مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS): المحور الجديد الشيعة والسُنة ضد إسرائيل و”إيران الجديدة”

مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) 26-2-2026، العقيد (احتياط) البروفيسور غابي سيبوني والعميد (احتياط) إيرز فينر: المحور الجديد الشيعة والسُنة ضد إسرائيل و”إيران الجديدة”
مقدمة
في الأشهر الأخيرة، ولا سيما منذ مطلع العام 2026، برزت ديناميكية جيوسياسية غير مألوفة وذات دلالة في الشرق الأوسط. ديناميكية تقوم أساسًا على التعاون بين قوى سنية بارزة – تركيا، والسعودية، وقطر، وغيرها – والنظام الشيعي في إيران. الهدف الرئيسي من هذه الاتصالات هو منع أي هجوم عسكري أمريكي (وربما إسرائيلي أيضًا) على إيران، وبالتالي منع قيام “إيران جديدة” قد تكون، من وجهة نظرهم، حليفة لإسرائيل. ويتجلى هذا التعاون في جهود دبلوماسية مكثفة، تشمل اجتماعات في عُمان وتركيا، وضغطًا على الولايات المتحدة لتجنب العمل العسكري والتركيز على قناة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق.
هذه الظاهرة، التي يتحد فيها الخصمان السني والشيعي مؤقتًا، لا تنبع من تحول أيديولوجي مفاجئ أو تعاطف مع نظام آيات الله؛ يعكس هذا قلقًا عميقًا إزاء تداعيات أي انتصار عسكري أمريكي إسرائيلي آخر ضد إيران، والذي من شأنه أن يعزز مكانة إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة، ويزيد من احتمالية قيام “إيران جديدة”، وبالتالي يضر بمكانة دول الخليج وتركيا.
تسعى هذه المقالة إلى دراسة أسباب التقارب بين التيارين المتعارضين، انطلاقًا من فهم جذور الانقسام السُني الشيعي، وتشكيل المحاور الجيوسياسية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وعلاقاتهما المتبادلة، وأنشطتهما المشتركة والمنفصلة ضد إسرائيل، والتغير الجذري الذي طرأ على الديناميات الإقليمية خلال حرب النهضة. ومن الجدير بالذكر أيضًا وجود اختلافات في الرأي بين الدول السنية، كالتوتر بين المعسكر الذي تقوده السعودية ومصر والمعسكر الإسلامي الذي تقوده تركيا (وقطر)، فضلًا عن التوتر بين السعودية والإمارات. وهذا التوتر هو ما تمكنت هذه الدول من تجاوزه في سياق العلاقات بين إسرائيل وإيران. في نهاية المقال، سيتم تقديم توصيات سياسية لإسرائيل، وربطها بمفهوم الأمن القومي الناشئ المتمثل في “السلام من خلال القوة”.
جذور الانقسام السني الشيعي
يُعدّ الانقسام السُني الشيعي من أعمق الانقسامات وأكثرها ديمومة في تاريخ الديانات التوحيدية. نشأ هذا الانقسام من نزاع سياسي على القيادة بعد وفاة النبي محمد العام 632 ميلادي. فقد أدى غياب توجيهات واضحة بشأن خليفته إلى فراغ في القيادة، ما تسبب في أزمة سرعان ما تحولت إلى انقسام طائفي سياسي، ثم إلى انقسام ديني لاهوتي.
تحوّل الخلاف بين الخلفاء الراشدين الأربعة وجماعة علي، الذين جادلوا بضرورة بقاء القيادة في بيت النبي (أهل البيت)، إلى صراع عنيف بعد معركة كربلاء (680 ميلادي)، التي رسّخت هوية فصيل علي (شيعة علي) كأقلية مضطهدة ومُهانة تنتظر العدالة الإلهية. وخلال القرون الأولى، ظلّ الانقسام سياسيًا دينيًا في المقام الأول. ثم تحوّل إلى صراع جيوسياسي واضح بدءًا من القرن السادس عشر الميلادي. اعتبرت الإمبراطورية العثمانية السنية نفسها الوريثة للخلافة السنية، واستخدمت الإسلام السني أداةً للوحدة السياسية. في المقابل، جعلت الدولة الصفوية في إيران (1501-1736) المذهب الشيعي المذهب الرسمي للدولة، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تمييز بلاد فارس عن العثمانيين والأوزبك السنة. استمر الصراع العثماني الصفوي لقرون، وشمل حروبًا دامية على العراق والقوقاز وأذربيجان، وحدد إلى حد كبير الحدود الحالية بين تركيا وإيران، وقسم السكان (الذين يشكل الشيعة نسبة كبيرة منهم في العراق والخليج).
وقد ازداد البعد الجيوسياسي حدةً في القرن العشرين. أدى سقوط الإمبراطورية العثمانية عام 1918 وإلغاء الخلافة العام 1924 إلى فراغ سني، بينما حوّلت الثورة الإسلامية في إيران العام 1979 – بقيادة آية الله الخميني – المذهب الشيعي إلى قوة ثورية عابرة للحدود تدعو إلى “تصدير الثورة” ومحاربة “الشيطان الأكبر” (الولايات المتحدة) و”الشيطان الأصغر” (إسرائيل). ومنذ ذلك الحين، أصبحت إيران قوة شيعية إقليمية، في حين تنظر السعودية إلى المذهب الشيعي كتهديد وجودي. وقد حوّل الصراع في سوريا (2011-1024) واليمن والعراق والخليج هذا الانقسام إلى أداة جيوسياسية رئيسية: إذ تعمل إيران على بناء “محور مقاومة” ذي أغلبية شيعية، بينما تسعى الدول السنية (السعودية وتركيا ومصر) إلى كبح النفوذ الإيراني.
واليوم، لم يعد الانقسام مجرد صراع ديني لاهوتي، بل هو في جوهره صراع على الهيمنة الإقليمية والموارد (النفط والغاز والممرات المائية) والنفوذ السياسي والهوية الوطنية. يُستخدم الانقسام كأداة من قبل الدول لتبرير التحالفات والحروب بالوكالة والقمع الداخلي، ولكن في كثير من الأحيان – كما رأينا في الأسابيع الأخيرة – يمكن للمصالح الجيوسياسية أن تتغلب، ولو مؤقتًا، على الانقسام الديني، كما هو الحال حاليًا في المعارضة المشتركة للهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
تشكيل المحور الشيعي – إيران كمركز قوة إقليمي
برز المحور الشيعي، المعروف أيضاً باسم “محور المقاومة”، كشبكة استراتيجية من القوى العسكرية والسياسية والوكيلة تحت القيادة الإيرانية. وقد شكّل هذا المحور إحدى الأدوات الرئيسية للسياسة الخارجية الإيرانية منذ الثورة، وهدفه الأساسي توسيع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، ومعارضة الهيمنة الأمريكية، والتصدي لإسرائيل، والدفاع عن المصالح الأيديولوجية الشيعية. لا يُعدّ المحور تحالفاً رسمياً ذا هيكل هرمي محدد، بل هو شبكة شراكات غير رسمية تُقدّم فيها إيران التمويل والأسلحة والتدريب والاستخبارات والتوجيه الاستراتيجي، بينما يعمل الشركاء تحت إشراف إيران، إلا أن أساليب عملهم لا تقلّ تأثراً بمصالحهم الخاصة.
من وجهة نظر إيران، استند تأسيس المحور (ولا يزال) إلى مفهوم “تصدير الثورة” كمبدأ أساسي، والذي شمل دعم الجماعات الإسلامية الثورية في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وخاصة بين الشيعة والأقليات المضطهدة. شكّلت الثورة تهديدًا وجوديًا للدول السنية المجاورة (مثل العراق السني في عهد صدام حسين والمملكة السعودية)، وأدت إلى الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وهي حرب طوّرت خلالها إيران نموذجًا لدعم الميليشيات الوكيلة لمحاربة أعدائها.
وكان تأسيس حزب الله في لبنان العام 1982 حجر الزاوية في بناء هذا المحور. فبعد حرب لبنان الأولى، أرسلت إيران قوات الحرس الثوري لتشكيل ميليشيات شيعية في جنوب لبنان. وبحلول العام 1985، توحدت هذه الجماعات تحت راية حزب الله. وأصبح حزب الله أنجح حليف لإيران، إذ وفّر لها عمقًا استراتيجيًا، وهدّد إسرائيل في الشمال، وأصبح نموذجًا يحتذى به للوكلاء الآخرين. وتلقّى حزب الله مئات الملايين من الدولارات سنويًا كتمويل، وأسلحة متطورة (بما في ذلك صواريخ موجهة بدقة وصواريخ مضادة للدبابات)، وتدريبًا من فيلق القدس، وتوجيهًا استراتيجيًا. في المقابل، عمل حزب الله كذراع إيران العسكري والسياسي في لبنان، وشارك في الحرب السورية، وأصبح القوة المهيمنة في البلاد، ولا يزال يتحدى الحكومة اللبنانية.
كما فتح سقوط صدام حسين الباب أمام تحرك إيران في العراق. فقد خلق سقوط نظام البعث السني فراغًا وصل من خلاله الشيعة -الأغلبية السكانية- إلى السلطة، ولكنه أدى أيضًا إلى تشكيل ميليشيات شيعية متطرفة. استغلت إيران الوضع لبناء شبكة من الميليشيات، مثل منظمة بدر، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وغيرها. تلقت هذه الميليشيات التدريب والأسلحة (بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيرة) والتمويل من إيران، وأصبحت قوة مؤثرة في الحرب ضد داعش (2014-2017) وفي الصراعات الداخلية على النفوذ في العراق. كما استُخدمت كأداة للضغط على القوات الأمريكية من خلال مهاجمة القواعد الأمريكية، وعلى إسرائيل من خلال إطلاق الصواريخ من سوريا والعراق خلال حرب النهضة.
ومثّلت الحرب الأهلية السورية ذروة توسع هذا المحور. كان نظام الأسد العلوي حليفًا استراتيجيًا لإيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، وشكّل جسرًا بريًا بين إيران وحزب الله في لبنان. أرسلت إيران آلافًا من الحرس الثوري والميليشيات العراقية ومقاتلي حزب الله لحماية نظام الأسد. وشمل الدعم التمويل والأسلحة والمشورة العسكرية وإنشاء قواعد إيرانية في سوريا. وبحلول عامي 2015-2016، وبفضل التدخل الروسي، أنقذ المحور الأسد من الانهيار، وحوّل سوريا إلى مركز لوجستي للمحور. وكان سقوط الأسد في كانون الأول 2024، بعد أن أضعفت إسرائيل حزب الله ودمرت استثمارات إيران الضخمة في سوريا، بمثابة ضربة قاسية: فقد قطع “الجسر البري” وقلل من قدرة إيران على نقل الأسلحة إلى حزب الله عبر المحور البري. كما قطع طريق تهريب الأسلحة من إيران إلى الأردن، ومن هناك إلى الضفة الغربية.
وفي اليمن، بدأت إيران دعم الحوثيين في العقد الأول من الألفية الثانية، لكن الدعم ازداد بشكل ملحوظ بعد العام 2014، عندما سيطر الحوثيون على صنعاء. قدّمت إيران أسلحة متطورة (صواريخ باليستية، طائرات مسيّرة، صواريخ كروز)، وتدريبًا، وتوجيهًا، وحوّلت الحوثيين إلى أداة للضغط على السعودية وممرات الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. وأصبح الحوثيون بمثابة “الجبهة الجنوبية” للمحور، مما وسّع نطاق التهديد الإيراني.
وشكّلت حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين استثناءً بارزًا للمحور الشيعي، وهما حركتان سنيتان انضمتا إلى المحور انطلاقًا من النضال المشترك ضد إسرائيل والرغبة في إقامة “حزام نار” حولها. وأصبحت إيران الممول الرئيسي لهما، بتمويل سنوي يتراوح بين 70 و100 مليون دولار، بالإضافة إلى أسلحة (صواريخ دقيقة، طائرات مسيّرة)، وتدريب، وتوجيه.
اعتمد المحور الشيعي بشكل أساسي على تشغيل وكلاء إيرانيين، دون تعريض النظام للخطر المباشر، مع تحقيق عمق استراتيجي. وحتى عامي 2023-2024، كان يُعتبر المحور أحد أكثر أدوات إيران فعالية. مع ذلك، أدت حرب النهضة إلى إضعاف كبير لحماس والجهاد الإسلامي في غزة. وتزامن ذلك مع ضربة قاسية لحزب الله، مما أدى إلى سقوط نظام الأسد في سوريا. وبلغت ذروة هذا الضعف في عملية “الأسد الصاعد” في حزيران 2025، والضربة القاسية التي تلقاها رأس المحور في الغارات الإسرائيلية والضربة الأمريكية الأخيرة. وكشفت هذه الضربة عن ضعف “حلقة النار” الإيرانية: اعتمادها على إيران، وافتقارها للوحدة الداخلية، وهشاشتها أمام التفوق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي. وحتى كتابة هذه السطور (شباط 2026)، يشهد المحور تعافياً جزئياً (وخاصة الحوثيين والميليشيات العراقية)، ولكنه فقد جزءاً كبيراً من قوته الرادعة، حيث بات نظام آية الله مهدداً بوجوده نتيجة للاضطرابات الداخلية والتهديد الأمريكي.
الدول السُنية – تعدد القيادات
لم تتبلور الدول السُنية في الشرق الأوسط قط كهيكل موحد ومؤسسي كالمحور الشيعي بقيادة إيران. وعلى النقيض من المحور الشيعي، الذي يتسم بتسلسل هرمي واضح نسبياً – حيث إيران مركز القوة، والحرس الثوري ذراعه العملياتي، وسلسلة من المبعوثين – يتسم المعسكر السُني بتعدد القيادات، والتنافس الداخلي على القيادة والهيمنة، ونهج أكثر براغماتية تجاه إسرائيل. وتعتبر دول مركزية كتركيا والسعودية ومصر نفسها الزعيم الشرعي للعالم السني، مما يخلق ديناميكية من التعاون التكتيكي إلى جانب التنافس الاستراتيجي.
وترى تركيا، في عهد الرئيس أردوغان، نفسها الوريث الشرعي للإمبراطورية العثمانية وعاملاً محورياً في دعم حركة الإخوان المسلمين العالمية. ومنذ العام 2011، يسعى أردوغان إلى تعزيز نفوذه من خلال دعم جماعة الإخوان المسلمين (في مصر وسوريا وغيرها)، ودعم المعارضة السنية في سوريا، وتوطيد علاقاته مع قطر. لا تزال علاقات تركيا مع إسرائيل متوترة: فقد وفرت تركيا ملاذاً آمناً لمنظمات فلسطينية إرهابية، وتدعو إلى مقاطعة اقتصادية لإسرائيل، وتستخدم خطاباً حاداً مناهضاً لإسرائيل لتصوير نفسها على أنها “صوت المسلمين الحقيقي” في مواجهة السعودية ومصر، رغم أنها تحافظ على علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
أما السعودية، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فتعتبر نفسها حامية للمقدسات (مكة المكرمة والمدينة المنورة) وقائدة لدول الخليج. وقد استثمرت السعودية في الحرب ضد النفوذ الإيراني (الحرب في اليمن، ودعم المعارضة السنية في سوريا)، وطورت نهجاً براغماتياً تجاه إسرائيل. ومنذ عامي 2017-2018، لُمِّح إلى وجود علاقات أمنية سرية مع إسرائيل ضد إيران، ورأت السعودية في “اتفاقيات إبراهيم” (2020) فرصة استراتيجية. إلا أن السعودية ربطت التطبيع الكامل بالتقدم نحو إقامة دولة فلسطينية، وقد جمّدت حرب النهضة هذه العملية. في الأشهر الأخيرة، برز التعاون مع تركيا، كما برز التقارب مع قطر، في حين تصاعدت التوترات مع الإمارات في عدة ساحات، لا سيما في اليمن.
تسعى مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى استعادة مكانتها كقائدة للعالم العربي، وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين (المدعومة من تركيا وقطر) تهديدًا خطيرًا. مع ذلك، شهدت الأشهر الأخيرة تقاربًا مصريًا تركيًا سعوديًا، ويعود ذلك أساسًا إلى القلق المشترك إزاء تنامي النفوذ الإسرائيلي في ظل التهديد بمواصلة إلحاق الضرر بنظام آية الله في إيران، وصولًا إلى إمكانية الإطاحة به وإقامة “إيران جديدة” موالية لإسرائيل.
اكتسب تقارب الدول السنية مع إسرائيل زخمًا كبيرًا في إطار “اتفاقيات إبراهيم” (2020). انبثقت هذه الاتفاقيات من مصلحة مشتركة: التعامل مع إيران، والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وحماية الاستقرار الإقليمي. شهدنا مؤخرًا تغيرًا في الديناميكية: فقد تقاربت تركيا والسعودية وقطر، جزئيًا كرد فعل على تعزيز المحور الأمريكي الإسرائيلي في عهد ترامب والتهديد الأمريكي الإسرائيلي لإيران. وتسعى هذه الدول جاهدةً لمنع أي هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران، خشية أن يؤدي إسقاط النظام الإيراني إلى تعزيز إسرائيل كقوة إقليمية وتقويض مكانتها. وهي تروج لـ”محور سُني” يشمل التنسيق مع إيران، ودعم النظام الجديد في سوريا، ومعارضة توسيع “اتفاقيات إبراهيم”. ولذلك، تتسم الدول السنية بالمرونة والبراغماتية: التعاون مع إسرائيل ضد إيران عندما يخدم ذلك مصالحها، في مواجهة معارضة إسرائيل الشديدة، والإضرار بإيران عندما يُنظر إلى إسرائيل على أنها تهدد الهيمنة السنية. ويحول تعدد الأطراف في التنافس بين تركيا والسعودية ومصر دون توحيد المصالح بشكل كامل. في بداية العام 2026، يمر المحور بمرحلة توطيد مؤقتة في مواجهة “التهديد الإسرائيلي الأمريكي”، لكنه بعيد كل البعد عن أن يكون موحداً مثل المحور الشيعي.
الصراعات على الهيمنة والتغيير في أعقاب حرب القيامة
إن الصراع بين المحور الشيعي بقيادة إيران والدول السُنية – أو بتعبير أدق، بين طموحات إيران للهيمنة وطموحات دول سُنية رئيسية للهيمنة – ليس مجرد صراع ديني، بل هو في جوهره صراع على السيطرة الإقليمية، والموارد الاستراتيجية، وطرق التجارة، والنفوذ السياسي، والهوية الوطنية والإقليمية. وكانت الحرب الأهلية السورية الساحة المركزية لهذا الصراع. رأت إيران في نظام الأسد خط الدفاع الأول ضد إسرائيل، وقناة تواصل مع حزب الله، فاستثمرت فيه موارد هائلة: آلاف المقاتلين من الحرس الثوري، وميليشيات شيعية من عدة دول، مع التركيز على حزب الله. استثمرت إيران ما بين 30 و50 مليار دولار في سوريا بين عامي 2011 و2020. من جهة أخرى، دعمت تركيا المعارضة السنية بشكل مباشر، وسيطرت على مناطق في شمال سوريا، وتعتبر سوريا جزءًا من مجال نفوذها العثماني الجديد.
مثّلت حرب النهضة نقطة تحوّل في ضوء الضرر البالغ الذي لحق بشبكة وكلاء إيران بأكملها، ولاحقًا بإيران نفسها. وقد أثار هذا التغيير قلقًا لدى دول سنية رئيسية. فقد أدركت تركيا والسعودية وقطر أن استمرار النجاحات الإسرائيلية الأمريكية – ولا سيما شنّ هجوم آخر على إيران يُفضي إلى الإطاحة بنظام آية الله أو إضعافه بشكل كبير – من شأنه أن يُرسّخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة، ويُوسّع نطاق “اتفاقيات أبراهام”، ويُضعف موقفها. ولذلك، بدأت هذه الدول بالتحرّك بشكل مُنسّق، شمل: الامتناع عن إدانة القمع العنيف للاحتجاجات في إيران، وممارسة ضغوط دبلوماسية على ترامب للامتناع عن مهاجمة إيران، بل وحتى التقارب معها مؤقتًا.
في الوقت نفسه، عزّزت إسرائيل تعاونها مع الولايات المتحدة، والذي يشمل اتفاق غزة، وتوسيع نطاق “اتفاقيات أبراهام” – كازاخستان وأرض الصومال – ودعم المحور البري والبحري بين الهند وأوروبا (IMEC). إن هذا التغيير تاريخي: فقد ضعف المحور الشيعي بشكل كبير، واضطر المحور السني إلى التعامل مع “التحدي الإسرائيلي” الجديد، وانتقل الصراع على الهيمنة من حروب بالوكالة إلى صراع دبلوماسي استراتيجي حول مستقبل إيران والشرق الأوسط بأكمله.
توصيات للسياسة الإسرائيلية – “السلام من خلال القوة”
لقد خلقت العمليات الاستراتيجية التي جرت في الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023، ولا سيما منذ عملية “الأسد الصاعد” في حزيران 2025 وسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، واقعًا إقليميًا جديدًا تمامًا. فالمحور الشيعي، الذي كان حتى وقت قريب التهديد المركزي والمنظم لأمن إسرائيل، يعاني حاليًا من ضعف بنيوي حاد: فقد حزب الله جزءًا كبيرًا من قدراته الهجومية، وتضررت مكانته في لبنان؛ كما ضعفت الميليشيات الشيعية في العراق في أعقاب الهجمات الإسرائيلية والأمريكية؛ ولا يزال الحوثيون في اليمن نشطين نسبيًا ولكنهم أكثر عزلة؛ وانقطع الجسر البري من إيران إلى لبنان عبر سوريا بشكل شبه كامل. وقد تلقى البرنامج النووي الإيراني ضربة قوية، وتضررت قدرة النظام الباليستية على الرغم من محاولات إيران استعادة بعض قدراتها.
في الوقت نفسه، وجدت الدول السُنية البارزة (تركيا، السعودية، قطر، ومصر) نفسها في وضع متناقض: فمن جهة، تستفيد من تراجع التهديد الإيراني، الذي كان يمثل تهديدها الرئيسي لعقود؛ ومن جهة أخرى، تُدرك تحديًا جديدًا يتمثل في تحوّل إسرائيل إلى قوة إقليمية مهيمنة، تحظى بدعم أمريكي غير مسبوق في ظل ولاية دونالد ترامب الرئاسية الثانية، وقادرة على التأثير في الأجندة الإقليمية. علاوة على ذلك، فإن احتمال قيام “إيران جديدة” موالية لإسرائيل يُشكّل، في نظرها، تهديدًا بالغ الخطورة. ويتمثل ردّ الدولة السُنية على هذا التهديد الجديد في تعاون منسق مع إيران لمنع هجوم أمريكي إسرائيلي آخر. ويهدف هذا التعاون إلى منع سيناريو يؤدي فيه سقوط نظام آية الله (أو إضعافه بشكل كبير) إلى توسيع اتفاقيات إبراهيم، وتعزيز موقف إسرائيل، وتآكل نفوذ تركيا والسعودية وقطر.
… الخلاصة الرئيسية هي أن الشرق الأوسط يقف الآن عند مفترق طرق تاريخي: إما أن يستمر في التوجه نحو “شرق أوسط جديد” تكون فيه إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، عاملاً محورياً في الاستقرار الإقليمي والاقتصادي والأمني، مع إرساء بنية إقليمية جديدة؛ أو يعود إلى وضع تواصل فيه إيران خطتها لإعادة فرض “حزام النار” حول إسرائيل. وستكون النقطة الحاسمة هي القرار الأمريكي بشأن إيران: هل ستُشنّ سلسلة أخرى من الهجمات التي قد تُفضي إلى الإطاحة بالنظام، أم سينجح الضغط الدبلوماسي السُني – السعودي القطري التركي – في تأخير أو منع مثل هذا العمل؟ ويبدو أنه في هذا الواقع، يُعدّ مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، الذي يقوم أساساً على “السلام من خلال القوة”، وهو مفهوم تشكّل خلال حرب الاستقلال، الإطار الاستراتيجي الأنسب.
يرتكز هذا المفهوم على ثلاثة أركان:
القوة العسكرية والاستخباراتية المطلقة كشرط أساسي لاتخاذ إجراءات إنفاذ القانون لمنع التهديدات قبل وقوعها. ويجب على إسرائيل الحفاظ على تفوقها العسكري على جميع الأطراف الإقليمية. يشمل ذلك مواصلة تقويض قدرات المحور الشيعي على التعافي بشكل منهجي، بالإضافة إلى عوامل التهديد الأخرى (لا سيما الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، ومرافق إنتاج الأسلحة في إيران وسوريا والعراق ولبنان). ومن هذه القوة، يجب استمداد القوة السياسية؛ قوة يتركز هدفها الرئيسي على السعي نحو بناء هيكل إقليمي جديد، يحل محل الهيكل الإيراني الذي شُيّد على مدى الأربعين عامًا الماضية. ويكمن جوهر الأمر في توسيع “اتفاقيات أبراهام” ودعم المشاريع الإقليمية مثل المحور الهندو-أوروبي (IMEC). ينبغي لإسرائيل مواصلة استخدام قوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية لتوسيع نطاق الاتفاقيات: على سبيل المثال، اقتراح تعميق التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع المملكة العربية السعودية، وتعزيز التحالف مع الإمارات العربية المتحدة والمغرب، والحفاظ على اتفاقية السلام مع مصر والأردن، وإنشاء تحالفات جديدة كما تم الاتفاق عليه مؤخرًا مع اليونان وقبرص، وكما وُقّع مع أرض الصومال. يهدف هذا إلى زيادة الضغط على تركيا وقطر.
في الوقت نفسه، يجب العمل بتنسيق وثيق مع الولايات المتحدة، بما في ذلك التخطيط المشترك لسيناريوهات الهجوم على إيران في حال فشلت المفاوضات بشأن الاتفاق معها فشلاً ذريعاً. ومن حق دولة إسرائيل أن تكشف للعالم الطبيعة الإشكالية للمحور السني الشيعي الجديد والعبثي الذي يمهد الطريق لعودة إيران إلى سعيها للهيمنة الإقليمية.
وأخيراً، يجب تعزيز صورة إسرائيل كقوة إقليمية مستقرة تُحقق منفعة مشتركة لمن يتعاون معها، وتعمل على محاربة العناصر المتطرفة والمزعزعة للاستقرار، كإيران وجيرانها. ويتحقق ذلك من خلال مواصلة السياسة الاستباقية والهجومية ضد قدرات المحور الشيعي على إعادة بناء نفسه، والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والاستخباراتي مع الدول العربية ودول المنطقة الأخرى.
ستحدد الأسابيع القادمة – ولا سيما القرار الأمريكي الإسرائيلي بشأن إيران – وجه الشرق الأوسط لأجيال قادمة. إن مفهوم “السلام من خلال القوة” ليس مجرد شعار، بل استراتيجية راسخة: فالقوة تخلق الردع، الذي يُمكّن الحوار، والذي إذا ما أُجري من موقع قوة، يُمكن أن يُفضي إلى سلام مستقر قائم على المصالح. إسرائيل اليوم في أقوى وضع لها منذ عقود. عليها أن تستغل هذا الوضع بحكمة وحزم وبالتنسيق الكامل مع حليفها القوي، لتحويل التهديد الناشئ إلى فرصة تاريخية لتغيير النظام الإقليمي برمته.
ملخص
إن المحور الجديد، الذي يُمثل في جوهره معارضة شيعية وسُنية لشن هجوم على إيران بهدف منع تعزيز إسرائيل وإقامة نظام إيراني موالٍ لها، لا ينبع من تحول أيديولوجي أو تعاطف مفاجئ مع النظام الشيعي، بل من خوف عميق من عواقب أي نصر عسكري آخر، تشارك فيه إسرائيل، ضد النظام الإيراني. مع ذلك، نرى أن هذه نظرة قصيرة المدى ستُلحق ضرراً أكبر بالدول السُنية من نفعها. لقد جعلت حرب النهضة من إسرائيل عاملاً مؤثراً في أجندة الشرق الأوسط، بينما يُعد المحور السُني الجديد حلاً مؤقتاً جاء كرد فعل مباشر لما اعتبرته الدول السُنية تهديداً لها. فهي تخشى سيناريو تقود فيه إسرائيل، بصفتها شريكاً مفضلاً للولايات المتحدة، “شرقاً أوسطياً جديداً” يشمل توسيع “اتفاقيات أبراهام”، وإنشاء طريق بري بين الهند وأوروبا، لتصبح في نهاية المطاف عاملاً رئيسياً في الشؤون الأمنية والاقتصادية للمنطقة.
ويُمكّن مفهوم “السلام من خلال القوة” إسرائيل من اتباع استراتيجية سليمة. يجب على إسرائيل الحفاظ على تفوقها العسكري والاستخباراتي، وتعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة، وتوسيع دائرة السلام، وكشف النقاب عن المحور الجديد الذي يتشكل. إن القرار المرتقب بشأن مسار العمل ضد إيران سيحدد وجه المنطقة لأجيال قادمة.



