أقلام وأراء

د. غانية ملحيس: من الحقل الفكري إلى الحامل الاجتماعي: حين يطلب المعنى جسدا (الجزء الثامن)

د. غانية ملحيس 19-2-2026: من الحقل الفكري إلى الحامل الاجتماعي: حين يطلب المعنى جسدا (الجزء الثامن)

السؤال الذي انتهى به الجزء السابع “ماذا عرفنا؟”، وماذا يفعل بنا ما عرفناه؟ حفز خالد عطية على كتابة مقاله المهم “ما بعد الانكشاف: حين يصبح الفكر نفسه ساحة الصراع: قراءة في الجزء السابع “. في قراءته النقدية يأخذ خالد على الجزء السابع الاكتفاء بتعريف السياسة بما ترفضه أكثر مما تنجزه، وإبقاء السؤال مفتوحا. وفي الآن ذاته يحذر من خطر تحميل الفكر ما لا يحتمله، متناولا ما طرحه نائل التونسي الذي علق، أيضا، على الجزء السابع بالمطالبة بالانتقال من الكشف والفهم إلى أفق الفعل، عبر إعادة بناء المشروع الوطني، وربط الوعي بالتنظيم، والمعرفة بالقدرة.

ومع التأكيد على أهمية طرح نائل، أجدني أتفق مع خالد حول خطورة تحميل الحقل الفكري مسؤولية الحامل للمشروع الوطني، ومطالبته بدور سياسي، لا قبل له به، حيث الحامل الاجتماعي والسياسي هو المناط به إنتاج السياسة.

قد يكون السؤال الأهم بعد الكشف والفهم: كيف نحافظ على استقلالية الفكر والمعنى السياسي في عالم يُدار وفق شروط الإدارة والسيطرة؟

وهو ما يحاول الجزء الثامن مناقشته: بضرورة تحول التركيز من حماية الفكر إلى بناء القدرة، ومن التداول النقدي إلى الحامل الاجتماعي والسياسي الذي يمنح المعنى جسدا.

أولا: من مسؤولية الفكر إلى القدرة على الفعل

أكد الجزء السابع أن الفكر مسؤول عن إنتاج المعنى، وأن مهمة الحقل الفكري حماية المعنى من الانغلاق والتحييد، لكنه لم يمنحه القدرة على التطبيق.

هنا يظهر مأزق مركزي: المعرفة وحدها لا تنتج الفعل. فكما أشار خالد عطية، تحميل الفكر وظيفة سياسية مباشرة ينزع استقلاليته، وقد يعرضه للاستهلاك ضمن منطق الإدارة.

في المقابل، فإن نائل التونسي محق في القول بأن المطلوب هو تحويل الوعي إلى طاقة تراكمية قادرة على تجاوز بنية السيطرة تدريجيا.

الانتقال إذن واضح: من حماية الفكر عبر النقد والتداول الجماعي، لتنمية الوعي الجمعي، إلى تحويله إلى قدرة عملية وفعل سياسي مؤثر، دون أن يفقد توتره النقدي أو استقلاليته، بل انتقاله عبر شبكة من الحوامل الاجتماعية والسياسية التي تمنح المعنى إمكانية التجسد.

ثانيا: الحقل الفكري كمرحلة تمهيدية

الحقل الفكري ليس مشروعا سياسيا، ولا يهدف إلى إنتاج سياسة مباشرة، بل توفير فضاء للحفاظ على استقلالية التفكير، وتجريب المعنى، ومنع تحويله إلى إدارة. هذه الوظيفة أساسية، لكنها مرحلة انتقالية فقط، إذ لا تمنح المعنى القدرة على الفعل المباشر.

ينطلق الجزء الثامن أساسا من أن الحقل الفكري يؤسس لإمكانية تبلور الحامل الاجتماعي والسياسي، لكنه لا يغني عنه. فبدون دخول الفكر فضاء التداول النقدي وتحويل المعنى إلى بنية اجتماعية وسياسية فاعلة، يظل الفكر محصورا في الاختبار والمساءلة، بلا أثر ميداني ملموس.

ثالثا: تعريف الحامل الاجتماعي والسياسي

الحامل هو الفضاء أو الشبكة التي يكتسب فيها المعنى جسده. هو بنية اجتماعية وسياسية قادرة على:

• تحويل الفكر والمعرفة إلى فعل ملموس، وإنتاج تمثيل حقيقي قادر على اتخاذ القرار السياسي من الداخل.

• ربط الفكر بالمجتمع، والسياسة بالقدرة العملية. هناك فارق جوهري بين الحامل الاجتماعي وبين الحقل الفكري: بينما يحمي الحقل الفكري استقلالية التفكير، الحامل يمنح المعنى قوة تجسيدية وفاعلية ملموسة. غير أن هذا التعريف لا يكفي لفهمه، لأن الحوامل لا تُصنع نظريا، بل تتكوّن تاريخيا داخل لحظات توتر طويلة بين المجتمع والسلطة والمعنى. فالحامل لا يظهر عندما تكتمل الفكرة، بل عندما تعجز البنى القائمة عن استيعاب التحولات التي ينتجها الوعي الجديد. عندها يبدأ المجتمع نفسه في البحث عن أشكال تنظيم وتمثيل بديلة، تتشكل تدريجيا عبر التجربة والخطأ، لا عبر التصميم المسبق.

تاريخيا، لم تنشأ الحوامل السياسية الكبرى بوصفها مشاريع جاهزة، بل كاستجابة تراكمية لأزمات تمثيل عميقة: حين تفقد المؤسسات القائمة قدرتها على التعبير عن المجتمع، وحين يتحول المعنى المشترك إلى قوة تبحث عن إطار قادر على حمله. بهذا المعنى، الحامل ليس قرارا تنظيميا، بل نتيجة مسار اجتماعي طويل تتقاطع فيه الخبرة اليومية، والوعي السياسي، وإعادة تعريف الممكن. لكن السؤال المركزي يظل: متى نعرف أن الحامل قد بدأ فعلا؟

يمكن تحديد ظهوره من خلال مؤشرات عملية:

عندما يبدأ المجتمع في إنتاج تمثيل ذاتي خارج الأطر القائمة، ويصدر قرارات نابعة من الداخل، ويتشكل خطاب مشترك حول الفعل الممكن، وتظهر شبكات تراكمية للتعلم والتطبيق. الأهم أن يحافظ الحامل على استقلالية الفكر داخله، ويتيح استمرار النقد والمساءلة، دون الانغلاق في هيكل ثابت أو وظيفة مفوضة من الخارج. بهذا المعنى، الحامل ليس مجرد إطار تنظيمي، بل اختبار حي للتفاعل المستمر بين الفكر والمجتمع، حيث تُترجم الأفكار إلى ممارسة، ويختبر المجتمع قدرتها على الاستيعاب والتطبيق.

رابعا: من إدراك البنية إلى بناء القدرة

الانتقال من الفكر إلى الحامل يتطلب:

1. تحويل المعرفة إلى طاقة تنظيمية تراكمية، كما يرى نائل التونسي، بحيث لا تندمج ضمن الإدارة، بل تتراكم لتوليد قدرة فعلية.

2. بناء حامل اجتماعي قادر على التمثيل الذاتي، لا مجرد التمثيل الرمزي، مع أدوات لإنتاج القرار وفرض كلفة على منطق الحفاظ على الوضع القائم.

3. تثبيت استقلالية الفكر في العملية السياسية، كما يحذر خالد عطية، منعا لتحوله إلى أداة تعبئة أو شرعنة.

هذه البنية تتجاوز اللحظة الانفعالية، وتحوّل كل معرفة جديدة إلى إضافة عملية مستمرة للمشروع الوطني والسياسي.

غير أن كل حامل يحمل داخله إمكانية فشله منذ لحظة نشأته. فحين يتحول إلى بنية مغلقة، أو يحتكر التمثيل، أو ينفصل عن المجتمع الذي نشأ منه، يبدأ تدريجيا في إعادة إنتاج منطق الإدارة الذي وُجد أصلا لمقاومته. الفشل هنا لا يأتي من القمع الخارجي وحده، بل من فقدان التوتر النقدي الداخلي، حين يصبح الحفاظ على البنية أهم من الحفاظ على المعنى، كما حل بمنظمة التحرير الفلسطينية، والنظام الفصائلي الفلسطيني.

لذلك، لا يُقاس نجاح الحامل بقدرته على الاستقرار فقط، بل بقدرته على البقاء مفتوحا للنقد وإعادة التشكّل. الحامل الذي يتوقف عن مساءلة نفسه يتحول سريعا من أداة لإنتاج السياسة إلى جهاز لإدارتها

خامسا: الانتقال من الحقل إلى الحامل

ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحا: هل يمكن لأي حامل أن ينجو نهائيا من خطر التحول إلى إدارة جديدة؟

إن بناء الحامل لا يعني نهاية المأزق الذي كشفه الجزء السابع، بل دخوله مرحلة أكثر تعقيدا، حيث يصبح التحدي ليس فقط إنتاج القدرة، بل منع القدرة نفسها من التحول إلى بنية احتواء جديدة. هنا لا ينتهي دور الحقل الفكري، بل يستمر بوصفه قوة يقظة دائمة ترافق الحامل وتعيد مساءلته باستمرار.

الجزء الثامن ينتقل بنا من الحفاظ على استقلالية الفكر النقدي، إلى تجسيده في الحقل الفكري، ثم إلى تحويل المعنى إلى جسد قادر على الفعل والقرار المستقل.

الحامل الاجتماعي والسياسي لا يستدعي التخلي عن التجريد أو التحليل النقدي، لكنه يمنح الفكر قدرة على الفعل، واستدامة للمعنى، وإمكانية إعادة فتح السياسة من الداخل.

سادسا: امتحان القدرة

إن الانتقال من العمل الفكري إلى الحقل الفكري، ومنه إلى الحامل الاجتماعي والسياسي، لا يمثل قفزة تنظيمية، بقدر ما هو تحول في شروط الفعل ذاته. فالمعنى الذي حُمي في فضاء النقد لا يكتمل إلا حين يجد جسده الاجتماعي، دون أن يفقد توتره أو استقلاله.

فالتحدي لم يعد إنتاج المعنى، بل ضمان ألّا تتحول القدرة المتولدة عنه، كما سبقت الإشارة، إلى بنية احتواء جديدة. هنا يستمر دور الحقل الفكري بوصفه يقظة دائمة داخل الحامل، لا خارجه، يحفظ المسافة النقدية التي تمنع الانغلاق.

بهذا المعنى، لا يُقاس نجاح الحامل بقدرته على الاستقرار، بل بقدرته على البقاء مفتوحا للمساءلة وإعادة التشكل. فالسياسة لا تُستعاد بمجرد بناء إطار تمثيلي، بل حين يصبح المجتمع قادرا على تحويل وعيه المتراكم إلى فعل مستمر، يتجدد دون أن يتصلّب.

من هنا تبدأ المرحلة التالية: اختبار قدرة المعنى على أن يتحول إلى قوة اجتماعية متراكمة، لا تُدار من الخارج ولا تُختزل في بنية مغلقة، بل تظل قابلة للمساءلة والنقد وإعادة الفتح كلما بدا أن التاريخ قد أُغلق.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى