أقلام وأراء

رجب أبو سرية: السؤال المفقود عن التهديدات الأميركية لإيران

رجب أبو سرية 24-2-2026: السؤال المفقود عن التهديدات الأميركية لإيران

منذ لقائه برئيس الحكومة الإسرائيلية قبل نحو شهرين، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التهديد بشن الحرب على إيران، بما يشير الى أنه قد عاد لهذا المسار، بعد أن كان قد دخل إليه بشكل خاطف في حزيران من العام الماضي، بتحريض من بنيامين نتنياهو، لكنه بعد تدخل من دول الشرق الأوسط، وبعد تباين وجهات النظر داخل إدارته نفسها، حول أيهما الأجدى لتحقيق الأهداف الأميركية، الحرب أم التفاوض، أعطى ترامب أوامره لكل من صهره جاريد كوشنير، ومستشاره ستيف ويتكوف للدخول في مسار تفاوضي في مسقط، وجنيف، لكن ذلك لم يوقف تهديداته بشن الحرب، المترافقة مع الدفع بحاملات طائراته الى الشرق الأوسط، بما تسبب في جدل متواصل في عموم الشرق الأوسط، منذ أكثر من شهر ونصف، دار أولاً حول مآل التفاوض إن كان سينتهي باتفاق ام لا، ثم حول العمل العسكري، إن كان سيقتصر على ضربة خاطفة، أم سيكون حرباً متواصلة.

ومن يتابع جدل الحرب والتفاوض الدائر في المنطقة، تنقطع أنفاسه لحظة بلحظة، حيث لا أحد يمكنه ان يرجح أيهما سيتفوق على الآخر، احتمال التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، أم اندلاع الحرب، ثم مؤخراً ومع قراءات عسكرية لما تم حشده من قوة عسكرية، بات احتمال الحرب مرجحاً على احتمال الاتفاق، ومع صمت دول العالم، وحتى دول الشرق الأوسط، التي يبدو أنها اكتفت باقناع ترامب بمنح التفاوض فرصة، مع ان ما جرى لا يبدو انه كان كذلك، فحشد الجيوش أصلاً يحتاج وقتاً، والحرب لا تندلع لحظة التهديد بها، بات السؤال يدور حول طبيعة تلك الحرب، وإن كان ترامب سيكتفي بضربة خاطفة، كما فعل العام الماضي، أم انه سيذهب الى حرب تستمر أسابيع وأشهراً، وما يجيب على هذا التساؤل هو الأهداف التي يسعى اليها ترامب من مجيئه الى الشرق الأوسط، والتي هي بالقطع ليس البحث عن السلام والاستقرار، كما يدعي.

تنوعت وتعددت الأسئلة حول طبيعة العمل العسكري، ومدى الرد الإيراني، وعمن سيشارك بها، ثم عما سينجم عنها من خسائر، وعمن سيطاله دمارها، لكن سؤالاً جوهرياً، لم يطرحه أحد، لا من دول المنطقة ولا العالم، ولا حتى المحللين والمتابعين، وهو: لماذا أصلاً يفكر ترامب وهو رئيس أقوى واكبر دولة في العالم بشن الحرب على دولة أخرى، تبعد عن حدود بلاده، اكثر من احد عشر ألفاً وخمسمائة كيلومتر، اي ليس هناك خلاف حدودي بينهما، وإيران منذ عام 1979، أي منذ ثورتها الداخلية التي أسقطت النظام الامبراطوري المستبد، وأقامت مكانه نظام الحكم الحالي، لم تعتد على اي من دول الجوار، ولم تحتل أرض أحد، وحتى ما يقال حول تدخلها في شوؤن دول المنطقة، لا يختلف في شيء عما تفعله معظم الدول الاقليمية التي تدخلت خاصة منذ مطلع العشرية الثانية من الألفية الثالثة بما سُمي بالربيع العربي، في الشؤون الداخلية لليبيا واليمن وسورية ومصر، وذلك لاعتبارات التداخل الطائفي والعرقي/القومي، وما الى ذلك.

السؤال المفقود في الجدل الدائر حول التهديدات الأميركية بشن الحرب على إيران سواء كانت حربا مفتوحة وشاملة، او خاطفة، وبغض النظر عن أهدافها، إن كانت محصورة في ضرب برنامجها النووي، لمنعها من امتلاك السلاح النووي، او ضرب برنامجها الصاروخي، وصولاً الى إسقاط النظام، هو بأي حق تفعل أميركا هذا، أليس مجرد التهديد باستخدام القوة العسكرية، من قبل دولة ما ضد دولة اخرى، يعتبر عملاً عدوانياً، منافياً للقانون الدولي، يجب ان يدان وأن يستنكر، بل ويجب على الدول ان تتخذ بحق من يقوم به إجراءات سياسية مضادة، كما يجب على المنظمات الدولية، اي الأمم المتحدة، والمنظمات التي تتبع لها، مثل مجلس الأمن والجمعية العامة، والمحكمة الدولية، أن تتخذ الإجراءات الرادعة ضد الدولة المعتدية، أياً تكن، بل خاصة حين تكون الدولة الباغية هي دولة عظمى، قادرة على الدفاع عن نفسها، فضلاً عن الدولة التي يفترض فيها ان تحافظ على النظام العالمي، وان تحمي ذلك النظام ممثلاً بالأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة.

لم تعلن ولا اي دولة لا في الشرق الأوسط ولا في العالم، لا إدانتها ولا رفضها ضرب أميركا لإيران في حزيران الماضي، ولم تعلن الأمم المتحدة إدانتها، كذلك لم تعلن دول العالم رفضها واستنكارها لما قامت به أميركا، بأوامر من ترامب من قرصنة دولية بحق رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، في الثالث من كانون الثاني الفائت، ولم تتخذ العقوبات بحق أميركا، ولم يتقدم أحد حتى اليوم بطلب إجراء محاكمة دولية لا لأميركا ولا لترامب على ما فعله بحق فنزويلا وإيران سابقاً، ولا إزاء تهديداته لغرينلاند وبنما وكندا.

والأكثر غرابة وإثارة للدهشة، هو عدم انطلاق التظاهرات حتى اللحظة، لإدانة واستنكار ما فعل ترامب حتى اللحظة، من فعل عدواني بحق اكثر من دولة، بالتحديد واقعتَي خطف مادورو، وقصف إيران في العام الماضي، ذلك ان ترامب تجاوز حتى ما سبق للرؤساء الأميركيين السابقين فعله، خلال العقود الماضية، وحتى خلال الحرب الباردة، فيما يخص خوض الحروب والصراعات الدولية، ففي الحرب الباردة، باستثناء تورط أميركا في حرب فيتنام بشكل مباشر، مقابل الدعم الذي كانت تقدمه الصين وروسيا عبر الاتحاد السوفياتي لفتينام، كانت أميركا تكتفي بدعم «حلفائها» الإقليميين، ولم تتورط بشكل مباشر في الحرب مع إسرائيل، في أعوام 1948، 1956، 1967، 1973، 1982، أما فيما يخص الحرب الروسية الأوكرانية، فإضافة الى التحريض الأميركي في عهد جو بايدن، قبل اربع سنوات، اكتفت أميركا بدعم أوكرانيا سياسياً وعسكرياً ومالياً، ولم تتورط في شن هجمات أو في المشاركة بالحرب ضد روسيا، هذا رغم أن روسيا اعتبرت معتدية على أوكرانيا.

أما في حالة إيران، فإن إسرائيل هي المعتدية، وإيران منذ سنوات طويلة تمارس سياسة ضبط النفس، في حين ان إسرائيل تحرض عليها، منذ نجحت في دفع أميركا الى احتلال العراق وإسقاط نظامه عام 2003، ومنذ ذلك الوقت وإسرائيل تريد من أميركا ان تفعل الأمر ذاته مع إيران، لكن أميركا لم تفعل، وفيما يخص الملف النووي، الذي كان رأس حربة التحريض الإسرائيلي، توصلت أميركا في عهد باراك أوباما مع مجموعة الدول الخمس +1 أي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن مع ألمانيا الى اتفاق مع إيران، انسحب منه ترامب في ولايته السابقة عام 2018، ومنذ ذلك الوقت وأميركا تفرض عقوبات اقتصادية على إيران، لا لسبب إلا لأن لإسرائيل تطلعات اقليمية توسعية، تهدف الى فرض سيطرتها على الشرق الأوسط، وفي سبيل ذلك تسعى الى إزالة أية قوة تقف حجر عثرة في طريق طموحها الاستعماري.

وحتى اللحظة، فإن إيران نفسها تعلن أنها لا تسعى الى إنتاج السلاح النووي، بل لامتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية المشروعة، ومن أجل تبديد مخاوف المجتمع الدولي عقدت اتفاق 2015 السابق، ومستعدة لعقد اتفاق آخر مع ترامب حول هذا الملف، لكن ترامب بلسان إسرائيلي، يريد السطو على الثروة الإيرانية النفطية، وطريقه المفضل الى ذلك هو تغيير النظام، وهنا لا أحد أيضاً يحتج على المفارقة الأميركية التي تغض النظر عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، وعن تفوقها العسكري الذي ما زالت تصر على بقائه على كل دول الشرق الأوسط فرادى ومجتمعين، وكان الأجدى بأميركا من واقع كونها زعيمة النظام العالمي، ان تضع حداً للاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين، او على الأقل ان تمنع الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة بحق فلسطيني غزة والضفة، وبحق سورية ولبنان.

لكن مع ان التحريض الإسرائيلي واضح فيما قام به ترامب من اعتداءات عسكرية على إيران ومن قبلها اليمن، والأسوأ من مشاركة ودعم سياسي وعسكري لحرب الابادة، إلا انه لا يمكن اعتبار أن ذلك التحريض هو السبب الوحيد، فترامب عاد الى البيت الأبيض ليحقق شعار «ماغا»، أي جعل أميركا عظيمة مجدداً، وذلك على حساب دول العالم، في كل قارات الكرة الأرضية، وهو بدأ بترجمة هذا الشعار بإصدار جملة من القرارات الداخلية والخارجية، التي تتسم بالعنصرية ومعاداة الآخرين من غير الأميركيين، بل حتى ممن هم من ذوي الأصول غير البيضاء من الأميركيين انفسهم، ورأى بأن طريقه الى ذلك، تثبيت أركان النظام العالمي الأميركي، الذي نشأ بعد انهيار جدار برلين، مع «تجديد» يقوم على أساس الوحدة مع أوروبا، كما قال ماركو روبيو وزير الخارجية الذي يدعم بقوة شن الحرب على إيران، كما قال في مؤتمر ميونيخ الأمني الذي عقد قبل نحو أسبوعين، وترامب يرى في القوة العسكرية وسيلته لتحقيق هذا.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى