معهد بحوث الأمن القومي (INSS): هل تريدون بقاء الأفضل في الجيش الإسرائيلي؟
معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 25/2/2026، عوفر شيلح: هل تريدون بقاء الأفضل في الجيش الإسرائيلي؟
بدأت الأزمة الحادة في الهيكل التنظيمي الدائم للجيش الإسرائيلي قبل حرب السيوف الحديدية، وأُطلق عليها عدة مسميات داخل النظام نفسه (“أزمة النقباء”). وفي منتصف العام 2023، وقّع رئيس الأركان هرتسي هليفي اتفاقية مع وزارة المالية بهدف معالجتها، كجزء من خطة “معالوت” متعددة السنوات، والتي تم تعليقها بعد 7 أكتوبر.
لقد فاقمت الحرب الأزمة بشكل كبير وأضافت إليها أبعادًا جديدة، بعضها غير مسبوق. من المهم فهم هذه الأبعاد، وفي الوقت نفسه استيعاب أنه بدون معالجة الأسباب الجذرية للمشاكل المستمرة في الخدمة الدائمة، والخدمة في الجيش الاسرائيلي عمومًا، لن تُحل المشكلة.
من المهم الإشارة إلى أن معالجة أزمة الخدمة الدائمة تتم في ظل خطاب سام غير مسبوق بين القيادتين العسكرية والسياسية، اللتين تمتلكان بعض الحلول وتتحملان مسؤولية وضع الجيش.
لطالما كان هذا الخطاب قاصرًا في تاريخ إسرائيل، لكن لم يسبق أن شهدنا وضعًا مشابهًا للوضع الراهن، حيث ينشغل رئيس الوزراء ووزراؤه بتوبيخ القيادة العسكرية باستمرار، وينشغل وزير الدفاع بالهجوم على النظام الموكل إليه أكثر من قيادته، ويشغل وزير المالية منصبًا غامضًا ولكنه موجه نحو هدف سياسي محدد داخل وزارة الدفاع نفسها.
“ضخ الأموال في المشكلة”
إن قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تفتقر إلى أي شخص ذي خبرة في الموارد البشرية، وفهمها لاتجاهات المجتمع الإسرائيلي محدود، قد تصرفت حتى الآن بالطريقة التقليدية في التعامل مع قضايا الموارد البشرية: التساؤل علنًا عن تراجع قيم المجتمع الإسرائيلي، والمطالبة بمزيد من الميزانية “لضخ الأموال في المشكلة”. في رأيي، قد يؤدي هذا النهج بحد ذاته إلى تفاقم الأزمة.
يمنح نموذج جيش الشعب الإسرائيلي الجيش الإسرائيلي ميزةً هائلةً من حيث الكم، بل وأكثر من الكيف. فعلى عكس الجيوش الغربية، يأتي ضباطه من صفوف الجيش. حتى أن معظم الضباط ينظرون إلى الالتحاق الأولي بالضباط على أنه استمرار للخدمة الإلزامية في دورٍ أكثر تحديًا وأهمية، وليس كخيارٍ لمسيرةٍ عسكرية. ولذلك، فإن طبقة الضباط وضباط الصف الشباب تتمتع بجودةٍ عاليةٍ للغاية، سواءً من حيث المهارات الشخصية أو الدافعية.
أخبرني قائد قاعدةٍ في سلاح الجو ذات مرة أن جنرالًا أمريكيًا زاره لم يكن مهتمًا بالطائرات والطيارين، بل أراد أن يفهم كيف تؤدي ضابطة صف تبلغ من العمر 22 عامًا في القسم الفني وظيفةً يقوم بها في سلاح الجو الأمريكي شخصٌ يكبرها بعشر سنواتٍ ويتقاضى أجرًا أعلى بكثير.
إن الطبقة الدائمة الأولية في الجيش الإسرائيلي – من قادة الميدان حتى مستوى قائد السرية ونظرائهم في الاستخبارات أو نظام الدعم القتالي – تمنحه إنتاجيةً هائلةً بتكلفةٍ منخفضةٍ بكل المقاييس. تتراجع هذه الكفاءة مع مرور السنين، كما أظهرت دراسة أجرتها شركة استشارية مطلعة على شؤون الجيش الإسرائيلي.
لكن نموذج جيش الشعب ينطوي أيضاً على تناقض، إذ يحتفظ الجيش الإسرائيلي بثلاثة جيوش في آن واحد، لكل منها منطقها الخاص: جيش التجنيد الإجباري، الذي يضم شباباً يتم تجنيدهم وفقاً للقانون؛ والجيش النظامي، الذي يكتسب (مع مرور السنين) خصائص سوق العمل؛ وجيش الاحتياط، وهو ميليشيا من المواطنين الذين، رغم خدمتهم وفقاً للقانون، هم في الواقع متطوعون.
حلول ترقيعية تُفاقم المشكلة
يكمن هذا التناقض في جوهر الفشل المستمر في معالجة قضايا مثل الوضع الإنساني في الجيش: ففي كل مرة، يُتناول جانب مختلف من المشكلة – التجنيد الإجباري (وما يتبعه من ازدياد في عدد غير المجندين)، ونظام الخدمة الدائمة والتقاعد، وقوات الاحتياط – دون إدراك أن هذه الحلول الترقيعية لن تؤدي إلا إلى تفاقم الوضع ما لم تكن هناك رؤية شاملة تُرسّخ منطقًا موحدًا من مرحلة ما قبل التجنيد إلى التقاعد. هذا ما حدث في العقود الأخيرة في سياق الخدمة الدائمة: فقد انحرف الجيش الإسرائيلي من نموذج شيخوخة الجيش الدائم (لجنة مالكا في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية) إلى نموذج تجديده (لجنة حغاي توبولانسكي بعد عقد من الزمن). وبقي الجنود في الخدمة في حيرة من أمرهم، متألمين، ويبحثون عن مخرج.
يُضاف إلى ذلك، منذ السابع من أكتوبر، الاستنزاف الهائل الذي طال جيلاً خاض معارك غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل. فعلى مدى العامين والنصف الماضيين، عانى قادة السرايا النظاميون من استنزافٍ لا يُقارن بتجارب نظرائهم في الحروب السابقة. وفي الوقت نفسه، تآكلت ثقتهم بمن هم أعلى منهم رتبة، إذ يُنظر إلى بعضهم على أنهم متواطئون في أخطر إخفاق في تاريخ الجيش، وإلى آخرين على أنهم منفصلون عن الواقع، أو انتهازيون، أو ببساطة لا يفهمون.
يكشف رصدنا المستمر للأوضاع في مختلف مستويات الجيش في معهد بحوث الأمن القومي عن فجوة ثقافية وفكرية بين الضباط والخصوم الذين يسعى الجيش الاسرائيلي للحفاظ عليهم، وبين أولئك الذين يُفترض بهم إقناعهم بقوة القدوة الشخصية أو بتقديم حلول عملية. فالخطابات التحفيزية والتوبيخات لانعدام القيم لا تُجدي نفعاً مع قائد سرية يقاتل منذ عامين، أو مدرب يعمل على مدار الساعة.
إن النسبة الهائلة من جنود الاحتياط في القتال ظاهرة مذهلة في قوتها. لكن الجنود النظاميين الشباب يقولون لأنفسهم: “بإمكاني أن أكون مواطنًا وأن أدافع عن الوطن في أوقات الطوارئ، دون أن أتحمل متاعب الجيش في بقية الأوقات”. ولا يُثير الحديث عن المال أو المعاشات اهتمام شاب موهوب في السابعة والعشرين من عمره، يشعر بحق أنه يحمل عبئًا ثقيلًا لا يُدركه الآخرون.
لن يبقى هؤلاء الشباب، رغم النقص، إلا إذا رسّخ الجيش الإسرائيلي ثقافة التنظيم المتميز، وطبّقها، مع تحقيق أقصى قدر من التمايز في الخدمة، مع الحفاظ على فرادة التشكيل القتالي، الذي لا مثيل لخدمته في أي مكان.
الحاجة: حوارٌ وديٌّ وشفاف
هل تريدون بقاء الكفاءات المتميزة؟ دعوهم يشعرون بأنهم يخدمون في مؤسسةٍ تُعلي شأن المستحقين، لا مكان فيها للكذب أو التقصير، وأن قادتها يجسدون القيم التي يدعون إليها، وأنه من المستحيل “تثبيت نقيبٍ في منصبه ليصبح عقيدًا بعد عشر سنوات”، وأن لديها مساراتٍ وظيفيةً متنوعةً تلبي الاحتياجات المتغيرة لجميع الأعمار وأنواع الخدمة، وأن لديها مسؤوليةً وقيمًا، وتركز على الميدان لا على المقرات الإدارية الضخمة، وأن تُجري حوارًا وديًا وشفافًا مع الجيل الحالي.
هذا ما يحدث في السوق المدنية، وكذلك في الصناعات الدفاعية التي تواجه تحديات مماثلة. إن الخطاب الحالي في قيادة الجيش، والذي يراه الميدانيون منفصلاً عن الواقع، وبالطبع التدخل المتهور في شؤون الجيش الإسرائيلي من قبل المستويات المنتخبة، بدءًا من رئيس الوزراء، لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة المزمنة إلى حد الإضرار بكفاءة الجيش، وحينها لن يُجدي أي مبلغ من المال نفعًا.



