ترجمات عبرية

هآرتس: الدستور الذي نشرته السلطة الفلسطينية لن ينقذها من الازمة الأصعب في تاريخها

هآرتس 15/2/2026، جاكي خوريالدستور الذي نشرته السلطة الفلسطينية لن ينقذها من الازمة الأصعب في تاريخها

في خضم ازمة اقتصادية متفاقمة وقرارات مجلس الوزراء السياسي – الامني التي تمس بالسكان الفلسطينيين، نشرت السلطة الفلسطينية في هذا الاسبوع مسودة دستور مؤقت. ولكن الوضع السياسي والاقتصادي المتردي الذي ما زال ينهار تحت وطأة السلطة، يثير التساؤلات حول مستقبل هذه الوثيقة.

تشمل مسودة الدستور التي نشرت بمبادرة الرئيس محمود عباس اكثر من 160 مادة، وتؤكد، ضمن امور اخرى، على الالتزام باعلان استقلال فلسطين في العام 1988 وبالقانون الدولي ومعاهدات حقوق الانسان. ايضا هي تشمل الحقوق الاساسية كحرية التعبير وحرية الصحافة وحرية تكوين الجمعيات وحرية الدين، وتشدد على مبدأ المساواة امام القانون وفصل السلطات. مع ذلك معظم النقاش العام يدور حول المواد المتعلقة بالرئيس وصلاحياته الواسعة، بما في ذلك اعلان حالة الطواريء عند الحاجة، وحول نائبه وآلية تولي مهمات الرئيس في حالة عجزه عن اداء مهماته.

الجدل يتصاعد على خلفية تعيين حسين الشيخ كنائب للرئيس في السنة الماضية، وتنص مسودة الدستور على انه اذا اصبح منصب الرئيس شاغر فانه يتعين على السلطة الفلسطينية اجراء انتخابات في غضون تسعين يوم. وحتى ذلك الحين يتولى رئيس المجلس التشريعي هذا المنصب، وفي حالة عدم وجود رئيس يتولى رئيس المحكمة الدستورية هذا المنصب. هذا يعني ان حسين الشيخ لن يتم تعيينه كرئيس بالوكالة اذا توقف عباس عن اداء مهماته. مع ذلك، لم يتضح بعد ماذا سيحدث اذا اضطرت القيادة الفلسطينية الى البت في اختيار خليفة عباس حتى قبل اقرار الدستور.

بالتوازي مع نشر المسودة حذر وزير المالية والتخطيط الفلسطيني ستيفان سلامة من ان العام 2026 يتوقع ان يكون الاصعب في تاريخ السلطة الفلسطينية من ناحية اقتصادية. ووفقا له تواجه السلطة الفلسطينية اخطر ازمة منذ تاسيسها، ويعود ذلك، ضمن امور اخرى، الى استمرار تاخير اسرائيل لاموال الضرائب وخصمها. وقد اعلنت السلطة الفلسطينية بانها ستدفع 60 في المئة فقط من رواتب موظفي القطاع العام بحد ادنى، 2000 شيكل، بسبب عجز حاد في الايرادات.

تظهر البيانات التي قدمها سلامة مستوى عمق الازمة. فالايرادات المحلية لا تتجاوز 400 مليون شيكل في الشهر، بينما تقدر النفقات التشغيلية الدنيا بمليار شيكل على الاقل. ويتطلب دفع جزء من الرواتب حوالي 720 مليون شيكل، اضافة الى 200- 250 مليون شيكل للدفعات الاساسية، بما في ذلك ديون المستشفيات والمؤسسات العامة. وقد تضخم اجمالي الدين الى حوالي 15.4 مليار دولار، وتم رفع مئات الدعاوى القضائية ضد السلطة الفلسطينية في المحاكم الاسرائيلية للمطالبة بتعويضات ضخمة.

وتوضح السلطة الفلسطينية بان هذه ليست ازمة تقنية، بل هي تحرك سياسي. ويرى المسؤولون الفلسطينيون بان الضغوط الاقتصادية تندمج مع قرارات سياسية اسرائيلية، بما في ذلك الخطوات التي اتخذها المجلس الوزاري السياسي – الامني مؤخرا، والتي تهدف الى اضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض مكانتها التمثيلية.

بعيدا عن الجدل القانوني، يبرز التساؤل الجوهري حول امكانية صياغة دستور في ظل استمرار اهتزاز الاسس الاقتصادية والسياسية للسلطة الفلسطينية. فالدستور يكتب كاعلان للسيادة، لكن الواقع على الارض، بدءا بتوسع النفوذ الاسرائيلي ومرورا بقرارات الحكومة التي تجيز الضم الفعلي وانتهاء بالازمة الاقتصادية المتزايدة، كل ذلك هو عوامل تثير التساؤل حول فائدة هذه الخطوة. فاذا واجهت السلطة الفلسطينية صعوبة في دفع الرواتب وتوفير الخدمات الاساسية والحفاظ على استقرار المؤسسات، فما الذي سيحصل مع الوعود الدستورية المتعلقة بالحريات والحقوق؟.

يزداد بين المسؤولين الفلسطينيين اعتقاد بان هذه الخطوة يمكن ان تكون ذات شقين: من الداخل من اجل حسم مسالة الوراثة والانتقال الى مرحلة اقامة الدولة، ومن الخارج لاظهار الجدية والاصلاح على امل كبح كل التحركات احادية الجانب وكسب الدعم الدولي من جديد. مع ذلك، يعتقد من ينتقدون هذه الخطوة بانه بدون تغيير حقيقي في ميزان القوى وفي الوضع الاقتصادي وبتدخل دولي، لا سيما التدخل الامريكي، قد لا يكون الدستور الا وثيقة اعلانية.

هل سيسبق الاصلاح الدستوري الانهيار الاقتصادي؟ هل سيطغى الضغط السياسي على البنية المؤسسية قبل استقرارها؟ أو ان التهديد الوجودي سيسرع الوحدة الداخلية ويعزز المطالبة بتسوية دستورية شاملة؟. الاجابات على ذلك غير واضحة، لكن الواضح هو ان صراع خفي يدور بين بنود الدستور ودفاتر وزارة المالية الفلسطينية حول مستقبل النظام كله. اذا لم يتم ايجاد توازن بين الاصلاح السياسي والاستقرار الاقتصادي فقد ينشأ وضع لا يكون فيه السؤال أي دستور سيتم اعتماده، بل أي سلطة هي التي ستبقى، هذا اذا بقيت، من اجل تطبيق الدستور.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى