د. عمرو حمزاوي: إيران: لا توجد حرب لا يمكن إيقافها
د. عمرو حمزاوي 10-3-2026: إيران: لا توجد حرب لا يمكن إيقافها
اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يفتح الباب أمام أخطر لحظة في تاريخ الشرق الأوسط منذ عقود. فهذه ليست مجرد جولة جديدة من التوترات التقليدية بين أطراف إقليمية ودولية، بل مواجهة مباشرة بين قوة إقليمية كبرى تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والأذرع العسكرية، وبين قوتين عسكريتين من الأكثر تفوقا في العالم. وإذا ترك هذا الصراع يتصاعد دون ضوابط سياسية ودبلوماسية، فإنه مرشح لأن يتحول إلى حرب طويلة متعددة الجبهات تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي. غير أن خطورة المشهد لا تعني أن وقف الحرب مستحيل، بل تعني أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب التفكير في آليات جديدة لإدارة الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل على نحو غير عسكري، وهو ما يستدعي الجمع بين الردع السياسي والاحتواء الدبلوماسي وبناء ترتيبات إقليمية تمنع الانزلاق المتكرر نحو المواجهة.
أول ما ينبغي إدراكه هو أن هذا الصراع، رغم طبيعته العسكرية الحالية، ليس صراعا وجوديا بالمعنى الكامل للكلمة بالنسبة لجميع الأطراف. صحيح أن الخطاب السياسي في طهران وتل أبيب وواشنطن يميل إلى تصوير المواجهة باعتبارها معركة حاسمة، إلا أن الواقع الاستراتيجي أكثر تعقيدا. فإيران، رغم خطابها الثوري، تدرك أن الدخول في حرب شاملة مع الولايات المتحدة سيهدد بقاء النظام نفسه. والولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الساحق، تدرك أن حربا واسعة في الشرق الأوسط ستستنزف مواردها وتربك أولوياتها الاستراتيجية في آسيا وأوروبا. أما إسرائيل، التي ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدا مباشرا، فهي تدرك بدورها أن الحرب الإقليمية المفتوحة قد تعرض جبهتها الداخلية لمخاطر غير مسبوقة. هذه الحقيقة المشتركة، أي أن الحرب الشاملة ليست في مصلحة أي طرف على المدى الطويل، تشكل نقطة الانطلاق لأي محاولة لوقف القتال.
من هذا المنطلق يصبح الهدف الأول هو الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى منطق إدارة الصراع. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن كثيرا من النزاعات الدولية لم تنته بتسويات نهائية بقدر ما جرى احتواؤها عبر آليات تمنع التصعيد وتضع قواعد للاشتباك. وفي حالة الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يمكن تصور مجموعة من الخطوات التدريجية التي تؤدي إلى وقف العمليات العسكرية المباشرة دون أن تتطلب من أي طرف تقديم تنازلات كبرى في المرحلة الأولى.
الخطوة الأولى تتمثل في فرض وقف متبادل لإطلاق النار يشمل الضربات المباشرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. هذا النوع من الترتيبات لا يعني إنهاء الصراع، لكنه يخلق مساحة زمنية لخفض التصعيد. ويمكن أن يتم ذلك عبر وساطة دولية أو إقليمية تشارك فيها أطراف تحظى بدرجة من الثقة لدى الجانبين. فالتجارب السابقة في المنطقة تشير إلى أن الوساطات متعددة الأطراف غالبا ما تكون أكثر قدرة على النجاح لأنها تمنح كل طرف شعورا بأن مصالحه لن يتم تجاهلها.
غير أن وقف إطلاق النار لن يكون مستداما إذا لم يترافق مع آلية واضحة لإدارة الاحتكاكات المستقبلية. ولهذا يصبح من الضروري إنشاء قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. فغياب قنوات الاتصال هو أحد أهم أسباب التصعيد في الأزمات الدولية، إذ يؤدي إلى سوء الفهم وسوء تقدير النوايا. وفي تاريخ الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لعبت قنوات الاتصال الخلفية دورا حاسما في منع الأزمات من التحول إلى مواجهات نووية. ويمكن تطبيق مبدأ مشابه في الشرق الأوسط من خلال قنوات اتصال أمنية سرية تسمح بإدارة الأزمات قبل خروجها عن السيطرة.
إلى جانب ذلك، يتطلب احتواء الصراع معالجة أحد جذوره الأساسية، وهو البرنامج النووي الإيراني. فبالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة، يمثل هذا البرنامج مصدر القلق الأكبر، بينما تعتبره إيران حقا سياديا وضمانة لأمنها في مواجهة التهديدات الخارجية. ومن هنا فإن أي ترتيبات لخفض التوتر لا يمكن أن تتجاهل هذا الملف. لكن بدلا من السعي إلى حل جذري وفوري، يمكن العودة إلى فكرة الاتفاقات المرحلية التي تفرض قيودا محددة على الأنشطة النووية مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية. مثل هذه الترتيبات لا تحل المشكلة نهائيا، لكنها تمنعها من التحول إلى مبرر دائم للحرب.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إدارة الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة دون معالجة البعد الإقليمي له. فإيران بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من الحلفاء في المنطقة، تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. وهذه الشبكة تمنح طهران قدرة على ممارسة الضغط غير المباشر على خصومها، لكنها في الوقت ذاته تزيد من احتمالات اندلاع مواجهات متعددة الجبهات. ولهذا يصبح من الضروري إدخال البعد الإقليمي في أي ترتيبات لخفض التصعيد، سواء من خلال
حوارات أمنية إقليمية أو عبر تفاهمات غير معلنة تحد من نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في مقابل تخفيف الضغوط العسكرية عليها.
كما أن للدول العربية دورا محوريا في هذا السياق. فهذه الدول تجد نفسها في موقع حساس بين طرفي الصراع، إذ تخشى من جهة من التوسع في النفوذ الإيراني، لكنها تخشى من جهة أخرى من أن تتحول أراضيها إلى ساحات للحرب. ولذلك يمكن للدول العربية أن تلعب دور الوسيط أو الضامن في أي ترتيبات لخفض التوتر، خاصة إذا جرى التنسيق بينها لتقديم مبادرات جماعية تشجع على الحلول السياسية. فوجود أطراف إقليمية قادرة على التواصل مع جميع الأطراف قد يسهم في خلق بيئة سياسية أكثر ملاءمة للحوار.
إلى جانب المسار الدبلوماسي، هناك بعد اقتصادي لا يقل أهمية في إدارة الصراع. فالعقوبات المفروضة على إيران كانت أحد العوامل التي دفعت طهران إلى تبني سياسات أكثر تصادمية. وفي المقابل، فإن تخفيف هذه العقوبات دون مقابل سياسي قد يثير مخاوف الولايات المتحدة وإسرائيل. ولذلك يمكن التفكير في نموذج تدريجي يربط بين تخفيف العقوبات وبين التزامات إيرانية محددة تتعلق بالبرنامج النووي أو بالأنشطة العسكرية الإقليمية. هذا النوع من المقايضة السياسية قد يفتح الباب أمام إعادة إدماج إيران تدريجيا في الاقتصاد الدولي، وهو ما قد يشجعها على تبني سياسات أقل تصادمية.
غير أن نجاح أي محاولة لإدارة الصراع يتوقف في النهاية على وجود إرادة سياسية لدى الأطراف المعنية. فالدبلوماسية لا يمكن أن تنجح إذا ظلت جميع الأطراف مقتنعة بأن الحسم العسكري ممكن أو قريب. ولهذا فإن أحد أهم أهداف الجهود الدولية يجب أن يكون إقناع جميع الأطراف بأن كلفة استمرار الحرب ستكون أعلى بكثير من كلفة التسوية السياسية. وفي كثير من الأحيان، لا تصل الأطراف المتحاربة إلى هذه القناعة إلا بعد اختبار حدود القوة العسكرية واكتشاف أنها غير قادرة على تحقيق الأهداف السياسية المرجوة.
وفي هذا السياق، يمكن للمجتمع الدولي أن يلعب دورا مهما في تشجيع مسار خفض التصعيد. فالقوى الكبرى، سواء في أوروبا أو آسيا، لديها مصلحة مباشرة في استقرار الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب أمن الطاقة بل أيضا بسبب تأثير الأزمات الإقليمية على الاقتصاد العالمي. ومن خلال الضغط الدبلوماسي وتقديم الحوافز الاقتصادية، يمكن لهذه القوى أن تسهم في دفع الأطراف المتحاربة نحو طاولة المفاوضات.
في النهاية، قد لا يكون من الواقعي توقع أن يتحول الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى علاقة طبيعية في المستقبل القريب. فالتناقضات السياسية والأيديولوجية بين هذه الأطراف عميقة ومتجذرة. لكن التاريخ الدولي يبين أن كثيرا من الصراعات الحادة يمكن احتواؤها وإدارتها دون أن تتحول إلى حروب دائمة. والهدف الواقعي في المرحلة الحالية ليس إنهاء الصراع بالكامل، بل وضع قواعد تمنع تحوله إلى مواجهة عسكرية مفتوحة كل بضع سنوات.
إن وقف الحرب الحالية وفتح الطريق أمام إدارة غير عسكرية للصراع سيشكل خطوة أساسية نحو استقرار الشرق الأوسط. ولن يتحقق ذلك عبر مبادرة واحدة أو اتفاق سريع، بل عبر عملية طويلة من التفاوض وبناء الثقة وتوازن المصالح. غير أن البديل عن هذه العملية هو استمرار دوامة العنف والتصعيد، وهي دوامة لن يكون أي طرف قادرا على الخروج منها منتصرا بشكل كامل. ولذلك فإن الخيار الأكثر عقلانية لجميع الأطراف هو الانتقال من منطق الحرب إلى منطق إدارة الصراع، حتى وإن ظل السلام الشامل هدفا بعيد المنال.



