هآرتس: السلطة تحاول ضمان موطيء قدم في غزة وبذلك تظهر ضعفها
هآرتس 23/2/2026، جاكي خوري: السلطة تحاول ضمان موطيء قدم في غزة وبذلك تظهر ضعفها
البيان اول امس عن انشاء مكتب ارتباط بين السلطة الفلسطينية ومجلس السلام عرض هذه الخطوة كخطوة تقنية، تقريبا كخطوة ادارية، وكاستجابة لطلب المندوب السامي للمجلس نيكولاي ملادينوف الذي بارك واوضح بان هذه “قناة رسمية للاتصال والتنسيق”.
في رام الله اكدوا على ان هذا ليس اختراق سياسي، بل مجرد ترتيب لعلاقات العمل. ولكن من خلف الصياغة الجافة التي نشرها نائب رئيس م.ت. حسين الشيخ، تكمن قصة سياسية اعمق بكثير، وهي محاولة واضحة لارضاء واشنطن بأي ثمن، ودليل على عمق الازمة وتآكل مكانة السلطة الفلسطينية. الشيخ اشار في الرسالة التي ارسلها الى ملادينوف الى ان مكتب التنسيق سيترأسه رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى. وكان الهدف من ابراز هذا المستوى الرفيع هو اظهار الجدية والتاكيد على ان السلطة الفلسطينية تعمل على ان تكون جزء من قطاع غزة، وانه مستعدة للقيام باي دور يطلب منها.
ايضا اكد محيط الشيخ على ان سياق انشاء المكتب لا يقل اهمية عن مضمون الاعلان. فقد تم انشاء المكتب بعد مشاورات مع الولايات المتحدة، وفي ظل خطة الرئيس الامريكي ترامب المعروفة بمبادرة “العشرين نقطة” لادارة قطاع غزة.
من يؤيدون هذه الخطوة يشرحون ان السلطة الفلسطينة تعرف بالضبط حدود صلاحياتها. فبعد سنوات من الانقطاع والمواجهة مع الادارة الامريكية في واشنطن، يسود الان في السلطة الفلسطينية الشعور بضرورة بذل كل ما في استطاعتها – حرفيا كل شيء – لتجنب الظهور بمظهر من يعرقل المبادرة الامريكية. فالسلطة الفلسطينية لا ترغب في البقاء خارج دائرة صنع القرار بشان مستقبل غزة. بهذا المعنى يعتبر انشاء مكتب الاتصال بمثابة ضمانة سياسية، ودليل على الرغبة في التعاون، ورسالة واقعية ومحاولة لتجنب مواجهة اخرى مع واشنطن.
لكن في الساحة الداخلية الفلسطينية، بما في ذلك اوساط فتح في الضفة وفي قطاع غزة، فان هذه الخطوة يتم النظر اليها بشكل مختلف كليا. مصادر في فتح وحتى في اجهزة السلطة يعتبرون انشاء المكتب كاستخذاء، ليس براغماتية بل استسلام. بالنسبة لهم السلطة بالفعل تعطي مصادقتها على أنها لم تعد شريكة في رسم السياسة، بل هي تنضم كمنفذة لسياسة تم رسمها بدونها. هي ليست شريكة على قدم المساواة، بل فقط مقاول تنفيذ. عندما يبارك الشيخ في رسالته الخطة الامريكية ويتعهد بالتعاون، فان هناك من يعتبرون اقواله تنازل صامت عن المطالب الاساسية حرصت م.ت.ف على التاكيد عليها في كل مناسبة منذ العام 1967، انها هي الممثل الشرعي للفلسطينيين وانها الجسم الذي وقع على اتفاقات دولية ايضا امام اسرائيل.
الانتقاد لا يقتصر على الاسلوب والصياغة فقط، بل يمس جوهر الازمة: فقدان السيطرة. عمليا فقدت السلطة الفلسطينية وم.ت.ف السيطرة على قطاع غزة منذ زمن. والان يقول من ينتقدونهم بانهم يخاطرون بفقدان السيطرة على الضفة الغربية ايضا. ففي حين تسعى السلطة الفلسطينية الى ترسيخ وجودها في قطاع غزة من خلال آلية تنسيق، فان الوضع في الضفة الغربية يتدهور، من عنف المستوطنين وتآكل مكانة الاجهزة وفقدان ثقة الشعب. وتتسع الفجوة بين التظاهر بالتاثير على غزة وصعوبة ضمان الامن اليومي في الضفة الغربية.
في لقاء مجلس السلام في واشنطن في الاسبوع الماضي ساد استخدام لغة تقنية وادارية تكاد تكون بيروقراطية. لقد قل التحدث عن الرؤية الوطنية والحقوق الجماعية، وزاد التركيز على الآليات واللجان واساليب التنفيذ. هذا قد يكون تكتيك مدروس لاضفاء طابع امريكي يناسب الاذن الامريكية واذن ترامب. ولكن في الساحة الفلسطينية الامور يتم تفسيرها كتنازل عن الرواية الوطنية لصالح خطاب ادارة الازمات.
قد تجادل قيادة السلطة بان البديل اسوأ: غياب تام وابعاد عن طاولة المفاوضات واتخاذ القرارات بدون أي مشاركة للفلسطينيين. في ظل واقع اقليمي ودولي معقد فانه قد يكون التواجد، حتى لو كان محدود، افضل من الانقطاع، وربما حتى من الانهيار المستقبلي. ولكن هذه الحجة لا تظهر الا عمق التآكل. فالسلطة التي تثق بمكانتها لن تكتفي بتواجد رمزي، بل ستضع شروط بالحد الادنى وترسم خطوط حمراء وتملي جدول اعمالها. عندما تصبح المشاركة نفسها انجاز فهذا دليل على تناقص الفضاء المتاح بشكل كبير.
في نهاية المطاف يعتبر مكتب الاتصال الية تقنية في جوهره، رمز لمحاولة السلطة الفلسطينية الحفاظ على مكانتها في عصر تتجه فيه مراكز القوة بعيدا عن رام الله. رمز لرغبتها في ارضاء الادارة الامريكية لتجنب صراع آخر، ورمز لازمة ثقة وشرعية عميقة في الساحة الفلسطينية. من يطمحون للنفوذ في غزة يجب عليهم اظهار القوة والنفوذ في الضفة الغربية. في غضون ذلك يبدو ان السلطة الفلسطينية تكافح من اجل الحفاظ على ما تبقى اكثر من قدرتها على رسم ملامح المستقبل.



