إميل أمين: عن جدليّة الأخلاق ومسارات التاريخ
إميل أمين 14-2-2026: عن جدليّة الأخلاق ومسارات التاريخ
هل التاريخ مؤامرةٌ منزوعة الأخلاق؟ وهل السياسةُفعلٌ آثم، ينبغي تجريمه في الحال والاستقبال؟
تبدو الأسئلةُ في هذا السياق حدّيّةً، وكأنّه على القارئ أن يرى التاريخ بمنظور الأبيض والأسود فحسب، على الرغم من أنّ صفحات التاريخ مليئةٌ بالألوان الرماديّة.
تحملنا الكثير من الأنباء والأخبار الواردة من الشرق والغرب، على طرح تساؤلات أبعد ما تكون عن المشاهد العامّة، القريبة للغاية من أحداث الساعة السياسيّة والعسكريّة، تساؤلاتٍ موصولة بعمق التاريخ، وبوصلة الأخلاق عبر التاريخ الإنسانيّ، ولا يزال الجدل دائرًا من حولها.
تبدو البشريّة وكأنّها منقسمة حتّى الساعة إلى فريقين، أصحاب نظرية التاريخ المتآمر من جهة، وأنصار الهيمنة العذراء من جانب آخر.
والواقع أن كلَيْهما يثير الكثير جدًّا من الغبار والدخان حول الواقع الحاليّ، ومجمله أنّ العلاقات الدوليّة صراعاتٌ وقوى، ومصالح تمارس فعلها بالنار، وتندفع عبر سباق الحياة بأقصى سرعةٍ يسمح بها العقل والعلم، وهي تجرّب فرض إرادتها بكلّ الوسائل علنًا وسرًّا، إقناعًا وقسرًا، حربًا مكشوفة وتربُّصًا في الظلام.
من هنا يمكن القطع بأنّ التاريخ يصعب جزافًا اعتباره مؤامرةً مستمرّة، وفي اللحظة نفسها، يصعب إطلاقًا اعتباره فردوسًا للأطهار.
في مؤلَّفه الأكثر من شيق “دروس من التاريخ”، للمؤرّخ الأميركي الأشهر “وول ديورانت”، صاحب موسوعة “قصّة الحضارة”، يخبرنا كيف أنّ الأكواد الأخلاقيّة تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، ما يعني أهمّيّتها وعدم إمكانيّة إهمالها، والباحث في عمق الحضارات والثقافات، بل والأديان السماويّة وحتّى الكثير من المذاهب الوضعيّة، يخلص إلى اتّفاق النظم الأخلاقيّة في جوهرها وعمومِيّتها، ويتأكّد من حتميّتها وضرورتها، ما يفيد بأنّه ما من تاريخٍ إنسانيّ، خلا من الأخلاقيّات، مهما بدا أو طفا على السطح ما يفيد بعكس ذلك، لكنّها في الأعمِّ الأغلب نفس ذهنيّة قوانين الاقتصاد: “العملة الرديئة تطرد العملة الجيّدة”، وكما يقال في عالم الإعلام “إن الأخبار السيّئة هي الأخبار”.
والشاهد أنّ الأكواد الأخلاقيّة تختلف عن بعضها البعض، لأنّها تتأقلم مع الظروف البيئيّة والسياق التاريخيّ.
من هنا إذا قَسَّمنا التاريخ الاقتصاديّ إلى ثلاث مراحل : مرحلة الصيد، تليها مرحلة الزراعة، ثم الصناعة، نستطيع التنَبُّؤ بأنّ الأكواد الأخلاقيّة في مرحلةٍ ما ستختلف عن التي تليها.
يَعِنُّ للقارئ أن يتساءل: “ماذا عن الأكواد الأخلاقيّة لبشرِيَّتنا المُعَذَّبة ونحن نقترب من نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؟
يظلّ الجدلُ محتدمًا، بين من يرى أنّ الإنسانيّة قد بلغت شأنًا عاليًا من التحَضُّر، وآخرين يقطعون بأنّها باتت تعيش في الدرك الأسفل من الأخلاق والقِيَم الراقية.
ولكي نحسم الجدلَ المتقدّم، ربّما يتحَتَّم علينا مشاغبة أيقونة جدليّة التاريخ، وهل يكرّر نفسه أم لا؟
اعتبر كارل ماركس أنّ التاريخ إنْ أعاد ذاته، ففي المرّة الأولى يضحي الأمرُ مأساةً وفي الثانية ملهاةً.
في المقابل، ذهب الكاتبُ الأميركيّ الساخر مارك توين، إلى أنّ التاريخ لا يعيد نفسه، لكنّ أحداثه تتشابه.
دعونا نَغُصْ في عمق الماضي، ونتبع من ثم النهج الهيجليّ، نسبةً إلى الفيلسوف الألماني جورج هيجل عن مكر التاريخ، العودة للوراء خطوة، ثم القفز إلى الأمام خطوات.
ما من شكٍّ أنّه في حاضرات أيّامنا، يبدو المشهدُقريبَ الشبه إلى حدِّ التطابق، مع ما كان في زمن سقراط (399 قبل الميلاد)، وفي زمن الإمبراطور أغسطس قيصر (14 ميلاديّة).
بدت الحربُ وقتها أحدَ الأسباب التي أَدَّتْ إلى التراخي الأخلاقيّ. بعد عنف الحرب البيلوبونيزية (431-404 قبل الميلاد)، والاضطراب الاجتماعيّ الشديد الذي سَبَّبته، لم يشعر رجل السياسة والخطيب والقائد العسكريّ الإغريقيّ البارز “ألكيبادس” بالحرج في أن يستهين بكود أجداده الأخلاقيّ، ولم يتوَرَّعْ ثراسيماخوس السفسطائيّ الإغريقيّ المعروف، أن يعلن أنّ صاحب القوّة هو الذي يحدّد ما هو الصواب.
هل ما تمرّ به إنسانيتنا المعاصرة هو رجع صدى لا يتلكّأ ولا يتأخّر لمشاهد وحجايا التاريخ القديم؟
المعروف أنّه بعد الحروب التي جرت بين جنرالات رومانيّين مثل ماليوس وسولا، وأباطرة كيوليوس قيصر وبومبيوس الكبير، عطفًا على أنطونيوس وأوكتافيوس، كانت روما مليئةً بالرجال الذين فقدوا ثرواتهم وتدَنَّتْأخلاقُهم، والجنود الذين تذَوَّقوا طعم المغامرة وتعَلَّموا القتل، والمواطنون الذين فقدوا مُدَّخَراتهم في الحرب لا سِيَّما من جَرَّاء التضَخُّم المواكب دومًا للعسكرة المُرّة.
في هذا السياق، امتلأتْ الشوارعُ بالنساء اللواتي أذهلتهُنَّ الحرّيّة من غير قيودٍ أو حدود، وتفشَّى الطلاق والإجهاض والخيانة الزوجية، وسادت السفسطةُالشطحيّة بما فيها من تشاؤمٍ واستخفاف وسخرية.
لا تبدو هذه المشاهدُ بعيدةً عن مناظر كبريات المدن الأوروبّيّة والأميركية بعد حربَيْن عالميَّتَيْن في نهاية أربعينات القرن المنصرم.
غير أنّ ما لا يمكن إنكاره، هو أنّ مراجعاتٍ معمَّقة جرتْ في أروقة الحكماء والفلاسفة المعاصرين، أعطت بصيصًا من الأمل لجهة تفسير التاريخ كمسيرةٍ بشريّة، وأناس يخطئون ويصيبون، ذلك أنّهم وُلِدوا على الأرض وليسوا فوق جبال الأوليمب حيث آلهة الإغريق الأسطوريّة.
من هنا يمكن القطع بأنّ التاريخ يقدّم لنا عزاءً، ويذكّرنا بأنّ الأخطاءَ البشريّة تنتشر في كلّ جيلٍ، وحتّى أجيالنا المعاصرة بكل موبقاتها، وخطاياها، وأدرانها، ربّما لا تضاهي مرحلةً من الانحلال الأخلاقيّ الذي عرفَتْه روما القديمة ومن قبلها أثينا.
ربّما يَعِنّ لنا وسط أنباء الأزمات الأخلاقيّة التي تملأ وسائط الإعلام صباح مساء كلّ يومٍ، أن نتذكّر أنّ التاريخَالذي نكتبه، بصيغة جَلْد الذات، مختلفٌ إلى حدٍّ كبير عن التاريخ الذي نعيشه.. ما معنى ذلك؟
باختصارٍ غير مُخِلّ، يمكن القطعُ بأنّ المؤرّخين يكتبون الأحداث الاستثنائيّة لأنّها مثيرةٌ، ولأنّها استثنائيّة، ولو أنّ كلّ الأفراد الذين لم يكنْ لهم من يدَوّن عنهم تفاصيل حياتهم أخذوا حَقّهم في مساحة مناسبة لأعدادهم من كتب المؤرّخين لأصبح لدينا نسخةٌ أقلّ إثارةً، لكن أكثر عدلًا للتاريخ والإنسان، نسخة موضوعيّة لا تجنح إلى تفسير مجريات الأحداث تفسيرًا تآمريًّا، ولا تتماهي مع خطوب الزمن وكأنّها قدرٌ مقدور في زمنٍمنظور.
ولعله من نافلة القول، أنه خلف ذلك الوجه الأحمر للحروب ولأعمال السياسة، ووراء مشاهد التعاسة والفقر، الخيانة والانفصال، القتل والانتحار… هناك ملايينُ من الأسر المنظّمة، والزيجات المخلصة، والرجال والنساء الودودين والمحبّين، السعداء والمهمومين بالأطفال، حتّى في التاريخ المسجّل يجب أن نذكّر أنفسنا أنّنا نجد الكثير من أفعال الخير والنبل، حتّى في وسط العواصم الّتي تُتَّهم بأنّها باتت أوكارًا للأبالسة والشياطين.
هل يمكن الوصول إلى استنتاج مؤدّاه أنّه لا يمكننا أن نحكم أنّ الانحلال الأخلاقيّ الذي يزعج آذاننا مؤخّرًا، يمثّل انحدارًا، وأنّه ليس انتقالًا مؤلمًا أو مبهجًا من كودٍأخلاقي، فقد قاعدته الصناعيّة إلى كودٍ آخر تصوغه وسائطُ التواصل الاجتماعيّ، والذكاءاتُ الاصطناعيّة، والحوسبة الكموميّة، عطفًا على شهوات قلب طبقات أوليغارشية، يقترب بعضها من حمل أوّل لقب تريليونير في التاريخ؟
غالب الظنّ أنّ بشريّتنا تعيش مرحلةً مثيرة وقد تكون خطيرة في ظلّ ضبابيّة كودٍ أخلاقيّ، لكنّ ذلك لا يمنع من الأمل القريب في عالمٍ قادر على إعادة التوازن بين الروح والجسد، بين الكينونة والتمظهر، عالمٍ لا يصادر على حركة التاريخ، لكنّه في الوقت عينه يضع الأخلاق فيموقعها و موضعها الصحيح.



