#ترجمات عبرية

مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS): اليوم التالي لأبو مازن

مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) 22-2-2026، العقيد (احتياط) البروفيسور غابي سيبوني والعميد (احتياط) إيرز فينر: اليوم التالي لأبو مازن

 مقدمة

يمثل الإعلان عن دخول محمود عباس (أبو مازن) المستشفى لإجراء فحوصات (كانون الثاني 2026) فرصةً سانحةً للتوقف وإعادة النظر في الاستراتيجية الأمنية لدولة إسرائيل في الضفة الغربية. فعلى مدى سنوات طويلة، انغمست المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في نقاشات حول “تعزيز السلطة الفلسطينية”، حيث أمضت آلاف الساعات في التخطيط لمنح تنازلات ومزايا وامتيازات لكبار مسؤولي السلطة الفلسطينية وعائلاتهم. وقد مُنح المحرّضون الرئيسيون، مثل جبريل الرجوب وغيره، تصاريح سفر وتنقل مجانية، وأقاموا في تل أبيب وسافروا إلى الخارج، بينما كانوا ينهبون شعبهم ويجنون عمولات مجزية من صناديق المساعدات الدولية.

ويُظهر الواقع على الأرض أنه على الرغم من تمتع السلطة الفلسطينية ببعض المزايا في السياق الأمني، وبصفتها جهةً تُدير شؤون حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية، إلا أنها أصبحت، إلى حد كبير، عبئًا أمنيًا بدلًا من أن تكون رصيدًا استراتيجيًا. تتناول هذه المقالة التحديات الأمنية الرئيسية، وتُصوّر السلطة الفلسطينية كداعم للإرهاب ومحرّض ضد إسرائيل، وتقترح توجهات سياسية للتعامل مع التهديدات الحالية والمستقبلية، أبرزها توسيع نطاق الأنشطة الرامية إلى إحباط الإرهاب وتهريب الأسلحة، وتنجيع العقوبات لتحقيق الردع، وبناء جاهزية عملياتية لمواجهة الاضطرابات والفوضى الجماعية في السلطة الفلسطينية، وإنشاء مناطق عازلة أمنية مقابل المستوطنات وخط التماس. ويتجلى ذلك بوضوح في ضوء الفراغ القيادي المتوقع بعد رحيل أبو مازن.

 السلطة الفلسطينية كعبء أمني

منذ اتفاقيات أوسلو (1993-1995)، فشلت السلطة الفلسطينية في إنشاء إطار عمل فعّال. بل على العكس، تحوّلت إلى هيئة فاسدة، محرّضة، وداعمة للإرهاب. إحدى المشكلات الرئيسية هي سياسة دفع المكافآت لعائلات الإرهابيين (“الدفع مقابل القتل”)، والتي تُحدد وفقًا لخطورة الهجوم، حيث يُشترط أن تكون قيمة المكافأة الشهرية أعلى كلما طالت مدة السجن. ورغم التقارير التي تتحدث عن إصلاحات ظاهرة، فإن هذه السياسة لا تزال سارية حتى في أوقات الأزمات الاقتصادية، حيث صرّح عباس بأنه سيخصص “حتى آخر قرش” لعائلات “الشهداء”. تُرسّخ هذه الآلية ثقافة تمجيد الإرهاب وتشجع على المزيد من الهجمات، إذ تُضفي شرعية رسمية على الإرهاب ضد الإسرائيليين باعتباره عملاً جديراً بالثناء ومُجزياً. تُعدّ آلية التحفيز هذه جزءًا من ثقافة تمجيد الإرهاب والتشجيع على مواصلة الهجمات. لا تقتصر هذه المدفوعات على كونها مساعدات مالية فحسب، بل هي اعتراف رسمي بشرعية الأعمال الإرهابية ضد إسرائيل. الرسالة واضحة: قتل اليهود عملٌ معترف به وجدير بالثناء، ويستحق مكافأة من السلطة الفلسطينية. وبحسب نص القانون الذي تُدفع بموجبه رواتب الإرهابيين المحظورين في إسرائيل، فإن هؤلاء الإرهابيين يمثلون الفصيل المقاتل في المجتمع الفلسطيني، وبالتالي يجب أن يتقاضوا رواتب ومزايا إضافية. خلال عام 2025، حاول أبو مازن، تحت ضغط دولي، تزييف الواقع بتصوير آلية دفع رواتب الإرهابيين على أنها قد أُلغيت، وأن المدفوعات قد خُفِّضت وأصبحت تُدفع وفقًا لمعايير الاحتياجات الاقتصادية، لكن اتضح في الواقع أن هذا، كما في السابق، كان مجرد تستر، وأن المدفوعات استمرت عبر قنوات بديلة.

كما تتخذ السلطة الفلسطينية إجراءات ممنهجة ضد دولة إسرائيل على الساحة الدولية. ويشمل هذا النشاط تقديم شكاوى ضد إسرائيل في مؤسسات الأمم المتحدة، وتقديم التماسات إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، ونشاط دبلوماسي مكثف للاعتراف بفلسطين دولةً وشرعية الأعمال المرتكبة ضد إسرائيل. تستغل السلطة الفلسطينية موقعها الدبلوماسي للترويج لمقاطعة إسرائيل وتقويض مكانتها الدولية.

على الرغم من توقيع اتفاقيات أوسلو قبل أكثر من ثلاثين عامًا، لم يتوقف التحريض الفلسطيني ضد إسرائيل. ويستمر النظام التعليمي الفلسطيني في تلقين أجيال بأكملها كراهية إسرائيل وإنكار حقها في الوجود كدولة يهودية. ورغم ادعاءات الفلسطينيين بإجراء إصلاحات على الكتب المدرسية، إلا أنها في الواقع لا تزال مليئة بمحتوى كراهية، ولا تُظهر الخرائط دولة إسرائيل، ويركز التعليم على تمجيد “المقايضة” ضد “الاحتلال”. وتلعب وسائل الإعلام الفلسطينية دورًا مماثلًا، حيث تُحرض يوميًا ضد دولة إسرائيل، وضد اليهود عمومًا، وتبث القنوات التلفزيونية الفلسطينية برامج تُشيد بالإرهابيين وتُشجع على أعمالهم. وتُخصص إذاعة السلطة الفلسطينية وقتًا طويلًا لعرض “الشهداء الأبطال” ووصف الأعمال الإرهابية بأنها أعمال بطولية. وينطبق هذا أيضًا على تصريحات مسؤولين كبار في السلطة الفلسطينية، مثل جبريل الرجوب وغيره.

التهديد

يتمثل التهديد المباشر في المنظمات الإرهابية العاملة في الضفة الغربية، بقيادة حماس والجهاد الإسلامي، بالإضافة إلى منظمات محلية تضم عناصر من حركة فتح. تسعى هذه المنظمات إلى إنشاء بنى تحتية إرهابية في المنطقة، وتهريب الأسلحة، وشن هجمات ضد الجنود والمدنيين. وتستغل المنطقة تحت غطاء السكان المدنيين لإخفاء أنشطتها، ما يُصعّب عمل قوات الأمن الإسرائيلية فيها.

تعمل حماس على تطوير بنية تحتية عسكرية كبيرة في المنطقة. وقد صودرت وثيقة لحماس في غزة تُشير إلى نية المنظمة غزو تجمعات سكنية في الضفة الغربية وخط التماس، على غرار هجوم 7 أكتوبر. وتسعى حماس إلى إنشاء مرافق محلية لإنتاج الأسلحة في المنطقة، بما في ذلك القدرة على إنتاج الصواريخ والمتفجرات. ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن دوافع هذا النشاط قد تراجعت، إذ تعمل المنظمة على إنشاء قدرات مماثلة لتلك التي أنشأتها في غزة، بما في ذلك محاولات حفر خنادق تحت الأرض، حتى لو كان ذلك في البداية لغرض دفن الوسائل والقدرات.

ثمة سيناريو خطير آخر يتمثل في “انقلاب الوضع”، أي أن تُوجّه قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية أسلحتها ضد إسرائيل. هذا السيناريو ليس مجرد سيناريو نظري، فالتدريب العسكري الذي تتلقاه قوات الأمن الفلسطينية في الأردن ومصر والعراق وباكستان يركز على القتال العسكري، لا على حفظ الأمن المدني. وقد كشفت وثائق تدريبية مُسرّبة عن استعدادات لمواجهة مع جيش الدفاع الإسرائيلي واحتلال المستوطنات الإسرائيلية.

يُضاف إلى كل هذا خطر تهريب الأسلحة، سواءً عبر الحدود الأردنية الإسرائيلية، التي تُعدّ طريقًا رئيسيًا لتهريب الأسلحة والمعدات المتطورة إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية، أو عبر عصابات إجرامية عربية في إسرائيل. يشمل هذا التهريب أسلحة خفيفة ومتفجرات وطائرات مسيّرة، وحتى أسلحة مضادة للدبابات. تُتيح الأسلحة المهربة للمنظمات الإرهابية تعزيز قدراتها وتنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا. ويُشكّل استخدام الطائرات المسيّرة لحمل الحمولات، وتزايد توافر الأسلحة المضادة للدبابات والذخائر التقليدية، تهديدًا جديدًا وخطيرًا لقوات الأمن وسكان المنطقة.

 إلى جانب التهديدات العسكرية المباشرة، تواجه إسرائيل خطر غياب الحكم الرشيد في مناطق واسعة من الضفة الغربية. ويتجلى هذا الخطر في السيطرة على المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، والبناء غير القانوني على نطاق واسع، وتشغيل محارق النفايات غير القانونية التي تلوث البيئة وتُعدّ بمثابة إرهاب بيئي. ويتم تنفيذ السيطرة على هذه الأراضي بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي ودول غربية وعربية، في إطار ما يبدو أنه سياسة تهدف إلى تهيئة الظروف على الأرض تمهيداً لإقامة دولة فلسطينية. وتشمل هذه الأنشطة بناء منشآت دائمة، ورصف الطرق، وإنشاء البنية التحتية دون تنسيق مع السلطات الإسرائيلية.

هذه التهديدات ليست جديدة، لكنها تتفاقم مع مرور الوقت، وتزداد خطورة في ظل الوضع الداخلي للسلطة الفلسطينية وصراعاتها، فضلاً عن الخلافة المتوقعة بعد رحيل أبو مازن. يواجه الزعيم الفلسطيني البالغ من العمر 89 عامًا مشاكل صحية، ولا يوجد بديل متفق عليه له، رغم تعيينه حسين الشيخ نائبًا له، ورغم سعيه لتهيئة الظروف لخلافته في الوقت المناسب. قد يُفضي هذا الوضع إلى فوضى داخلية، تسعى خلالها فصائل مختلفة إلى تعزيز مواقعها، بما في ذلك القتال ضد إسرائيل.

يُضاف إلى ذلك الدعم الشعبي الواسع لحركة حماس في الضفة الغربية، كما تُظهر جميع استطلاعات الرأي الداخلية والخارجية التي أُجريت بين السكان. ليس من قبيل المصادفة أن الانتخابات لم تُجرَ في الضفة الغربية طوال العشرين عامًا الماضية. ففي انتخابات العام 2006، فازت حركة حماس بأغلبية مقاعد البرلمان.

 مفهوم الأمن في يهودا والسامرة

يرتكز أي مفهوم أمني فعّال في يهودا والسامرة على مزيج من المعلومات الاستخباراتية عالية الجودة والسيطرة العملياتية الكاملة على المنطقة. ولا تتطلب هذه السيطرة وجودًا عسكريًا دائمًا في كل نقطة، بل تعني توفير حرية عملياتية كاملة لقوات الأمن الإسرائيلية في جميع أنحاء المنطقة. وهذا يعني عدم وجود “ملاذات آمنة” يمتنع الجيش الإسرائيلي عن العمل فيها. خلال العامين الماضيين، كثّف الجيش الإسرائيلي نشاطه في مخيمات اللاجئين وشمال السامرة، وهي مناطق كانت حتى وقت قريب معاقل للمنظمات الإرهابية. وقد أسفرت العمليات الجارية في أماكن مثل مخيمي طولكرم وجنين للاجئين عن تفكيك البنى التحتية الإرهابية وانخفاض ملحوظ في النشاط الإرهابي في المنطقة. ويُبرهن نجاح هذه العمليات على أهمية وجود عسكري مستدام وحازم. فعندما يعمل الجيش الإسرائيلي باستمرار وبفعالية في منطقة معينة، تواجه المنظمات الإرهابية صعوبة في التنظيم وتطوير قدراتها، بينما يؤدي تجنب النشاط في مناطق معينة إلى تعزيز الإرهاب وزيادة الهجمات. كان هذا هو الحال بعد الانسحاب من شمال السامرة العام 2005، وكذلك في السنوات التي سبقت حرب النهضة عندما توقف الجيش الإسرائيلي عن العمليات في المنطقة وترك مكافحة الإرهاب لقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.

ولتعزيز الأمن، من الضروري إنشاء نظام مناطق عازلة أمنية حول المستوطنات اليهودية وعلى طول طرق المواصلات الرئيسية. ستكون هذه المناطق خالية من أي وجود فلسطيني، وسيتم الرد عسكرياً على أي تحرك مشبوه فيها. سيمكن إنشاء المناطق العازلة من الكشف المبكر عن التهديدات ومنع العديد من الهجمات. تُظهر التجارب أنه في الأماكن التي أُنشئت فيها مناطق عازلة فعالة، انخفضت حوادث رشق الحجارة وزجاجات المولوتوف ومحاولات زرع العبوات الناسفة بشكل ملحوظ. وقد خلق العمل العسكري الحازم، بالتزامن أحياناً مع أنشطة المستوطنين، رادعاً فعالاً أدى إلى هدوء كبير. يجب ألا تقتصر المناطق العازلة على يهودا والسامرة فحسب، بل يجب أن تمتد أيضاً إلى المنطقة المقابلة للحدود الفاصلة. على سبيل المثال، إنشاء منطقة عازلة أمنية في المنطقة المقابلة لمستوطنة بات حيفر وخلف السياج الفاصل، بما يُصعّب على الإرهابيين عبور هذه المنطقة بسرعة واقتحام بات حيفر، على غرار ما حدث في حصار غزة.

يُعدّ تمويل الإرهاب الركيزة الأساسية للأنشطة العدائية في الضفة الغربية. ويجب أن يشمل العمل الفعال ضد الإرهاب مواجهة شاملة لمصادر تمويل المنظمات الإرهابية، بما في ذلك العمل ضد شبكة “الدعوة” التابعة لحماس، وهي شبكة من المؤسسات والمنظمات الخيرية التي تُحوّل الأموال إلى الأنشطة الإرهابية تحت غطاء العمل الاجتماعي والديني. إضافةً إلى ذلك، من الضروري تكثيف العمل ضد نظام الصرافين الذي يسمح بتحويل الأموال إلى الإرهاب دون رقابة مصرفية. وفيما يتعلق بالسلطة الفلسطينية، يجب على إسرائيل الاستمرار في خصم الأموال المُحوّلة إلى عائلات الإرهابيين من الأموال المُحوّلة إلى السلطة. ولا يقتصر هذا الخصم على الحدّ من الموارد المتاحة للإرهاب فحسب، بل يُرسل أيضاً رسالة واضحة مفادها أن تمويل الإرهاب سيُكبّد الاقتصاد الإسرائيلي ثمناً باهظاً.

من الضروري اتخاذ إجراءات حاسمة ضد البناء غير القانوني في المنطقة (ج)، ومنع الاستيلاء على المناطق المفتوحة وإنشاء محارق نفايات غير قانونية تلوث الهواء ومصادر المياه. ولتحقيق هذه الغاية، يجب تخصيص موارد إنفاذ كبيرة واتخاذ إجراءات سريعة وفعالة، وتعزيز التشريعات التي تسمح بإلحاق ضرر اقتصادي بالمتورطين، مثل مصادرة المركبات المستخدمة في أنشطة غير قانونية. إن التردد والانتظار اللذين يميزان التعامل مع هذه القضية يشجعان على استمرار الانتهاكات ويخلقان تدريجياً واقعاً من غياب السيطرة والحكم الإسرائيليين في مناطق واسعة. وقد بدأت الحكومة والجيش مؤخراً تحركات في هذا الشأن، ويُؤمل أن تتصاعد هذه التحركات.

ولمنع تهريب الأسلحة والذخائر، من الضروري تعزيز الأمن بشكل كبير على طول الحدود مع الأردن. ويشمل هذا التعزيز إنشاء أنظمة مراقبة متطورة، وزيادة الدوريات، وتطوير القدرات اللازمة لاعتراض عمليات التهريب في الوقت الفعلي. وفي الوقت نفسه، من الضروري اتخاذ إجراءات حاسمة ضد شبكات التهريب الإجرامية في إسرائيل التي تنقل الأسلحة إلى الفلسطينيين. ويتطلب هذا الإجراء تعاوناً وثيقاً مع الأردن ودول أخرى في المنطقة. تخشى الأردن من توغل الإرهاب في أراضيها، ولذا فهي مهتمة بمكافحة التهريب، شريطة أن يتم ذلك بحذر شديد.

يتطلب ردع الإرهاب الفعال استجابة سريعة وحاسمة ومؤلمة لأي عمل إرهابي. ويشمل ذلك هدم منازل الإرهابيين وعائلاتهم، وتقييد حركتهم، وإلغاء التصاريح الاقتصادية. إن الإجراء الحالي، الذي يتضمن تقديم التماسات إلى المحكمة العليا وحلولاً وسطية كإغلاق بعض الغرف بدلاً من الهدم الكامل، والذي يهدف إلى إتاحة التدقيق الخارجي للنظام، ومنع الأخطاء والانتقادات الدولية، غير فعال ولا يحقق الردع الكافي. يتحقق الردع الحقيقي عندما تكون التكلفة الشخصية لتنفيذ هجوم أو دعم الإرهاب باهظة وفورية. ولتحقيق هذه الغاية، يلزم سن تشريعات تعطي الأولوية لحق المواطنين الإسرائيليين في الحياة على حقوق ملكية عائلات الإرهابيين، وتسمح بالتنفيذ السريع لأوامر الهدم دون تأخيرات بيروقراطية غير ضرورية.

أخيرًا، من الضروري التصدي للتحريض على أعمال إرهابية، فهي جريمة خطيرة تستوجب ردًا فوريًا وحازمًا. من الضروري تحديد كبار المحرضين في النظام الفلسطيني، بما في ذلك السلطة الفلسطينية، ومحاسبتهم، بما في ذلك المساس بحقوقهم وامتيازاتهم. إن الوضع الذي يسمح لشخصيات مثل جبريل الرجوب بالتنقل بحرية في إسرائيل، بينما يواصلون التحريض ضد دولة إسرائيل، أمر غير مقبول. يجب أن يشمل هذا الإجراء أيضًا التصدي للتحريض في النظام التعليمي الفلسطيني. يمكن لإسرائيل ربط المساعدات الاقتصادية وفتح المعابر بوقف تعليم الكراهية وإزالة المحتوى التحريضي من الكتب المدرسية الفلسطينية. من المهم أيضًا الانخراط في حملات مناصرة في هذا الشأن، لا سيما مع الدول والمنظمات التي تساهم في النظام التعليمي للسلطة الفلسطينية. يُمثل إغلاق وكالة الأونروا وخفض ميزانية الأمم المتحدة نتيجة لقرارات الرئيس ترامب فرصة سانحة. هذا بالإضافة إلى تنفيذ قرار الحكومة بالموافقة على المنظمات المصرح لها بالعمل في الميدان.

 سيناريوهات اليوم التالي لأبو مازن

قد يُؤدي اعتزال أبو مازن من قيادة النظام الفلسطيني، والتي يُحتمل حدوثها في المستقبل القريب، إلى فراغ قيادي يُفضي إلى فوضى عارمة. ورغم أن أبو مازن قد مهّد الطريق لعملية انتقال السلطة إلى حسين الشيخ، إلا أن الشيخ لا يملك الأدوات الكافية لضمان دعم جميع القوى المؤثرة داخل حركة فتح، فضلاً عن خارجها. ولذلك، لا يوجد وريث واضح، ويخوض المرشحون المختلفون صراعاً داخلياً. قد يُفضي هذا الوضع إلى انقسام السلطة الفلسطينية، ونشوب صراعات داخلية، ومحاولات من قِبل فصائل مختلفة لترسيخ نفوذها، بما في ذلك عبر شنّ هجمات إرهابية ضد إسرائيل. يجب على إسرائيل أن تكون مستعدة لهذا السيناريو وأن تُخطط لردّها مُسبقاً. يشمل هذا التخطيط الاستعداد للرد على أنشطة السلطة الفلسطينية المدنية، ووضع خطط للسيطرة العسكرية المؤقتة في المناطق التي ينهار فيها النظام، والتخطيط لاحتمالية ازدياد نزوح الفلسطينيين الراغبين في مغادرة المنطقة.

في حال انهيار السلطة الفلسطينية، حتى في بعض المدن، قد تُضطر إسرائيل للعودة إلى الحكم العسكري في مناطق معينة من الضفة الغربية. هذا سيناريو غير مرغوب فيه سياسياً واقتصادياً، لكن على إسرائيل أن تكون مستعدة له عند الضرورة. يجب أن يشمل التخطيط لهذا السيناريو الاستعداد لتوفير الخدمات الأساسية استناداً إلى الأنظمة القائمة التي يديرها فنيون فلسطينيون، والحفاظ على النظام العام. ينبغي أن تكون الإدارة العسكرية المؤقتة محدودة المدة وأن تضم أكبر قدر ممكن من العنصر المدني. الهدف هو منع الفوضى والسماح بإعادة تنظيم قيادة فلسطينية مسؤولة، مع ضمان مصالح إسرائيل الأمنية.

أخيراً، ينبغي دراسة بديل الإمارات. أحد البدائل للسلطة الفلسطينية المركزية هو تطوير نموذج الإمارات المحلية أو الحكم الذاتي المحلي في مختلف المناطق. يقوم هذا النموذج على قيادة محلية غير ملتزمة بالأيديولوجية الوطنية الفلسطينية، وتهتم أكثر بالتنمية الاقتصادية وجودة حياة السكان. تُظهر التجارب في العراق وغيرها أن الحكم المحلي قد يكون أحياناً أكثر استقراراً من الحكومة المركزية. بطبيعة الحال، يتطلب هذا النموذج تحديد وتدريب قيادات محلية مناسبة، وإنشاء أطر اقتصادية وقانونية. وهنا أيضًا، توجد قاعدة معرفية واسعة بالعائلات النافذة في كل مدينة، ومن الممكن العمل على هذا البديل والترويج له اليوم.

 التحديات والقيود

يواجه تطبيق مفهوم الأمن المقترح مجموعة معقدة ومتكاملة من التحديات، بعضها تقني ولوجستي، وبعضها سياسي ودبلوماسي، وبعضها داخلي واجتماعي. ولا تقتصر هذه التحديات على كونها عقبات تكتيكية فحسب، بل تعكس التوتر الكامن بين المتطلبات الأمنية والتداعيات طويلة الأجل على إسرائيل.

 الموارد المطلوبة

يتطلب الحفاظ على سيطرة عملياتية مستمرة واستباقية في جميع أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك العمليات الجارية في مخيمات اللاجئين، ومكافحة البناء غير القانوني، وتعزيز نظام الحدود مع الأردن، تخصيصًا كبيرًا للقوات على مدى فترة زمنية. في عام 2025، ووفقًا لبيانات الجيش الإسرائيلي، انخفضت الحوادث الإرهابية الفلسطينية في الضفة الغربية بنحو 80 في المئة. ويعود ذلك إلى النشاط المكثف للجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)، إلا أن هذا جاء على حساب عشرات العمليات على مستوى الألوية، وآلاف من جنود الاحتياط، وموارد كبيرة. ويتفاقم التحدي عندما يُطلب من إسرائيل الحفاظ على جاهزية عالية في قطاعات أخرى أيضًا (لبنان، سوريا، غزة، إيران). إضافةً إلى ذلك، يتطلب الإنفاذ الفعال في المنطقة (ج) زيادة في النشاط الإداري المدني (المفتشين، والمهندسين، وضباط الشرطة)، وهو مجال يعاني فيه النظام الإسرائيلي من نقص مستمر في الكوادر المؤهلة.

 النظام الدولي

تُثير العمليات العسكرية واسعة النطاق، وهدم المباني، وإنشاء مناطق عازلة أمنية، أو توسيع نطاق إنفاذ القانون في المنطقة (ج)، انتقادات حادة بشكل منتظم من أعضاء الاتحاد الأوروبي، وبعض الدول الغربية، ومنظمات الأمم المتحدة. وقد كان الاتحاد الأوروبي في طليعة الدول التي أدانت “التوسع الاستيطاني” واتهمت إسرائيل بـ “المخاطرة بالاستقرار الإقليمي”، بما في ذلك الدعوات إلى فرض عقوبات وتعليق الاتفاقيات التجارية (على الرغم من رفض هذه المقترحات حتى الآن). وقد أصدرت دول مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وغيرها بيانات مشتركة ضد الموافقة على مستوطنات جديدة (مثل المستوطنات التسع عشرة التي تمت الموافقة عليها في كانون الأول 2025). ولا يقتصر الخطر على الجانب الدبلوماسي فحسب، بل قد يشمل رفع دعاوى قضائية أمام محكمة لاهاي، وتكثيف مقاطعة إسرائيل، أو حتى اتخاذ تدابير اقتصادية مثل وضع علامات على المنتجات القادمة من المستوطنات أو تقييد التعاون في مجال البحث والتكنولوجيا. ومع ذلك، تُظهر التجارب السابقة أن المجتمع الدولي يميل إلى التأقلم مع الحقائق على أرض الواقع عندما تكون مصحوبة بدفاع مستمر ومبررات أمنية قوية، لا سيما في ظل الانخفاض الكبير في الهجمات الإرهابية نتيجة للسيطرة الإسرائيلية الحازمة.

 صعوبة داخلية إسرائيلية

يتطلب تطبيق المفهوم الأمني ​​المقترح في الضفة الغربية، والذي يشمل السيطرة العملياتية المستمرة، والتطبيق الحازم للقوانين ضد البناء غير القانوني، وهدم المباني لأغراض الردع، وإنشاء مناطق عازلة، والضغط الاقتصادي على البنى التحتية للإرهاب، تعاونًا وثيقًا ومستمرًا ومنسقًا بين عدة جهات مركزية: المؤسسة الأمنية (وزارة الدفاع، جيش الدفاع الإسرائيلي، القيادة المركزية، جهاز الأمن العام، الإدارة المدنية، الشرطة الإسرائيلية)، والسلطات المدنية (الكنيست، سلطات التخطيط، وسلطات الضرائب)، والنظام القضائي (مكتب المدعي العسكري، المستشار القانوني للحكومة، المحكمة العليا، والمحاكم العسكرية). ويؤدي غياب التنسيق أو التأخير بين هذه الجهات إلى خلق “ثغرات عملياتية” تستغلها السلطة الفلسطينية، والمنظمات غير الحكومية الممولة من النظام الدولي والتابعة لها، والمنظمات الفلسطينية الإرهابية، بسرعة ومهارة.

تُعدّ سياسة هدم المنازل، على سبيل المثال، رادعًا رئيسيًا، لكنها عمليًا غالبًا ما تتعثر بسبب الالتماسات المقدمة إلى المحكمة العليا عندما تتأخر أوامر الهدم بأوامر مؤقتة، حتى في حالات الهجمات الخطيرة. والنتيجة: ضعف كبير في أثر الردع، إذ يعلم الإرهابي ومن معه أن العملية قد تستغرق شهورًا، بل سنوات أحيانًا، مما يقلل من التكلفة الشخصية المباشرة لتنفيذ الهجوم، ويضعف الصلة بين الفعل والعقاب.

وتعمل الإدارة المدنية، المسؤولة عن الإنفاذ المدني في المنطقة (ج) (البناء غير القانوني، محارق النفايات، الاستيلاء على الأراضي)، تحت عبء إثبات كبير، وتحت إشراف قانوني دقيق ومتحيز. وينتج عن ذلك أحيانًا وضعٌ تواجه فيه الإجراءات العسكرية الفورية (مثل إغلاق منطقة أو الهدم التكتيكي) مقاومة أو تأخيرًا من الجهات المدنية والقانونية.

وختامًا، تكمن الصعوبة الداخلية الإسرائيلية في غياب التنسيق الهيكلي والقانوني بين الأنظمة العاملة وفق منطقين مختلفين. لا يتطلب تصحيح الوضع قرارات تشغيلية فحسب، بل يتطلب أيضاً إصلاحاً مؤسسياً يُمكّن من استجابة سريعة ومنسقة وحاسمة. وبدون هذه الخطوات، قد تبقى حتى أفضل خطة أمنية حبراً على ورق أو تُنفذ بنصف طاقتها.

 ملخص

يتطلب الواقع الأمني ​​في الضفة الغربية نهجًا استراتيجيًا شاملًا يتصدى للتهديدات الراهنة ويستعد للتحديات المستقبلية. فالسلطة الفلسطينية، في وضعها الحالي، تُشكل عبئًا أمنيًا أكثر منها مكسبًا، ويتعين على دولة إسرائيل الاستعداد لسيناريوهات مختلفة لانهيارها بعد استقالة أبو مازن، بما في ذلك إمكانية استبدالها بنموذج آخر، كالنموذج الإماراتي.

يرتكز النهج المُقترح على مبادئ السيطرة العملياتية الكاملة على أرض الواقع، والسيطرة على الموارد الاقتصادية المُوجهة للإرهاب، وبناء قوة ردع فعّالة ضد الأعمال العدائية. وفي الوقت نفسه، من الضروري الاستعداد للسيناريوهات المستقبلية ووضع بدائل للوضع الراهن.

يعتمد نجاح هذا النهج على تصميم التنفيذ، وتخصيص الموارد اللازمة، والعمل انطلاقًا من رؤية طويلة الأمد بدلًا من الرغبة في تحقيق السلام على المدى القصير. يجب على إسرائيل أن تتصرف انطلاقًا من مصالحها الأمنية، لا بدافع الخوف أو الضغوط الخارجية، مع التمسك بالأهداف الأوسع للسلام من خلال القوة، وبناء واقع أمني أفضل على المدى البعيد.

لا يصب الوقت في مصلحة إسرائيل إلا بقدر ما تتخذ إجراءات حاسمة وتبادر بالتحرك. فالتأخير والتردد قد يؤديان إلى تفاقم الوضع وظهور تهديدات جديدة أكثر خطورة. لقد شارفت حقبة عباس على الانتهاء، ويجب على إسرائيل أن تكون مستعدة لاغتنام الفرص الجديدة ومواجهة التحديات التي ستواجهها في المستقبل.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى