د. مجدي جميل شقورة: الشرق الأوسط على حافة التصعيد
د. مجدي جميل شقورة 25-2-2026: الشرق الأوسط على حافة التصعيد
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تبدو منطقة الشرق الأوسط وكأنها تقف فوق طبقة رقيقة من التوازن الهش، حيث يكفي حدث أمني واحد أو خطأ في الحسابات كي تتدحرج الأمور نحو مواجهة أوسع. التحذيرات الأخيرة التي أطلقتها عواصم أوروبية لرعاياها في إسرائيل ولبنان، وفي مقدمتها بيان وزارة الخارجية الألمانية، لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً قنصلياً عادياً، بل كمؤشر إلى حجم القلق الدولي من مسار الأحداث واحتمال خروجها عن السيطرة.
المشهد الحالي تحكمه شبكة معقدة من التوترات المتداخلة. الحرب المستمرة في غزة ألقت بظلالها الثقيلة على الإقليم، فيما تحولت الحدود اللبنانية – الإسرائيلية إلى ساحة اشتباك شبه يومي. في الخلفية، يتصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، في ظل تعثر المسارات الدبلوماسية وتبادل الرسائل غير المباشرة. هذه العناصر مجتمعة تخلق بيئة استراتيجية شديدة القابلية للاشتعال، حيث يصعب الفصل بين الجبهات أو ضمان بقاء أي تصعيد ضمن حدوده الجغرافية.
ورغم ارتفاع منسوب الخطاب العسكري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور يبقى استمرار الاشتباك المنضبط. فالأطراف الرئيسية تدرك أن الحرب الشاملة ستكون باهظة الكلفة. إسرائيل تواجه تحدي تعدد الجبهات، ولبنان المثقل بأزمة اقتصادية خانقة لا يحتمل مواجهة واسعة النطاق، فيما تحسب إيران خطواتها بدقة لتفادي صدام مباشر قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. من هنا، يبدو الردع المتبادل على هشاشته هو الإطار الذي يحكم المرحلة.
غير أن الخطورة لا تكمن في قرار واعٍ بإشعال حرب، بل في احتمالية الانزلاق التدريجي إليها. ضربة تتسبب بخسائر كبيرة، أو خطأ في التقدير، أو توسيع غير محسوب لدائرة الاستهداف، قد يدفع جميع الأطراف إلى دوامة تصعيد متسلسل يصعب احتواؤه. في بيئة مشبعة بالتوتر والسلاح، يصبح هامش الخطأ ضيقاً، وتتحول الحسابات الدقيقة إلى مقامرة مفتوحة.
لبنان تحديداً يقف في موقع بالغ الهشاشة. البنية التحتية المتهالكة، والانقسام السياسي، وضعف مؤسسات الدولة، كلها عوامل تجعل أي تصعيد واسع ذا أثر مضاعف. أما على المستوى الإقليمي، فإن أي مواجهة ممتدة لن تبقى محصورة في بعدها العسكري، بل ستطال أسواق الطاقة وحركة الملاحة والاستقرار الاقتصادي في أكثر من دولة.
المنطقة اليوم ليست على أعتاب حرب حتمية، لكنها تعيش في منطقة رمادية خطرة بين الردع والانفجار. ما سيحدد الاتجاه هو قدرة الأطراف على ضبط الإيقاع، واستمرار القنوات الدبلوماسية – المعلنة وغير المعلنة – في احتواء الصدمات قبل أن تتحول إلى مواجهات مفتوحة. ففي الشرق الأوسط، كثيراً ما لا تبدأ الحروب بقرارات كبرى، بل بسلسلة خطوات صغيرة تتراكم حتى يصبح التراجع مستحيلاً. وبين منطق القوة وحسابات الردع، يبقى الإقليم معلقاً على خيط رفيع ينتظر اختباراً قد يثبت صلابته… أو يكشف هشاشته.



