ترجمات أجنبية

فريدرش ميرتس: كيف نتجنب كوارث صراع القوى الكبرى، ألمانيا تدرك ثمن عالم تحكمه القوة

فورين أفيرز 13-2-2026، فريدرش ميرتس: كيف نتجنب كوارث صراع القوى الكبرى، ألمانيا تدرك ثمن عالم تحكمه القوة

أنهت أوروبا، على حد التعبير الذي استخدمه أخيراً الفيلسوف الألماني بيتر شلوتردايك، “عطلتها الطويلة من التاريخ”. فقد دخلنا الآن في مرحلة زمنية أكثر قتامة، تتسم مجدداً باستعراضات القوة وسياسات القوى الكبرى. أما ادعاء الولايات المتحدة بأنها قائدة العالم، فبات عرضة للتحدي، وربما حتى بددته بنفسها. كما أن النظام الدولي الذي بني على أساس الحقوق والقواعد، على رغم ما شابه من عيوب حتى في أفضل أيامه، لم يعُد قائماً.

إن نزعة المراجعة العنيفة التي أظهرتها روسيا للنظام العالمي القائم من خلال حربها الوحشية ضد أوكرانيا، تمثل أبرز ملامح هذا العصر الجديد. وتسعى الصين، هي الأخرى، إلى ترسيخ مكانتها كقوة عظمى، ودأبت بصبر استراتيجي على بناء أسس نفوذها في الشؤون الدولية على مدى عقود. وهي تعمل بصورة منهجية على تنمية علاقات ترسخ تبعيات الآخرين، وتعيد تفسير النظام الدولي. وفي المستقبل المنظور، قد تصل قدراتها العسكرية إلى مستوى يماثل القوة العسكرية للولايات المتحدة. وإذا كانت هناك فترة هيمنت فيها الأحادية القطبية على العالم بعد سقوط جدار برلين، فإن تلك المرحلة أصبحت اليوم جزءاً من ماضٍ انقضى منذ زمن.

لا يمكن حصر تفسير العودة لاعتماد سياسات القوة بمجرد التنافس بين القوى الكبرى في العالم. فالدينامية الجديدة تعكس أيضاً حال الاضطرابات والقلق داخل المجتمعات التي تدفع فيها التقنيات الجديدة قدماً نحو تغييرات ثورية. ومع بلوغ الدول الديمقراطية حدود قدرتها على المبادرة والتحرك، يتزايد توق الناس فيها إلى قيادة قوية. ويبدو أن سياسات القوى العظمى تقدم إجابات مباشرة وبسيطة عن هذه المشكلات – أقله بالنسبة إلى تلك القوى الكبرى، وفي الأقل في المدى الزمني القصير.

وهذه السياسات تتميز بأنها سريعة وقاسية وغير متوقعة. كما أنها ذات محصلة صفرية. فهي لا تقوم على الاعتقاد بأن زيادة الترابط بين الدول يمكن أن تؤدي إلى إنتاج نظام سلمي وقانوني يعود بالنفع على الجميع، بل تستغل تبعيات الآخرين، وتستفيد منهم متى دعت الحاجة. وهكذا تتحول المواد الخام والتقنيات وسلاسل التوريد إلى أدوات قوة.

ما نشهده في العالم اليوم هو صراع على دوائر النفوذ وعلاقات الاعتماد والتبعية والولاءات. فالولايات المتحدة التي تدرك أن عليها اللحاق بركب الصين ومقارعتها، تتكيف مع هذه الدينامية الجديدة بسرعة كبيرة. وتذهب العاصمة الأميركية في السياسات التي تضعها – ولا سيما منها استراتيجية الأمن القومي – إلى استخلاص استنتاجات جذرية، وتقوم بذلك بطريقة تسرّع هذه اللعبة الخطرة بدلاً من كبحها.

وتستعد ألمانيا بدورها لهذا العصر الحديث. وتتمثل مهمتنا الأولى في الاعتراف بالواقع الجديد، لكن هذا لا يعني قبولنا به كقدر محتوم. فنحن لسنا تحت رحمة هذا العالم ولا رهينة له، بل نحن قادرون على تشكيله. كذلك في استطاعتنا حماية مصالحنا وقيمنا – وسنحرص على ذلك – إذا ما تصرفنا بحزم، وبوحدة على المستوى الأوروبي، وبثقة راسخة بقوتنا الذاتية، وبمتانة العلاقة العابرة للأطلسي.

الغايات والوسائل

تسعى السياسة الخارجية والأمنية الألمانية إلى تحقيق ثلاثة أهداف: الحرية والأمن والقوة. وتأتي حريتنا في المقام الأول. ويخدم أمننا حمايتها، بينما تساعد قوتنا الاقتصادية في ازدهارها. ويفرض دستور ألمانيا وتاريخها وجغرافيتها أن تكون سياستها راسخة في أوروبا موحدة. وهذه الحقيقة اليوم أكثر أهمية لنا من أي وقت مضى.

خلال العقود الأخيرة، اعتمدت ألمانيا على قوتها المستمدة من القيم والمعايير للتنديد بما يُرتكب من انتهاكات للنظام الدولي حول العالم. وكانت – في مواجهة هذه الانتهاكات، تحذر وتعرب عن القلق وتوجه اللوم – وقد فعلت ذلك بنيّات حسنة. لكنها غفلت عن أنها كثيراً ما كانت تفتقر إلى الوسائل الكفيلة بتغيير الواقع. واتسعت الفجوة بين طموحات ألمانيا وقدراتها على نحو مفرط. وقد حان الوقت لإغلاقها، وللتكيف مع مقتضيات الواقع.

يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لروسيا نحو 2.5 تريليون دولار، في حين يبلغ نظيره في الاتحاد الأوروبي ما يقارب 10 أضعاف ذلك. ومع ذلك، فإن أوروبا اليوم ليست أقوى من روسيا بـ10 أضعاف. ولكي نفعّل إمكاناتنا الهائلة العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، علينا أولاً أن نحدث تحولاً في ذهنيتنا. يجب أن ندرك أن حريتنا، في عصر سياسات القوى الكبرى، لم تعُد أمراً مفروغاً منه. والحفاظ عليها يتطلب عزيمة، وأن نكون مستعدين للتغيير والعمل الشاق، بل حتى للتضحية.

لأسباب تاريخية، لا يتعامل الألمان بخفة مع ممارسة سلطة الدولة. فمنذ عام 1945، ارتكز تفكيرنا على احتواء القوة لا على تعظيمها. لكن اليوم يتعين علينا تحديث هذا المنظور. فمع إقرارنا بأن الإفراط في سلطة الدولة قد يقوّض أسس حريتنا، علينا أيضاً أن نقر بأن الافتقار إليها يمكن أن يؤدي إلى النتيجة ذاتها، وإن بطريقة مختلفة. وكما قال رادوسلاف سيكورسكي، وزير خارجية بولندا، قبل 15 عاماً: “أخشى تقاعس ألمانيا أكثر من قوتها”. إن الاستجابة لهذا النداء للعمل جزء من مسؤولية ألمانيا، وهي مسؤولية تقبلها.

في عصر القوى الكبرى، لا تستطيع ألمانيا الاكتفاء بردّ الفعل على كل خطوة تتخذها قوة عظمى. ولا يمكنها أن تمارس سياسات القوة داخل أوروبا. إنها بحاجة إلى قيادة عبر الشراكة، لا إلى أوهام الهيمنة. وأفضل سبيل للدفاع عن حريتنا هو العمل مع جيراننا وحلفائنا وشركائنا، بالاستناد إلى قوتنا وسيادتنا وقدرتنا على التضامن. ومن موقعها الراسخ في أوروبا، يتعين على ألمانيا أن ترسم مسارها وتحدد جدول أعمالها للحرية. وعلى رغم أن بعض ملامح هذا الجدول لا تزال قيد التشكل، فإنه يقوم على واقعية مبدئية، وقد بدأ تنفيذه بالفعل.

برنامج من أجل الحرية

نقوم أولاً بتعزيز قدراتنا العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وبتقليص تبعياتنا. وتتمثل أولويتنا القصوى في تقوية الركيزة الأوروبية داخل حلف شمال الأطلسي. فخلال القمة التي عقدها الحلف في لاهاي في يونيو (حزيران) عام 2025، التزمت جميع الدول الأعضاء استثمار خمسة في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي في مجال الأمن. وعدّلت ألمانيا دستورها لتمكين ذلك، وستنفق وحدها مئات مليارات اليوروهات على الدفاع خلال الأعوام المقبلة.

وبالتعاون مع أوروبا، دعمت ألمانيا أوكرانيا دبلوماسياً ومالياً وعسكرياً في مقاومتها الشجاعة للإمبريالية الروسية. وخلال ذلك، ألحقنا بموسكو خسائر وكُلفاً غير مسبوقة. فعام 2025، قدم الحلفاء الأوروبيون في “الناتو” وكندا نحو 40 مليار دولار من المساعدات الأمنية إلى أوكرانيا، بعدما خفضت الولايات المتحدة مساهمتها بصورة كبيرة. وكانت ألمانيا، بفارق واسع، أكبر المانحين عام 2025، وزادت دعمها أكثر عام 2026. وإذا وافقت روسيا في نهاية المطاف على السلام، فستكون القيادة الألمانية والأوروبية في هذا المجال عاملاً حاسماً. وهذا تعبير عن تأكيد أوروبا لذاتها.

وتعمل ألمانيا، من جانبها، على إعادة إحياء صناعاتها الدفاعية. فقد أطلقت مشاريع ضخمة لاقتناء قدرات تقليدية في مجالات الدفاع الجوي، وقدرات توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى، وتقنيات الأقمار الاصطناعية. ومصانع جديدة تُفتتح، ووظائف جديدة تستحدث، وتقنيات جديدة تبرز. كذلك يجري إصلاح نظام الخدمة العسكرية، وسنجعل الجيش الألماني أقوى جيش تقليدي في أوروبا، قادراً على الصمود عند الضرورة. ونعزز كذلك الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، من خلال نشر لواء في ليتوانيا جاهز لردع العدوان الروسي، وسنقوم بمزيد من الجهود لتأمين أقصى الشمال القطبي.

وفي الوقت نفسه، تعمل ألمانيا على جعل اقتصادها ومجتمعها أكثر صلابة. فنحن ندخل قوانين جديدة لتعزيز شبكاتنا وبنيتنا التحتية الحيوية في مواجهة الهجمات الهجينة. ونبني سلاسل إمداد تقلل الاعتماد الأحادي على المواد الخام والمنتجات والتقنيات الأساسية. وفي هذا العالم الجديد، لن نكون آمنين إلا إذا كنا قادرين على المنافسة، ولذلك ندفع أيضاً عجلة التقدم في تقنيات المستقبل، بما فيها الذكاء الاصطناعي. ونحمي نظامنا الديمقراطي من أعدائه الداخليين والخارجيين، من خلال جملة من الإجراءات، في مقدمتها تعزيز جهاز الاستخبارات الاتحادي.

عمل جماعي قاري

وتنكب ألمانيا أيضاً على تعزيز مكانة أوروبا. فتوحيد السيادة الأوروبية وتقويتها يشكلان الاستجابة الفضلى من جانبنا لهذا العصر الجديد، وأسمى واجباتنا اليوم. وكي نتمكن من تحقيق ذلك، يجب أن نركز على الجوهر المتمثل في الحفاظ على الحرية الأوروبية وزيادتها وتعزيز الأمن وتقوية القدرة التنافسية.

في هذا الإطار، يجب علينا الحد من انتشار البيروقراطية واللوائح التنظيمية المفرطة في أوروبا. فالمعايير الأوروبية يفترض ألا تشل قدرتنا على المنافسة العالمية، بل يتعين أن تحفز الابتكار وريادة الأعمال وتشجع الاستثمار وتكافئ الإبداع. ويجب على دول القارة ألا تنسحب وتنكفئ تجنباً للأخطار، بل أن تفتح نفسها على الفرص الجديدة.

ويجب أن تصبح أوروبا أيضاً لاعباً سياسياً عالمياً بسياسة أمنية خاصة بها. فالمادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي تنص على التزام الدول الأعضاء مساعدة بعضها بعضاً في حال تعرض أيٍّ منها لهجوم مسلح. وعلينا الآن أن نوضح كيف يمكن تنظيم ذلك على مستوى الاتحاد الأوروبي، لا كبديل عن حلف شمال الأطلسي، بل كركيزة قوية مكتفية ذاتياً داخل التحالف.

وفي إطار هذا المسعى، دخلنا في محادثات سرية مع فرنسا في شأن الردع النووي ضمن أوروبا. وبوصلتنا هنا واضحة: هذا الجهد مدمج تماماً ضمن أطر المشاركة النووية في “الناتو”؛ وستواصل ألمانيا الامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي؛ ولن نسمح بظهور مناطق ذات مستويات أمنية متفاوتة داخل أوروبا. ونأمل في الاتفاق على الخطوات العملية الأولى خلال هذا العام.

وفي الوقت نفسه، يتعين على الصناعات الدفاعية الأوروبية توحيد معاييرها وتوسيع نطاقها وتقليل تعقيد منظومات التسليح لتصبح أسرع وأقل كلفة وأكثر قدرة على المنافسة. وسنستخدم برامج الاتحاد الأوروبي مثل برنامج “العمل من أجل الأمن في أوروبا” SAFE، لإطلاق التعاون الصناعي الدفاعي على مستوى القارة. وهذا من شأنه أن يدفع أيضاً التكامل العسكري الأوروبي تدريجاً.

وسيؤدي هذا التكاتف إلى انفتاح أوروبا على شركاء استراتيجيين جدد، بما في ذلك في مجال التجارة. وكخطوة أولى، وقعنا اتفاق الاتحاد الأوروبي–”ميركوسور”، وسنطبقه بصورة موقتة في أسرع وقت ممكن. وتفاوضنا أيضاً على اتفاق تجارة حرة مع الهند، ونعمل حالياً على استكماله. وستتبع ذلك اتفاقات أخرى قريباً.

دبلوماسياً، نعمل في أوروبا على التوفيق بين متطلبات متعارضة، ويتجلى ذلك في جهودنا من أجل السلام في أوكرانيا. وحيثما تقتضي الحاجة مرونة وسرعة حركة، نتقدم ضمن مجموعات صغيرة مثل مجموعة E3 التي تضم ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وكذلك بالتعاون مع إيطاليا وبولندا اللتين تضطلعان بأدوار أكبر كلاعبتين أوروبيتين مؤثرتين. وندرك أن نجاحنا على المدى البعيد يتوقف على إشراك الأوروبيين الآخرين معنا. وبالنسبة إلى الألمان، لا مفر من ذلك: فألمانيا في قلب أوروبا، وإذا تمزقت أوروبا، تمزقنا نحن أيضاً.

تحديث المنظومة

تتمثل إحدى أبرز المعضلات التي تواجه أوروبا اليوم في أن عملية إعادة تشكيل موازين القوى عالمياً التي تدفع بها القوى الكبرى تتسارع بوتيرة تفوق قدرتنا على الاستعداد لها. ولهذا السبب تحديداً، لا أرى أن الدعوات المطالبة بشطب الولايات المتحدة كشريك هي خيار حكيم.

إنني أتفهم تماماً مشاعر القلق والشكوك التي تدفع إلى إطلاق مثل هذه المطالب، بل إنني أشارك بعضها، غير أن تلك الدعوات لا تحيط إحاطة كافية بالتداعيات المحتملة لمثل هذه الخطوة. فهي تتغاضى عن الوقائع الجيوسياسية الصعبة التي يفرضها الجوار الأوروبي المتوتر مع روسيا، كما أنها تقلل من حجم الإمكانات القوية التي لا تزال قائمة في شراكتنا مع الولايات المتحدة، على رغم ما تواجهه من صعوبات.

وبناءً على ذلك، تسعى ألمانيا إلى بلورة شراكة جديدة عبر الأطلسي. والحقيقة غير المريحة هي أن صدعاً نشأ بالفعل بين أوروبا والولايات المتحدة. فالحرب الثقافية التي تخوضها حركة “ماغا” ليست حربنا. نحن لا نؤمن بالرسوم الجمركية ولا بالحمائية، بل بالتجارة الحرة. ونتمسك بالاتفاقات المناخية العالمية وبمنظمة الصحة العالمية، انطلاقاً من قناعتنا بأن التحديات العالمية لا يمكن حلها إلا معاً.

لقد فقدت الشراكة عبر الأطلسي بديهيتها. ومن ثم، إذا أُريد لها أن يكون لها مستقبل، فلا بد من إعادة ترسيخها. وينبغي ألا تقوم ركائزها الجديدة على أفكار غامضة أو نخبوية، بل على إدراك متبادل بأن أوروبا والولايات المتحدة تكونان أقوى عندما تعملان معاً.

إن الانتماء إلى حلف شمال الأطلسي يشكل ميزة تنافسية لأوروبا، وهو كذلك للولايات المتحدة. ففي عصر القوى العظمى، تحتاج واشنطن هي أيضاً إلى شركاء تثق بهم، وهي حقيقة يدركها الاستراتيجيون في وزارة الدفاع الأميركية. لذا، ينبغي أن نعمل معاً على إصلاح الثقة عبر الأطلسي وإحيائها. وأوروبا تقوم بدورها في هذا المجال.

من الممكن أن تجد الأنظمة الاستبدادية أتباعاً، أما الديمقراطيات فتعتمد على الحلفاء والشركاء والأصدقاء الموثوقين. وبصفتنا أوروبيين، ينبغي أن نعي هذا جيداً. لم يجبرنا أحد على الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة الذي وجدنا أنفسنا فيه. وكان هذا النقص في النضج من صنع أيدينا. واليوم، نخرج من هذه الحال، وسنتركها وراءنا عاجلاً أم آجلاً، لا عبر التخلي عن “الناتو”، بل من خلال بناء ركيزة أوروبية قوية ومكتفية ذاتياً داخله.

هذا هو المسار الصحيح في جميع الأحوال. وهو المسار الصحيح إذا ما ابتعدت الولايات المتحدة من أوروبا. وهو على نحو خاص الطريق الأنسب لبناء شراكة أطلسية متجددة وأكثر صحة. من المحتمل أن نختلف أكثر مما كنا في الماضي. ونضطر ربما إلى مزيد من التفاوض والجدل حول المسار الصحيح، غير أننا إذا فعلنا ذلك بقوة وباحترام متبادل وباعتزاز متجدد بالذات، فإن الطرفين سيجنيان ثماره.

توسيع الدائرة

أخيراً، نحن في صدد بناء شبكة متينة وواسعة من الشراكات العالمية. وعلى رغم أهمية التكامل الأوروبي والشراكة عبر الأطلسي بالنسبة إلى ألمانيا، فإنهما لم يعودا كافيين وحدهما للحفاظ على حريتنا.

إن مفهوم الشراكة ليس مطلقاً، بل يتخذ درجات وأشكالاً مختلفة. ولا يشترط توافقاً كاملاً على جميع القيم والمصالح. ومن هنا، نسعى إلى إقامة علاقات مع شركاء جدد نتقاسم معهم بعض القضايا المهمة، لا كلها. وهذا يقلل التبعيات، ويفتح في الوقت نفسه آفاقاً جديدة للطرفين. وهو بذلك يحمي حريتنا.

تضطلع اليابان وكندا وتركيا والهند والبرازيل بأدوار محورية في هذا المسعى، كما هي الحال بالنسبة إلى جنوب أفريقيا ودول الخليج وغيرها. ونحن حريصون على تعزيز التقارب مع هذه الدول على أساس الاحترام المتبادل. وتجمعنا مصلحة أساسية في نظام نثق فيه بالاتفاقات، ونعالج من خلاله المشكلات العالمية معاً، ونحل النزاعات سلمياً. ومن واقع التجربة، ندرك أن القانون الدولي والمنظمات الدولية يمكن أن يخدما سيادتنا واستقلالنا وحريتنا.

وتواصل ألمانيا أيضاً تحديث علاقتها مع الصين. ومن الخطأ الاعتقاد بأن فك الارتباط هو المسار الصحيح. فهذا لن يعزز أمننا ولا ازدهارنا. لكننا سندير هذه العلاقة على نحو أكثر نضجاً، ولا سيما عبر تقليل الأخطار من خلال خفض التبعيات. وسنعمل بجد لضمان منافسة عادلة وتكافؤ الفرص للطرفين. وسنسهم أيضاً في صياغة نهج أوروبي أكثر تماسكاً. ومع تقدمنا، سندخل في حوار مع بكين بروح الواقعية المبدئية، مع إدراك أن الصين ستظل إحدى القوى الكبرى التي تشكل ملامح العصر الجديد.

وفيما نمضي قدماً، يجب أن نرى الصورة الكاملة وأن نسلك مساراً واضحاً. فالألمان يدركون أن عالماً لا يُحتكم فيه إلا إلى القوة هو عالم مظلم. وقد سارت بلادنا في هذا الطريق خلال القرن الـ20، وانتهت إلى نهاية مريرة وشريرة. أما اليوم، فنحن نسلك مساراً مختلفاً. فبلادنا راسخة في الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي وفي شبكة متنامية من الشراكات الاستراتيجية. ونحن نؤمن بقيمة الشراكات الموثوقة القائمة على القيم والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل والثقة. وبعد عام 1945، كانت الولايات المتحدة مصدر إلهام للألمان بهذه الفكرة القوية. وعلى هذا الأساس، أصبح حلف شمال الأطلسي أقوى تحالف في التاريخ. وستظل ألمانيا وفية لهذه الفكرة، وتسعى، جنباً إلى جنب مع حلفائها وشركائها، إلى ترجمتها بما ينسجم مع متطلبات العصر الجديد.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى