إندبندنت: دونالد ترمب بلا خطة تجاه إيران… والجميع يعرف ذلك

إندبندنت 11-3-2026، وارن غيتلر: دونالد ترمب بلا خطة تجاه إيران… والجميع يعرف ذلك

تخطى الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراضات الأولية داخل الكونغرس على حملته العسكرية واسعة النطاق ضد إيران. واليوم، يسعى إلى تكرار ذلك، إذ يستعد مجلس الشيوخ للتصويت على قرار يهدف إلى إرغامه على وقف الضربات ضد إيران. لكن، هل سيُحدث هذا التصويت فرقاً فعلاً؟
في حين أن الكونغرس يملك، دستورياً، سلطة إعلان الحرب، فإن آخر مرة استخدمت فيها هذه الصلاحية كانت خلال الحرب العالمية الثانية. أما “قانون صلاحيات الحرب”، الذي أُقر خلال حرب فيتنام التي لم يعلنها الكونغرس رسمياً، فقد صُمم لإجبار الرئيس الأميركي، عملياً، على العودة إلى الكونغرس بعد بضعة أيام لعرض مبررات أي عمل عسكري، مع إمكان وقف أي انخراط عسكري مستمر بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر. وقد طُرح هذا القانون على التصويت مرات عدة في ظل إدارات سابقة، بما في ذلك مرات عدة خلال ولايتي ترمب، لكن من دون جدوى.
ويبدو واضحاً أن ترمب يملك ما يكفي من الأصوات داخل كونغرس يهيمن عليه الجمهوريون، لاجتياز ما يبدو اليوم مجرد مطب سياسي طفيف في نظام توزيع السلطات الفيدرالي في الولايات المتحدة. وخلال هذا الأسبوع، سيسجل أعضاء مجلس الشيوخ، ومن بعدهم أعضاء مجلس النواب، مواقفهم من الحرب على إيران. وبكل المقاييس، فإن ما يجري هو بالفعل حرب شاملة، أو ما يمكن وصفه بـ”حرب الخليج الثالثة” بلا مبالغة.
ومع اقتراب هذه الحرب من نهاية أسبوعها الثاني، رسم الرئيس الأميركي، من خلال طيف من التصريحات العلنية، أهدافه على النحو الآتي: إسقاط النظام الإيراني الاستبدادي، ومنع طهران، في الوقت نفسه، من امتلاك سلاح نووي على الإطلاق، وتدمير قوتها الصاروخية الإقليمية الفتاكة التي تهدد القوات الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.
وحتى الآن، حققت الحملة الأميركية – الإسرائيلية نجاحاً في ساحة المعركة. فقد تعرضت القيادة المركزية الإيرانية، وقواتها البحرية، ومنصات إطلاق الصواريخ والقذائف التي تنتشر على ما يبدو في كل مكان، لضربات هائلة. لكن الأضرار الناجمة عن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي طاولت منشآت عسكرية أميركية راسخة في المنطقة كانت كبيرة، ولا تزال مستمرة.
وهذا يختلف كثيراً عما جرى في حرب الخليج الأولى، عندما أطلقت قوات الرئيس العراقي السابق صدام حسين عشرات صواريخ “سكود” الطائشة وغير الدقيقة، في حرب شاركت فيها آلاف القوات البرية التي واجهت جيش صدام من دول عدة. أما هذه المرة، فهي حرب صواريخ موجهة ذات آثار فتاكة واسعة النطاق.
وعلى رغم أن الخسائر في صفوف العسكريين الأميركيين المنتشرين في المنطقة ما زالت محدودة نسبياً حتى الآن، فإن هذه الأعداد قد ترتفع بشكل كبير، إلى جانب تصاعد أعداد الضحايا المدنيين بين حلفاء الولايات المتحدة، وكذلك بين المواطنين الإيرانيين. وفي الوقت نفسه، بدأ الاقتصاد العالمي يشعر بتداعيات الصراع، إذ بات مضيق هرمز الحيوي، وهو ممر استراتيجي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط الخام العالمية، موضع تنازع، فيما تواصل أسعار النفط ارتفاعها الحاد.
لا يمكن التنبؤ بكيفية انتهاء هذا الصراع، لكن التاريخ أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هزيمة عدو متحصن لا يمكن أن تتحقق بالصواريخ والحملات الجوية وحدها. فتغيير النظام عملية طويلة وشاقة، ولها ثمن باهظ. فهل استبقت واشنطن وتل أبيب نهاية اللعبة بكل تفاصيلها، أم أنهما أساءتا الحساب؟
أما الفكرة القائلة إن الضربات الأميركية والإسرائيلية ستكون كافية لدفع الإيرانيين إلى استعادة مصيرهم وسيادتهم من الطغاة الدينيين في طهران، فهي تتعرض الآن لاختبار قاسٍ. فعلى رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حثا الإيرانيين على النزول إلى الشوارع، فإن تلك الهبّات الثورية الواسعة لم تحدث بعد.
لماذا لم تحدث؟ هل لأن الإيرانيين يخشون موجة جديدة من الإعدامات الجماعية على غرار تلك التي وقعت قبل الضربة المشتركة؟ لا شك في أن هذا عامل مهم. لكن ماذا لو كان للضربة المشتركة أثرٌ معاكس في الشارع الإيراني؟ وإلى أي مدى يسهم هذا الهجوم الواسع في تغذية نزعة قومية معادية للأجانب لدى عموم السكان، وهو خطر كان قائماً منذ البداية عند التفكير في أي حملة عسكرية أميركية أو إسرائيلية لتغيير النظام؟
إن الحرب الحالية تهدف، في جوهرها، إلى تجنب الاشتباك المباشر وجهاً لوجه بين القوات البرية. إنها، في الأساس، حرب ذخائر بعيدة المدى، يُقاس مسارها بقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تدمير المخزون الإيراني الضخم من الصواريخ الباليستية بسرعة، وبقدرتهما كذلك، مع حلفائهما الخليجيين، على الصمود في وجه الهجمات الواردة من خلال امتلاك عدد كافٍ من أنظمة اعتراض الصواريخ.
إنها معادلة قاسية وحسابات داخلية دقيقة تتركز على قدرة إيران على إطلاق الصواريخ. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو الواقعي اليومي يثير قلق واشنطن من احتمال نفاد أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة من طراز “باتريوت” و”إيغيس” و”ثاد” خلال الأسابيع المقبلة، إذا طال أمد هذه الحرب السريعة الوتيرة.
وعلى رغم النجاح المبكر، لا تزال واشنطن قلقة، ويدور نقاش حول إمكان نقل أنظمة مضادة للصواريخ الباليستية من القواعد الأميركية في كوريا الجنوبية.
وقد نشر الرئيس دونالد ترمب الأسبوع الماضي بياناً مرتبكاً أعرب فيه عن ثقته بقدرة الولايات المتحدة على حماية قواتها وحلفائها الإقليميين باستخدام أنظمة الاعتراض الصاروخي الموجودة في مواقعها. لكن هنا تكمن المشكلة: فقد تلقى ترمب مراراً تحذيرات من كبار القادة العسكريين الأميركيين من أن الولايات المتحدة قد لا تمتلك مخزوناً كافياً من هذه الأنظمة لمواصلة الحملة الجوية المطولة المطلوبة، وتحقيق المهمة النهائية المتمثلة في تغيير النظام.
إيران دولة جبلية يبلغ عدد سكانها 92 مليون نسمة. وقد ضخ ملاليها الاستبداديون وكوادر “الحرس الثوري” التابعة لهم مليارات الدولارات من عائدات النفط في تطوير واحدة من أشد منظومات الصواريخ تقدماً في العالم، فضلاً عن طائرات مسيّرة متوسطة المدى استخدمتها روسيا، حليفة طهران، بفاعلية كبيرة في حربها المستمرة منذ أربعة أعوام في أوكرانيا. وصحيح أن قدرات إيران على الإطلاق كُشف جانب كبير منها وتعرضت لضربات أضعفتها بفعل العمليات الأميركية والإسرائيلية، لكنها لا تزال قائمة.
وفي المقابل، يبدي الرئيس ترمب تردداً في إرسال قوات أميركية برية لمعالجة المشكلة من جذورها، خشية ارتفاع الخسائر البشرية وتداعيات ذلك الانتخابية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني). لكن هل يمكن حقاً إحداث تغيير فعلي في النظام من دون دعم بري؟ وللتذكير، نشرت الولايات المتحدة أكثر من 400 ألف جندي في حرب الخليج الثانية لإطاحة صدام حسين.
الأسابيع المقبلة ستكشف الصورة بقدر أكبر من الوضوح. لكن قبل بلوغ تلك المرحلة، ستُزهق أرواح كثيرة إضافية، من المقاتلين والمدنيين على السواء. وما ينبغي على دونالد ترمب وإدارته فعله هو تحديد استراتيجية للخروج من هذا الصراع. إلى متى ستستمر الحرب؟ وما شكل النجاح فيها؟ وهل سيلجأ الرئيس الأميركي، كما يبدو، إلى أكراد سوريا والعراق لتشكيل قوة تحرير ميدانية داخل إيران؟ وهل سيتجاوب الأكراد على الجانب الآخر من الحدود مع هذه الإشارة، بعدما سبق لواشنطن أن تخلت عنهم؟
وفي واشنطن ولندن وباريس وبرلين وغيرها من العواصم، ستعلو جوقة الأصوات القلقة المطالبة بالأجوبة والمساءلة بشأن “حرب الصواريخ الكبرى لعام 2026”.
*وارن غيتلر مراسل سابق في وول ستريت جورنال وبلومبيرغ وإنترناشونال هيرالد تريبيون، محرر أول في مجلة فورين أفيرز



