منوعات

محمد قاروط أبو رحمه: البساطة صفة الحكماء

محمد قاروط أبو رحمه 16-2-2026: البساطة صفة الحكماء

(الملخص: البساطة ليست ضعفًا ولا سذاجة، بل هي خلاصة وعيٍ وتجربة. إنها اختيار ناضج بعد فهم التعقيد، وقرار واعٍ بالتمسك بالوضوح والصدق في عالم يميل إلى الأقنعة والمبالغة. لذلك كانت البساطة دائمًا سمة الحكماء.)

مقدمة

في زمنٍ تتكاثر فيه التفاصيل وتتشابك المصالح، ويعلو فيه صوت المظاهر على جوهر المعاني، تصبح البساطة موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون سلوكًا. فليست كل بساطة سطحًا، ولا كل تعقيد عمقًا. أحيانًا يكون العمق الحقيقي هو القدرة على الاختزال، ورؤية الأمور كما هي دون تزويق أو تهويل.

ليست البساطة سذاجة، ولا قلة حيلة كما يظن البعض، بل هي حالة نضجٍ يصل إليها الإنسان بعد رحلة طويلة مع التعقيد.

فالإنسان البسيط لا يكون بسيطًا لأنه لم يعرف تشابكات الحياة، بل لأنه عرفها جيدًا ثم اختار الوضوح بدل الالتفاف، والصدق بدل الزيف، والهدوء بدل الضجيج.

البساطة تحتاج إلى عمق:

إلى عقلٍ قرأ وتأمل، وقلبٍ جرّب وتألم، وروحٍ أدركت أن الحياة أقصر من أن تُعاش بالأقنعة.

هي ثمرة ثقافة وتجربة، وفهمٍ دقيق لتفاصيل النفس البشرية؛ فهمٌ يجعل الإنسان يرى ما وراء الكلمات، ويستوعب تناقضات البشر دون أن يتورط فيها.

ومن أصعب ما يواجهه الإنسان البسيط أنه قد لا يُفهم.

فالناس اعتادوا التعقيد، وألفوا الحسابات الخفية، حتى أصبح الوضوح يربكهم.

حين يتكلم بصدق يظنونه ساذجًا،

وحين يتصرف بعفوية يفتشون خلف كلماته عن نية خفية؛ لأنهم لم يعتادوا النقاء.

في عالمٍ امتلأ بالمبالغة تبدو البساطة غريبة،

وفي زمنٍ كثرت فيه الأقنعة يصبح الوجه الحقيقي استثناءً.

لكن الحقيقة أن البساطة ليست ضعفًا، بل قوة هادئة.

هي القدرة على أن تكون كما أنت، دون استعراض أو ادعاء؛

أن تقول ما تعني، وتفعل ما تقول، وتنام وقلبك خفيف.

البساطة صفة الحكماء؛

لأن الحكيم لا يُغريه التعقيد، ولا يحتاج إلى الزخرفة ليُثبت عمقه.

هو يعرف أن أعظم الأشياء في الحياة كانت؛ وستبقى؛ بسيطة:

الكلمة الصادقة، النية الطيبة، النظرة النقية، والقلب الذي لا يحمل إلا صفاءه.

غير أن البساطة تُختبر في لحظةٍ دقيقة: لحظة المديح.

فمديح الآخرين قد يتحول إلى غرورٍ خفي، يتسلل إلى النفس بهدوء فيُثقلها بعد أن كانت خفيفة.

الإنسان البسيط لا يرفض التقدير، لكنه لا يتغذّى عليه، ولا يجعل قيمته رهينة تصفيق الآخرين.

يدرك أن الثناء قد يرفع الصوت، لكنه لا يرفع المقام إن لم يسنده عملٌ صادق.

ولذلك يبقى ثابتًا؛ لا يُغريه الإطراء، ولا يُبدّل بساطته مقابل إعجاب عابر.

فالحكمة الحقيقية أن تعرف قيمتك دون أن تحتاج إلى تضخيمها، وأن تقبل المديح دون أن تسكنه.

ومن علامات البساطة الحقيقية القدرة على تقبّل النقد.

فالإنسان البسيط لا يرى في الملاحظة تهديدًا لكرامته، ولا في التصويب انتقاصًا من قيمته.

يدرك أن الكمال لله وحده، وأن النمو لا يتحقق إلا بالمراجعة والتصحيح.

ولذلك يصغي أكثر مما يدافع، ويتأمل بدل أن يبرر، ويفرق بين النقد البنّاء الذي يطوّر، والكلمة الجارحة التي لا تستحق أن تُسكن القلب.

 

فاللوم يُعقّد العلاقات،

والمقارنة تُعقّد النفس،

أما البساطة فتُحرر الإنسان من الاثنين معًا.

خاتمة

تبقى البساطة فضيلة نادرة في زمنٍ يزداد ازدحامًا بالمظاهر. وهي ليست انسحابًا من الحياة، بل حضورٌ صافٍ فيها. ومن استطاع أن يحافظ على بساطته وسط كل هذا التعقيد، فقد امتلك حكمةً لا تُدرَّس، بل تُكتسب… وتُعاش.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى