أقلام وأراء

د. مجدي جميل شقورة: النفوذ العالمي يمر عبر بوابة الشرق الأوسط

د. مجدي جميل شقورة 7-3-2026: النفوذ العالمي يمر عبر بوابة الشرق الأوسط

في عالم دولي يزداد تعقيداً، حيث تتشابك المصالح وتتغير التحالفات بسرعة، تشير العديد من التحليلات السياسية إلى تحول تدريجي في مقاربة الصين تجاه التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط. فبعد سنوات من الحذر والابتعاد عن الانخراط المباشر في صراعات المنطقة، تبدو بكين اليوم أكثر استعداداً لتقديم دعم غير مباشر لحليفتها إيران، في خطوة قد يكون لها تأثير واضح في موازين القوى الإقليمية.

لم تعد التحركات الصينية تقتصر على الدعوات الدبلوماسية إلى التهدئة أو التوازن بين الأطراف، بل اتخذت أبعاداً اقتصادية وتقنية أعمق. فالعلاقة بين بكين وطهران تقوم على شبكة مصالح متبادلة، أهمها الطاقة والتجارة والبنية التحتية. وتعمل الصين على توسيع قنوات التعاون الاقتصادي مع إيران، بما يتيح لطهران متنفساً نسبياً في مواجهة الضغوط والعقوبات الدولية، فيما تضمن بكين استمرار تدفق النفط الذي تحتاجه لتغذية اقتصادها الصناعي الضخم.

ويمتد هذا التعاون أيضاً إلى مجالات تقنية وصناعية مختلفة، حيث تسهم الشركات الصينية في تطوير مشاريع النقل والطاقة والاتصالات داخل إيران. مثل هذه الشراكات لا تعني بالضرورة تحالفاً عسكرياً مباشراً، لكنها تمنح طهران أدوات إضافية للصمود اقتصادياً وتقنياً في بيئة إقليمية شديدة التوتر.

ولا تتحرك هذه العلاقة في فراغ دولي. فهناك تقارب متزايد بين إيران وروسيا، خصوصاً في مجالات التنسيق العسكري وتبادل المعلومات. ومع استمرار المنافسة الجيوسياسية مع الولايات المتحدة، يبدو أن موسكو وبكين وطهران تجد في هذا التقارب وسيلة لإعادة موازنة النفوذ في منطقة ظلّت لعقود طويلة ساحة تأثير رئيسية للقوى الكبرى.

وتبقى معادلة الطاقة العامل الأكثر حساسية في هذه الحسابات. فالصين تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من الشرق الأوسط، وأي اضطراب كبير قد يهدد الملاحة في مضيق هرمز سيشكل خطراً مباشراً على استقرار الأسواق العالمية وعلى الاقتصاد الصيني نفسه. ولهذا تحاول بكين الحفاظ على توازن دقيق بين دعم شركائها والحفاظ في الوقت ذاته على الاستقرار الإقليمي الذي يضمن استمرار تدفق الطاقة والتجارة.

كما تنظر الصين إلى الشرق الأوسط بوصفه حلقة أساسية في مشروعها الاقتصادي العالمي المعروف باسم مبادرة الحزام والطريق الذي طرحه الرئيس الصيني شي جين بينغ، ويهدف إلى إنشاء شبكة واسعة من الممرات التجارية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. وفي هذا السياق تمثل إيران موقعاً جغرافياً مهماً يمكن أن يربط طرق التجارة البرية بين آسيا الوسطى والخليج والبحر المتوسط.

ومع ذلك، تحرص الصين على عدم حصر علاقاتها في محور واحد داخل المنطقة. فهي تحتفظ بعلاقات اقتصادية قوية مع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، وهما من أكبر موردي النفط إليها. وقد لعبت بكين دوراً دبلوماسياً مهماً عندما استضافت الاتفاق الذي أعاد العلاقات بين إيران والسعودية عام 2023، في خطوة عكست رغبة صينية في تقديم نفسها كوسيط قادر على تهدئة التوترات الإقليمية.

كل ذلك يعكس طبيعة الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط، وهي استراتيجية تقوم على مبدأ التوازن وعدم الانخراط المباشر في الصراعات. فالصين تدرك أن انهيار إيران تحت ضغط العقوبات أو الصراعات قد يفتح المجال لهيمنة أمريكية أكبر على المنطقة، وهو سيناريو لا يتوافق مع رؤيتها لعالم متعدد مراكز القوة.

وفي المقابل، تدرك بكين أيضاً أن أي مواجهة عسكرية واسعة قد تهدد مصالحها الاقتصادية الضخمة في المنطقة. لذلك تبدو سياستها أقرب إلى إدارة دقيقة للتوازنات، تحافظ فيها على علاقات مع أطراف متنافسة في الوقت نفسه، وتسعى إلى حماية طرق التجارة والطاقة التي يقوم عليها اقتصادها.

وهكذا يقف الشرق الأوسط اليوم عند تقاطع طرق جديد في لعبة النفوذ الدولي. فبينما تستمر المنافسة بين القوى الكبرى، تحاول الصين أن ترسم لنفسها دوراً مختلفاً يقوم على الاقتصاد والتوازنات الهادئة لا على المواجهة المباشرة. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا النهج قادراً على الصمود في منطقة اعتادت أن تتحول فيها التوازنات بسرعة إلى صراعات مفتوحه.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى