هآرتس: هل اسقاط النظام الإيراني ممكن الان؟ خبراء يحذرون من فشل معروف مسبقا

هآرتس 5/3/2026، عوفر اديرت: هل اسقاط النظام الإيراني ممكن الان؟ خبراء يحذرون من فشل معروف مسبقا
مع اغتيال المرشد الأعلى في ايران علي خامنئي فان اسقاط النظام في البلاد يبدو لكثيرين في إسرائيل، وعلى راسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، هدف قابل للتحقق. ولكن المؤرخين وعلماء السياسة وخبراء الشؤون الإيرانية في أوساط الاكاديميا في إسرائيل ينصحون بالتفكير جيدا قبل التسرع في تحديد مثل هذا الهدف. فهم يذكرون بان طريقة تغيير النظام قد تكون طويلة جدا في افضل الحالات، وقد يأتي بنتائج عكسية في أسوأ الحالات. البروفيسور مئير ليتفاك، رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل ابيب، يقول: “القنابل وحدها لا تسقط نظام. ليست لدينا تجربة سابقة في هذا الشأن. نحن بحاجة الى تصدعات في الداخل”.
البروفيسور بني ميلر، الخبير في العلاقات الدولية في جامعة حيفا، قال انه تاريخيا “سجل هذا الهدف، أي تغيير النظام، غير جيد جدا”. وبحسبه فانه “حتى في الحالات القليلة التي نجح فيها تغيير النظام، فان ذلك تسبب بمشكلات اكثر مما كانت عليه الحال من قبل”. مثلا هو يشير الى اسقاط نظام صدام حسين في العراق على يد الولايات المتحدة في 2003 ويقول: “النتيجة كانت حرب أهلية وصعود عناصر جهادية إسلامية متطرفة وتغلغل ايران في العراق وتاسيس المحور الشيعي الذي توجه اليه أمريكا وإسرائيل الان ضربة قوية. ربما كانت النوايا حسنة، وهي تعزيز الديمقراطية وإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط، لكن ذلك لم تنجح”.
الدكتورة كارميلا لوتمار، من جامعة حيفا، قالت: “اذا لم يكن لدى أي مجتمع تقاليد ديمقراطية فانه سيكون من الصعب فرض زعيم من الخارج. ففي أفغانستان قاموا باسقاط حركة طالبان وعينوا زعيم دمية. على المدى القصير ينفذ هذا الزعيم الدمية ما يطلب منه، لكن مع مرور الوقت هو بحاجة الى كسب الشرعية في بلاده، ومن اجل تحقيق ذلك يجب أن يبتعد عنك. عند ذلك يطرح سؤال ما الفائدة من ذلك. اذا لم تعمل المؤسسات بشكل ديمقراطي فان العملية ستكون مصطنعة ولن تدوم لفترة طويلة”.
البروفيسور حجاي رام، مؤرخ شؤون الشرق الأوسط في جامعة بن غوريون، يقول “يمكن اسقاط الأنظمة، وقد حدث ذلك في السابق. ولكن هل هذا الامر مرغوب فيه؟ بالتأكيد لا. نحن لا نتعلم من الأخطاء، وفي نهاية المطاف نتفاجأ من نتيجة كانت متوقعة مسبقا. سيناريو الفشل مكتوب مسبقا”. ومن اجل تفسير ذلك فان رام لا يبحث عن امثلة بعيدة، بل هو يعود الى الانقلاب الإيراني في 1953، الذي خططت له الولايات المتحدة ودعمته بريطانيا، واسقطت الحكومة الديمقراطية لمحمد مصدق، وتولى الشاه السلطة، الذي تم اسقاطه بعد ذلك في الثورة الإسلامية في 1979. حجاي رام يقول: “ك الامريكيون هم الذين كانوا المسؤولون عن اكثر نظام معادي لامريكا”. ومن الأمثلة الأخرى على تغيير الأنظمة الذي لم يحقق المامول منه، الحرب في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، حيث قامت الولايات المتحدة بتسليح الجماعات الإسلامية التي ثارت ضد النظام الشيوعي المدعوم من قبل الاتحاد السوفييتي السابق. يقول ميلر: “الخطة نجحت وانسحب الاتحاد السوفييتي، وتلك اللحظة كانت بمثابة تمهيد لسقوطه في 1991، لكن الجهاديين الذين زوجتهم وكالة المخابرات المركزية بالسلاح كانوا نواة منظمة القاعدة، وفي 11 أيلول 2001 قاموا بمهاجمة أبراج التوائم والبنتاغون. هكذا تمكنت الولايات المتحدة التي ساعدت في صعود طالبان في التسعينيات من الإطاحة بها في 2001 واقامت جمهورية إسلامية بدلا منها. ولكن بعد مرور عشرين سنة على الحرب تم تمهيد الطريق لعودة طالبان الى السلطة.
من جهة أخرى، يذكر ميلر بان ايران ليست أفغانستان ويقول: “معارضو النظام في ايران يميلون اكثر الى العلمانية والتغريب والديمقراطية. هدفهم هو تغيير ايران في اتجاه يرضي الغرب اكثر. مع ذلك هم يواجهون مشكلة صعبة: كيف سيتصدون للحرس الثوري وقوة الباسيج؟ من اجل اسقاط نظام عنيف مثل النوع الإيراني هناك حاجة الى السلاح، لكن نسبة العشرين بالمئة المؤيدة للنظام هي التي تحتكر وسائل العنف، ولن تؤثر المظاهرات السلمية وحسن النية على النظام اذا لم يشعر بانه على وشك الانهيار.
ميلر يامل ان تزود أجهزة المخابرات السرية المتظاهرين بالسلاح مثلما حدث في أفغانستان، أو ان تشعر الأجهزة الأمنية التي تحمي النظام، حسب رأيه، بان القصة انتهت. فترفض اطلاق النار على المتظاهرين وتبدأ بالانشقاق. أحيانا تحدث نقطة تحول في ميزان القوى الداخلية، وعندها قوة الباسيج قد تدرك بانها تراهن على ورقة خاسرة، وتخشى على مصيرها الشخصي في اليوم التالي لسقوط النظام.
كل من يامل تغيير النظام على يد القاعدة الشعبية بدون تدخل من الخارج يتدخل على الفور “الربيع العربي” – موجة الانتفاضات التي بدات في 2010 ضد الأنظمة القمعية، بما في ذلك في تونس، مصر، اليمن، ليبيا وسوريا. مع ذلك، بالنظر الى الماضي يتفق معظم الباحثين على فشل هذا المشروع. ميلر يقول: “باستثناء عقد من الديمقراطية في تونس، أعاد الربيع العربي الأنظمة الديكتاتورية مثلما في حالة مصر، او خلق دول فاشلة مثل ليبيا واليمن.
سوريا استغرقها حوالي 15 سنة بعد احداث الربيع العربي. ففي كانون الأول 2024، في هجوم شنته قوات المعارضة، سقط حكم عائلة الأسد بعد اكثر من نصف قرن. هل يمكن تطبيق هذا النموذج في ايران أيضا؟ في حالة سوريا كانت المعارضة مسلحة وحصلت على الدعم من الجارة تركيا. وعندما شعر الشعب السوري بان لا احد سيقف الى جانب الأسد بعد الضربات التي وجهتها إسرائيل لحزب الله وايران، انطلق المسلحون والأسد هرب في طائرة. ولكن المستقبل سيكشف اذا كان النظام الجديد الذي ارتكب مذابح ضد الأقليات، بما في ذلك الاكراد والدروز، سيكون بديل مناسب لنظام الأسد الدموي والديكتاتوري.
لقد منيت إسرائيل بفشل ذريع في تغيير النظام عن طريق القوة العسكرية في العام 1982، في حرب لبنان الأولى، عندما حاولت ترسيخ سيطرة المسيحيين في لبنان بهدف اضعاف م.ت.ف، التي كانت في حينه العدو الرئيسي لها قبل صعود حزب الله. ميلر يقول: “لقد كان هناك فشل ذريع، ووهم كبير لإسرائيل. فقد اعتقدت ان الكتائب ستكون جديرة بالثقة وموالية لها وقوية بما فيه الكفاية للتعامل مع دولة مقسمة وطائفية. ولكن كل هذه الافتراضات تم دحضها بالتوالي. هذه الحالة تظهر ان احتمالية التدخل الخارجي في دولة مقسمة قد تؤدي الى تفاقم الحرب الاهلية وفشل ذريع”.
لا تنقص الامثلة على الأنظمة التي سقطت وتم اسقاطها. الدكتورة غوتمار تناولت ذلك في رسالة الدكتوراة وقالت: “حالات القوة الخارجية التي فرضت تغيير في النظام ليست حالات استثنائية. فقد تم ذلك اكثر من 100 مرة في الـ 150 سنة الأخيرة”. الأمثلة الأكثر شهرة هي اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الظروف في حينه كانت تختلف عن الوضع الحالي في ايران. “هناك كان ذلك عملية بدأت بعد هزيمة شاملة”، قالت وأضافت “الولايات المتحدة بقيت على الأرض بضع سنوات بعد ذلك”. وحسب قولها فانه من اجل تغيير نظام بهذه الصورة فان نسبة النجاح متدنية جدا، خلال ذلك يجب مواجهة إمكانية اندلاع حرب أهلية وسبب ذلك بسيط. “أحيانا الديكتاتور هو الذي يمسك الدولة بقبضة حديدية، وفي اللحظة التي يختفي فيها يفتح باب جهنم. كل شيء ينهار وكل الأقليات تبدأ بالهياج”.
حسب اقوال ليتفاك فانه رغم الضربات القوية التي تعرض لها النظام في ايران الا انه ما زال قائم، وحقيقة انه تم تعيين قيادة جديدة للحرس الثوري والدولة تدل على انه “لا توجد في ايران فوضى وانهيار”. أيضا اطلاق الصواريخ حسب قولها يدل على قدرة هذا التنظيم. “انا لا اعرف هل لا يوجد في هذه الاثناء من وراء الكواليس جنرالان يقولان كفى، لكن انت بحاجة الى احد من داخل المنظومة الذي سيخرج ويقف ضدها من اجل اسقاط النظام”.
احتمالية أخرى حسب قوله هي “احياء الاحتجاجات الشعبية. هل في نهاية المطاف سيثور هذا الشعب مرة أخرى ويحدث فوضى، ضعف، انعدام قدرة النظام على الأداء؟ ربما، لكن يجب التذكر بان الانتفاضة الشعبية في نهاية السبعينيات – الثورة الكبيرة التي أدت الى انهاء نظام الشاه، استمرت 14 شهر. هذا ليس شيء ينتهي في أسبوع”، قال وأضاف. “في حينه كانت هناك أيضا معارضة منظمة ضد النظام، وكانت انشقاقات عن النظام”.
إضافة الى ذلك، يذكر ليتفاك نقطة مؤلمة: “أحيانا الأنظمة القاتلة تصمد. واحيانا القتل “يساعدها” للأسف الشديد. حكم الشاه كان ديكتاتوري ولكنه لم يقتل أبناء شعبه مثل النظام الحالي. أيضا صدام حسين في العراق لم يسقط بثورة شعبية، لقد قمع بوحشية فظيعة تمرد اندلع ضده”.
الدكتور اهود عران، رئيس قسم العلاقات الدولية في جامعة حيفا، يقترح فهم أولا ماذا يعني في الواقع تغيير النظام. “هل نحن نتحدث عن تغيير السياسة الإيرانية أو فقط عن تغيير قمة النظام؟ هل النظام سيبقى على حاله مثلما في فنزويلا وفقط هوية رئيسه يتم تغييرها؟ أو ان الامر يتعلق بتغيير شامل لنظام الحكم مثلما حدث في ايران في 1979، من مملكة الى جمهورية إسلامية؟”، تساءل.
البروفيسور اودي زومر، رئيس مركز براك للقيادة في جامعة تل ابيب، اقترح الاستيقاظ من الأوهام. “الرؤية التي تقول بان الشعوب تثور بسبب نقص العدالة، وان الثورة تحدث بسبب جمهور ببساطة يخرج الى الشارع في يوم ما، هي رؤية جزئية، ترتبط بعدد غير قليل من الاساطير. لا توجد معارضة فعالة بدون بنية تنظيمية حقيقية، ويبدو ظاهريا ان هذه البنية لم يتم بناءها بشكل كافي في ايران”. وبحسبه فان ايران ليست ديكتاتورية، بل هي دولة دينية لها هيكل حكم معقد من ناحية تنظيمية، سياسية ومؤسسية. هي دولة ذات نخبة قوية تضم عشرات آلاف الأعضاء ولها شبكة مصالح واضحة في استمرار النظام القائم. ليس كل شيء يبدأ وينتهي بالمرشد الأعلى.
زومر يؤكد على أن “إزاحة المرشد الأعلى هي امر مهم جدا بلا شك، لكنها في نفس الوقت غير كافية لتغيير النظام”. وهو يعتقد ان ترامب يرى امامه نسخة معدلة من الخطوة التي اتخذت في فنزويلا في كانون الثاني عندما تم اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، وهي خطوة ستفضي هذه المرة الى تغيير الحكومة وليس تغيير النظام. “من وجهة نظر ترامب قد تكون تكفي خطوة سريعة وفعالة، مدعومة بارباح طائلة من السيطرة على صناعة النفط في ايران، التي ترسل رسالة واضحة الى الصين وروسيا حول موقف الولايات المتحدة. الراي العام في أمريكا والاوساط الحكومية لا تظهر أي رغبة في خوض عمليات طويلة، التي يحب ترامب تسميتها “حروب لانهائية” في الشرق الأوسط، وربما هو لا يريد فعل شيء يشبه خطة مارشال (التي ساعدت أمريكا من خلالها في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية)، التي تحتاج الى تخصيص كبير للموارد الامريكية من اجل أمر كان صعب جدا الدفاع عنه امام قاعدته الشعبية”، قال.
البروفيسور رام يدخل نتنياهو أيضا الى المعادلة. “هل يعقل حقا ان يقوم ترامب ونتنياهو، الحاكمان أصحاب النزعة المستبدة، بقتل ديكتاتور آخر، خامنئي، وإقامة الديمقراطية فوق جثته؟ يا للمفارقة: نتنياهو لا يمكنه التحدث باسم حكومة ديمقراطية. هل هو وترامب سيعلماننا ما هي الحرية والديمقراطية، واقامتها بالبنادق والحراب؟ كيف نوافق على ذلك كامر طبيعي، ان تهاجم دولتان دولة ثالثة وأن تسقطا النظام، باي ترخيص؟ باي تصريح؟ لا شك ان النظام في ايران فظيع، لكن هذه ليست الطريقة الصحيحة”، قال.



