقع سياسي.

في هذا السياق، قد يكون من الأدق القول إن الصراع الدائر اليوم لا يتعلق بمشاريع جغرافية كبرى بقدر ما يتعلق بالحفاظ على ميزان القوى القائم. فالحرب – إن حدثت – لن تكون من أجل «إسرائيل الكبرى»، بل من أجل ضمان بقاء «إسرائيل الصغرى» وأمنها الاستراتيجي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن كثيراً من الجدل السياسي والإعلامي في المنطقة قد انشغل طويلاً بفكرة «إسرائيل الكبرى». فقد سال الكثير من الحبر في ترويج هذه التصورات التي تحمل طابعاً أسطورياً أو رمزياً أكثر مما تعكس واقع السياسات الفعلية. وفي أحيان كثيرة، ساهم هذا التركيز في تضخيم سرديات سياسية قد تخدم بعض الأطراف في تعبئة الرأي العام أو تفسير الصراع من زاوية أيديولوجية، بدلاً من قراءة التوازنات الجيوسياسية الفعلية التي تحكم سلوك الدول.

وبينما تستمر هذه السجالات، يبقى الواقع السياسي أكثر تعقيداً من الشعارات الكبرى. فالدول، في نهاية المطاف، تتحرك وفق حسابات القوة والأمن والمصالح، لا وفق التصورات الأسطورية أو المشاريع الرمزية. ولهذا، قد يكون من الضروري إعادة النظر في كثير من المسلّمات التي هيمنت طويلاً على تفسير الصراع في الشرق الأوسط. فجوهر المواجهة الجارية بين إيران وإسرائيل لا يدور حول تحقيق «إسرائيل الكبرى»، بقدر ما يدور حول صراع على الردع والتوازن وبقاء الدولة القائمة في بيئة إقليمية شديدة التقلب.

وفي النهاية، قد تكون الحقيقة أبسط مما تبدو عليه الشعارات: فالحروب في الشرق الأوسط تُخاض غالباً من أجل موازين القوة، لا من أجل الأساطير.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى