د. غانية ملحيس: الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء السادس)

د. غانية ملحيس 12-2-2026: الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء السادس)
ملخص تنفيذي: تفاعلات الكتاب النقدية
الجزء السادس ليس إعادة عرض للأجزاء الخمسة السابقة، بل توثيق الاشتباك النقدي للكتاب، وتحويل النص من طرح فردي إلى حقل نقاش جماعي. الهدف الأساسي: إبراز كيف تصبح فلسطين معيارا بنيويا لفهم النظام الدولي، وكيف تنتقل الإبادة الحديثة من حدث مادي إلى وظيفة حكم متكاملة تشمل اللغة، القانون، والسياسة.
أهم ما كشفته التفاعلات:
أولا: الإشتباك البنيوي:
٠ فلسطين ليست حالة استثنائية، بل اختبار للمنطق البنيوي للنظام الدولي.
٠ الإبادة الحديثة ليست فشلا، بل نجاح النظام في إدارة الحياة والموت وفق منطق الإدارة والاستقرار.
ثانيا: اللغة والإنسانية والقانون:
٠ اللغة لا تصف العنف فقط، بل تُنتجه وتُبرره قبل وقوعه.
٠ “الإنسانية” تعمل كتكنولوجيا حكم، لا كقيمة أخلاقية.
٠ القانون حاضر بوظيفة التعليق، لا الإلزام، أي أنه يثبت الرؤية دون أن يوقف العنف.
ثالثا: نزع السياسة:
يتم عبر إعادة تعريف السياسة نفسها، وتحويل الفعل السياسي إلى إدارة وتقنيات، مع استمرار الإبادة بوصفها وظيفة قابلة للتفعيل.
نزع السياسة لا يحدث بعد تفريغ اللغة، بل عبرها، إذ يعاد ترميز العنف، والمسؤولية، والفاعل، بلغة تجعل القرار يبدو ضرورة تقنية لا خيارًا سياسيا.
رابعا: القيمة العملية للتفاعلات:
الكتاب الشركاء الذين اشتبكوا فكريا مع أجزاء المقال البحثي: يحيى بركات، خالد عطية، نائل التونسي، والمعلقون الذين أسهموا بتعليقات مقتضبة لكنها بالغة الأهمية: المتوكل طه، محمد خالد، رزق المزعنن، هاني مندس، البشير عبيد ساهموا في:
٠ توسيع التحليل إلى مستويات تركيبية وزمنية.
٠ ربط الأطروحة بالبنية الرمزية واللغوية للنظام الدولي.
٠ الحفاظ على الحساسية الإنسانية ضمن التفكيك البنيوي.
٠ لم تُقدّم حلول جاهزة، بل أعادوا تحديد أفق الفعل السياسي: التحليل والنقاش يكشفان إمكانيات النظام والقيود المفروضة على المقاومة أو الإصلاح.
النص لم يعد مجرد رؤية فردية، بل أصبح حقل نقاش جماعي حي: كل مقاربة تعكس رؤية ومستوى جديدا من الفهم البنيوي، وتؤكد أن التفاعل الجماعي يعزز فرص الفعل السياسي خارج شروط النظام، عبر تفكيك أدوات الإدارة والسيطرة، وليس انتظار انهيار النظام أو حلول جاهزة.
خلاصة للقارئ المتابع:
الجزء السادس يقدّم فرصة لإعادة قراءة الأجزاء السابقة ليس فقط كمقالات، بل كنتاج حوار جماعي مستمر حول الإمكانات البنيوية والسياساتية واللغوية للإبادة الحديثة. إنه اختبار نقدي لحدود التحليل، ودعوة لمساءلة القارئ نفسه بوصفه شريكا في فهم النظام وفعل المقاومة المعرفية.
المقال الكامل
الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء السادس)
حين يتحوّل النص إلى ساحة اشتباك – القرّاء بوصفهم شركاء في إنتاج المعنى
هذا الجزء لا يُقرأ بوصفه عرضا لآراء حول النص، بل اختبارا لموقع القارئ نفسه داخل منظومة اللغة، والقانون، والإنسانية التي يجري تفكيكها. فالقارئ هنا ليس شاهدا محايدا، بل طرفا في إنتاج المعنى أو في إعادة تدويره. بهذا المعنى، لا يشكّل هذا الجزء استكمالا للأجزاء السابقة بقدر ما يعيد ترتيبها من موقع القراءة الجماعية، ويفتح المسار ليس كنص مكتمل، بل كعملية تفكير لم تعد فردية.
ولم يكن مدرجا في مخطط البحث، لكنه فرض نفسه عبر الاشتباك الفكري مع قرّاء فاعلين، شكلت قراءاتهم النقدية العميقة امتدادا للمقالات وأثرتها. وسيركز هذا الجزء على شركاء واظبوا على الاشتباك النقدي منذ بدء الحلقة الأخيرة من حرب الإبادة في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، في رفقة فكرية نادرة، حفزت البحث وفتحت أبوابا ظلت موصدة أمام مسلمات تكرست كمحرمات يحظر مقاربتها بالسؤال والنقد والمراجعة. ما تسبب في الجمود الفكري الذي رافق الحركة الوطنية الفلسطينية والقومية العربية منذ سبعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تنامي تغول النظام الرأسمالي الغربي وتكثيف التنظير لعولمته على صعيد السياسة واللغة والقانون والاقتصاد والعسكرة. ترافقت مع محاولات حثيثة لقطع التواصل بين المفكرين والمثقفين الفلسطينيين والعرب، ونظرائهم من المفكرين النقديين في الغرب، الذين نشطوا بعد الحرب العالمية الثانية في مقاربة قضايا التحرر الإنساني. فشهد عقد السبعينات أكبر عمليات اغتيال للمثقفين الفلسطينيين في أوروبا ولبنان، بالتوازي مع التهيئة لإحلال الإدارة محل السياسة، وضبط السكان، والتأسيس لتكريس الكيان الصهيوني في المنطقة، بالترويج لأوهام التسويات السياسية للصراع، بتزوير اللغة كوسيط للوعي، واستبدال المصطلحات، وإعادة تعريف الصراع الوجودي بالنزاع القابل للتسوية، وتسويق فكرة سلام تمليه القوة العصية على القهر. إلى أن جاء طوفان الأقصى، ليكشف الأوهام، وليعري الحداثة السياسية، وليكشف الأعطاب البنيوية التي تأسس عليها النظام الدولي ومؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية والقانونية والقضائية.
وليوقظ الوعي لدى شعوب العالم الذي أيقظته حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة على خواء الأسس التي بني عليها نظام الحداثة الغربي المادي العنصري. ويسقط المسلمات التي شكلت وعي الأجيال المتتابعة حول الديموقراطية وحقوق الإنسان وحياد القانون والقضاء والإعلام، التي تكشف زيفها في غزة. فغسلت أنهار دماء أطفالها، المتدفقة في كامل القطاع الصغير المحاصر ويشهدها العالم أجمع للعام الثالث على التوالي دون أن يحرك ساكنا، زيف ما علق بالأذهان عبر قرون عن قيم حضارة الحداثة الغربية المادية العنصرية. وتداعت جميعها تباعا في أول امتحان علني لها تنقل وقائعه على الهواء مباشرة على امتداد الكرة الأرضية، فيصدمه موت الإنسانية، وحجم التواطؤ بين قوى الشر.
وأيقظت حرب الإبادة وعي بعض المثقفين الفلسطينين والعرب من طمأنينة زائفة شكلتها عقود من الخضوع والامتثال، واستكانة استطابوا المكوث فيها قرونا، بذريعة اختلال موازين القوى ومسؤولية الآخرين عما يحل بنا من كوارث ونكبات. فأيقظتهم حرب الإبادة بوحشيّتها غير المسبوقة في التاريخ الإنساني المدون قديما وحديثا، على حقيقة طالما تجنبوها لجهة مسؤولية ذاتية تشاركية. إذ ما كان لهذا التوحش الاستعماري أن يتوغل في دماء شعوبنا، لولا تواطؤ داخلي تجذر على امتداد أكثر من قرنين. عبر نخب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تغربت واغتربت وانفصلت عن الشعوب. وقايضت حقوقها الوطنيه والتاريخية الثابتة بمصالح ذاتية، ومكتسبات آنية.
لقد غمرني شركاء الفكر بتعليقاتهم الثرية التي واكبت أجزاء البحث أثناء كتابته، وأسهم حضورهم الفكري وتعليقاتهم الثرية في تعميق الأسئلة وتوسيع زوايا النظر، وإعادة اختبار الفرضيات الواردة في الأجزاء الخمسة.
وتنوعت تفاعلاتهم، لاختلاف الخلفيات وتعدد زوايا النظر، ما بين تفاعلات توافقية أسهمت في إثراء النصوص بالشرح وإعادة صياغة الأسئلة لتسهيل الفهم وتدقيق المفاهيم وتثبيتها. وتفاعلات تقاطعية تعددت فيها المقاربات، ففتحت مسارات ووصلت الأفكار بتجارب وحقول معرفية موازية. وطورت التحليل وربطته بسياقات أخرى، وبحقول تاريخية، وفلسفية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، قد تستدعي مشروعا بحثيا لاحقا.
وولد هذا الاشتباك الفكري أسئلة جديدة تحتاج الى المزيد من البحث والتفكير.
يركز الجزء السادس على تعليقات الكتاب على أجزاء المقال، لا عبر جمعها بالمعنى التقليدي، بل يوثّق تحوّل المقال من نصّ فردي إلى حقل نقاش جماعي، حيث لم تعد التعليقات خارج التحليل، بل امتدادا لبنيته المفهومية.
ويسعى للوفاء بحق شركاء الفكر، عبر بيان إسهامات الكتاب الأكثر تأثيرا، بتعليقاتهم الثرية على أجزاء البحث الخمسة، دون أن يعني تراتب تناول تعليقاتهم ترجيح أهميتها، فجميعها أسهمت في تطوير وعيي المعرفي، بما في ذلك تعليقات مقتضبة لقراء تفاعلوا مع جزء بعينه.
أولا: ملخص لتعليقات الكاتب السينمائي المبدع يحيى بركات
1.1 انكشاف النظام دون القدرة على التبرير
تتميز تعليقات يحيى بركات بأسلوبه السينمائي الإبداعي الذي لا يسعى لتفسير الأطروحات، ولا لتوسيع لمستوى واحد من التحليل، بل تؤدي تعليقاته وظيفة التركيب والانعطاف. فهو لا يضيف طبقة جديدة للمقالات فحسب، بل يعيد ترتيب الطبقات السابقة، ويحوّل اتجاه القراءة من “ما الذي يفعله النظام؟” إلى “أين ينكشف هذا النظام دون قدرة على التبرير؟ “. بهذا المعنى، يمكن القول أن مساهمته تمثل لحظة انكشاف نظري، حيث تتوقف المفاهيم عن الاشتغال كأدوات تحليل فقط، وتتحول إلى معايير
2.1 التعليق التأسيسي: النظام لا يفشل، بل ينجح
في تعليقه التأسيسي على الجزء الأول، يلتقط يحيى مبكرا أحد أخطر التحولات التي يقترحها النص: النظام الدولي لا يفشل في منع الإبادة، بل ينجح في إدارتها.
هذه الجملة ليست توصيفا أخلاقيا، بل تقريرا بنيويا. فالفشل يفترض معيارا لم يتحقق، أما النجاح فيفترض أن ما يحدث ينسجم مع منطق النظام ذاته.
يحيى يعمّق هذه الفكرة عبر ربطها بمفاهيم: الإدارة، الاستقرار، وضبط الفوضى.
الإبادة، في هذا السياق، ليست قطيعة مع النظام، بل أحد أشكال عمله حين تصبح السياسة عبئا.
3.1 من المفهوم إلى المعيار: فلسطين ليست حالة استثنائية
أحد أكثر إسهامات يحيى حسما يتمثل في تحويل موقع فلسطين داخل التحليل. من حالة استثنائية، أو مثالا تطبيقيا، أو مأساة تاريخية متكررة إلى معيار قياس للنظام نفسه. أي أن السؤال لم يعد: كيف يتعامل النظام مع فلسطين؟ بل: ماذا تكشف فلسطين عن طبيعة هذا النظام حين يُوضع تحت الضغط الأقصى؟
4.1 القراءة التركيبية: التقاء الوظيفة، اللغة، ونزع السياسة
في قراءته للجزء الثالث، اللغة بوصفها ساحة إبادة، يقوم يحيى بدور تركيبي دقيق، حيث يجمع بين: أطروحة الإبادة كوظيفة حكم، تحليل اللغة بوصفها بنية إنتاج، ونزع السياسة بوصفه شرطا سابقا. يبيّن يحيى أن هذه المستويات لا تعمل متوازية، بل متداخله: اللغة تُحيّد المسؤولية، نزع السياسة يُفرغ الصراع من تمثيله، والإبادة تُمارَس كإجراء قابل للإدارة. هذا التركيب يمنح الأطروحة قوة تفسيرية مضاعفة، لأنها لا تعالج الإبادة من زاوية واحدة، بل من سلسلة شروط متراكبة.
5.1 القراءة الانعطافية: غزة بوصفها لحظة انكشاف
في قراءته الانعطافية للجزء الرابع، يصل تحليل يحيى إلى ذروته. هنا لا يعود النقاش نظريا فقط، بل يصبح اختبارا حيا. غزة، في هذا السياق، لا تُقدَّم كموقع عنف مكثف فحسب، بل كمكان لا يسمح للنظام بالاختباء.
في غزة: القانون حاضر، لكنه معلّق، اللغة حاضرة، لكنها مفرغة، الإنسانية حاضرة، لكنها إحصائية، والسياسة غائبة، ليس لأنها قمعت فقط، بل لأنها لم تعد مطلوبة. هذه المفارقة تكشف، وفق يحيى، أن ما يحدث ليس انهيارا للنظام، بل تجليا صافيا لمنطقه.
6.1 الزمن بوصفه أداة إبادة
إضافة مهمة في مساهمة يحيى تتمثل في إبراز البعد الزمني. الإبادة، خصوصا في غزة، لا تُمارَس فقط عبر القتل المباشر، بل عبر: إطالة أمد العيش في الحد الأدنى، تعليق المستقبل، وتحويل الزمن نفسه إلى أداة حكم. بهذا، تتحول الإبادة من حدث لحظي إلى إدارة زمنية للحياة والموت، وهو ما يعمّق أطروحة الإبادة بوصفها وظيفة لا انفجارا.
7.1 القانون: الحضور بوظيفة التعليق
يتقاطع تحليل يحيى مع تحليل خالد عطية في مسألة القانون، لكنه يضيف بعدا حاسما: القانون لا يغيب في الحالة الفلسطينية، بل يحضر بوظيفة التعليق لا الإلزام. وجود القانون هنا يؤدي وظيفة مزدوجة: يثبت أن النظام “يرى”، ويبرر في الوقت نفسه عدم التدخل. هذه الصيغة تمثل، في تحليل يحيى، أحد أخطر أشكال نزع السياسة، لأنها تُفرغ القانون من فعاليته دون الحاجة إلى إلغائه.
8.1 القيمة المضافة لمساهمة يحيى بركات
يمكن تلخيص الإضافة النوعية لتعليقات يحيى بركات في النقاط التالية:
• تحويل فلسطين من مثال تحليلي إلى معيار كشف بنيوي.
• تقديم قراءة تركيبية توحّد مستويات التحليل المختلفة.
• إبراز البعد الزمني للإبادة بوصفه أداة حكم.
• تثبيت غزة بوصفها لحظة انكشاف: المكان الذي يفضح النظام دون قدرة على التبرير، ويحوّل التحليل من النظرية إلى اختبار عملي.
مساهمة يحيى بركات لا تغلق النقاش، بل تدفعه إلى لحظة لا يمكن بعدها العودة إلى التفسير الأخلاقي أو الإصلاحي دون مساءلة جذرية.
ثانيا: ملخص لتعليقات الكاتب الأستاذ خالد عطية
1.2 اللغة، الإنسانية، والقانون: البنية الرمزية للإبادة الحديثة
تحتل تعليقات خالد عطية موقعا مكملا في البناء النظري للمقالات، إذ تعمل على مستوى مختلف من التحليل: مستوى الوسائط. فإذا كان مسار البحث قد اشتغل على الإبادة بوصفها وظيفة حكم، فإن مساهمة خالد تذهب إلى سؤال لا يقل خطورة: عبر أي لغة، وأي مفاهيم، وأي أطر قانونية – إنسانية تُصبح هذه الوظيفة قابلة للاشتغال دون أن تُسمّى كذلك؟ بهذا المعنى، لا ينشغل خالد بتوصيف الإبادة فقط، بل بتفكيك الشروط الرمزية واللغوية التي تجعلها قابلة للإدارة، ومقبولة، وقابلة للتبرير دون حاجة إلى تبرير صريح.
2.2 من الحدث إلى الخطاب: الإبادة لا تُغطّى، بل تُنتَج لغويا
في قراءته للجزء الأول، يلتقط خالد مبكرا نقطة مركزية: الإبادة الحديثة لا تحتاج إلى خطاب فجّ يبررها، لأنها تعمل من داخل لغة ناعمة، تقنية، ومحايدة ظاهريا. اللغة هنا لا تأتي بعد الحدث، بل تسبقه وتؤسّسه. فقد بين خالد أن: المصطلحات المستخدمة (الضرورة، الدفاع، التناسب، الأضرار الجانبية)، لا تعمل على تخفيف العنف، بل على إعادة ترميزه بوصفه إجراء عقلانيا. الإبادة، وفق هذا التحليل، لا تُخفى لغويا، بل تُعاد صياغتها بحيث لا تعود قابلة للرؤية بوصفها إبادة.
3.2. “الإنسانية” بوصفها تكنولوجيا حكم
أحد أهم إسهامات خالد عطية يتمثل في تفكيك مفهوم “الإنسانية”، ليس كقيمة أخلاقية عليا، بل كتكنولوجيا حكم حديثة. الخطاب الإنساني، كما يبيّن، لا يعمل ضد العنف بالضرورة، بل ينظّمه ويحدده ويعيد توزيعه. ضمن هذا الإطار: لا تُلغى المسؤولية، بل تُجزّأ، وتُرحّل من الفاعل السياسي إلى شروط عامة، أو إلى “مأساة بلا فاعل”. الإنسانية هنا لا تحمي الإنسان، بل تدير درجة تعرّضه للعنف، وتحوّل الإبادة من جريمة سياسية إلى أزمة إنسانية قابلة للقياس والتعليق.
4.2 اللغة قبل السياسة: اختفاء المسؤولية تدريجيا
في تعليقه على الجزء الثالث (اللغة بوصفها ساحة إبادة)، يذهب خالد إلى مسألة دقيقة: المسؤولية لا تختفي سياسيا أولا، بل لغويا. حين تُعاد صياغة الفعل الإبادي بلغة تقنية: يتراجع حضور الفاعل، ويغيب القرار، ويُستبدل الفعل بسلسلة من “الظروف”، “التعقيدات”، و“الضرورات”. وهذا التحول اللغوي يمهّد لنزع السياسة، لأنه: يُخرج العنف من مجال المساءلة، ويُدخله في مجال الإدارة.
5.2 القانون: من أداة إلزام إلى لغة تعليق
في قراءاته اللاحقة، يربط خالد بين اللغة القانونية والخطاب الإنساني، موضحا أن القانون في السياق الفلسطيني لا يغيب، بل يحضر بوظيفة مختلفة: ليس كأداة إلزام، بل كلغة تعليق، توصيف، وتأجيل. فالقانون: لا يمنع، لا يُفعّل، بل يُستدعى لتسمية ما يحدث دون التدخل فيه. بهذا المعنى، يصبح القانون جزءا من البنية اللغوية التي تُظهر أن “النظام يرى”، دون أن يترتب على الرؤية أي فعل.
6.2 غزة: اللغة في أقصى توحّشها الناعم
في تحليله المرتبط بغزة، يبيّن خالد أن ما يحدث ليس فقط إدارة للعنف، بل إدارة للغة المصاحبة له. غزة تُقصف، لكنها في الوقت نفسه: تُعاد تسميتها، يُعاد توصيف زمنها، وتُختزل حياتها في مؤشرات، أرقام، ونداءات إنسانية. اللغة هنا لا تعجز عن الوصف، بل تنجح في التحجيم: تحجيم الألم، تحجيم الموت، وتحجيم المسؤولية.
7.2 القيمة المضافة لمساهمة خالد عطية
تتمثل الإضافة النوعية لتعليقات خالد عطية فيما يلي:
• تفكيك اللغة لا كمرآة للعنف، بل كبنية مولّدة له.
• كشف “الإنسانية” كآلية ضبط لا كقيمة بريئة.
• إبراز الدور المركزي للقانون والخطاب الحقوقي في تعليق المسؤولية لا فرضها.
• تعميق أطروحة نزع السياسة عبر مستوى رمزي – لغوي غالبا ما يُغفل.
مساهمة خالد عطية تجعل من المستحيل قراءة الإبادة كفعل مادي فقط، إذ تُظهر أن العنف الحديث يُمارَس أولا في اللغة، ثم في الواقع.
ثالثا: ملخص لتعليقات الأستاذ نائل التونسي
1.3 الإبادة بوصفها وظيفة حكم، ونزع السياسة بوصفه شرط إمكانها
تشغل تعليقات نائل التونسي موقعا تأسيسيا في المسار النظري، ليس فقط لأنها جاءت مبكرا، بل لأنها قامت بوظيفة إعادة توجيه جذرية للسؤال. فبدل التعامل مع الإبادة بوصفها حدثا استثنائيا يتطلب تفسيرا سببيا أو إدانة أخلاقية، اقترح نائل منذ مداخلته الأولى نقل السؤال إلى مستوى آخر: كيف تصبح الإبادة ممكنة داخل النظام؟ هذا التحول لم يكن إجرائيا، بل مفهوميا، إذ أعاد ضبط زاوية النظر إلى الإبادة باعتبارها نتاجا بنيويا، لا خللا عرضيا.
2.3 الإبادة: من الحدث إلى الوظيفة
في تعليقه على الجزء الأول، يبلور نائل أطروحة مركزية مفادها أن الإبادة الحديثة لا تعمل كفعل انفجاري خارج النظام، بل كوظيفه مدمجة في منطق الحكم. وهي وظيفة لا تُستدعى دائما، بل عند بلوغ أدوات الضبط الأخرى: القانون، السياسة، الاقتصاد، والخطاب الإنساني حدود فعاليتها.
وفق هذا المنظور: الإبادة ليست فشلا للنظام، ولا انحرافا أخلاقيا طارئا، بل إجراء عقلاني يُفَعَّل حين يتطلب استقرار النظام ذلك. أهمية هذه المقاربة أنها تسحب الإبادة من مجال “الاستثناء” إلى مجال “القاعدة المؤجلة”، أي إلى ما يمكن أن يحدث متى ما استُنفدت البدائل.
3.3 فلسطين: كاشف النجاح البنيوي لا موضع الفشل
إحدى الإضافات المفصلية في تعليقات نائل هي إعادة تموضع فلسطين داخل التحليل. فهي لا تُقدَّم بوصفها: قضية ظلم، أو حالة قصوى، أو استثناء أخلاقي يتطلب التعاطف، بل بوصفها موضع انكشاف بنيوي. فلسطين، وفق نائل، تكشف أن النظام الدولي لا يفشل في منع الإبادة، بل ينجح في إدارتها. ضمن شروط محسوبة: زمنيا، لغويا، وقانونيا. بهذا المعنى، تتحول فلسطين من موضوع للمرافعة إلى أداة تحليل، ومن حالة تُفسَّر إلى بنية تُفسِّر.
4.3 نزع السياسة: من القمع إلى إعادة التعريف
في تعليقه على الجزء الثاني، ينتقل نائل إلى تفكيك مفهوم نزع السياسة. وهنا يقدّم مساهمة دقيقة: نزع السياسة لا يعني إسكات الأصوات أو قمع المجال العام فقط، بل إعادة تعريف السياسة نفسها. الديمقراطية، في هذا السياق، لا تُلغى، بل: تُعاد صياغتها بوصفها إدارة، ويُعاد تعريفها بوصفها استقرارا، ويُعاد توجيهها لتحييد الصراع بدل تمثيله. ضمن هذا التحول، يصبح الصراع – وخاصة الصراع الفلسطيني – غير قابل للتمثيل السياسي، ليس لأنه غير عادل، بل لأنه غير قابل للإدارة السياسية وفق منطق النظام.
5.3 العلاقة البنيوية بين نزع السياسة والإبادة
أحد أهم إسهامات نائل هو ربط نزع السياسة بالإبادة ربطا سببيا غير مباشر. فالإبادة لا تأتي بعد نزع السياسة كمرحلة لاحقة فقط، بل تصبح ممكنة لأن السياسة قد نُزعت مسبقا. حين: يُفرَّغ الصراع من لغته السياسية، ويُعاد تعريفه كـ “مشكلة أمنية” أو “أزمة إنسانية”، وتُعطَّل آليات التمثيل والمسؤولية، تصبح الإبادة إجراء قابلا للتنفيذ دون أن يبدو ذلك كخرق للنظام.
6.3 غزة: إدارة طويلة الأمد للحياة والموت
في تعليقاته المطوّلة على الجزء الرابع، يذهب نائل إلى توصيف غزة ليس كمسرح عنف مكثف فقط، بل كنموذج لإدارة زمنية طويلة الأمد للإبادة.
هنا لا تُدار الحياة من أجل حمايتها، بل من أجل: قياسها، ضبط حدّها الأدنى،
والتحكم في شروط بقائها دون السماح لها بالتحول إلى حياة سياسية.
هذا التحليل يخرج الإبادة من لحظة القتل المباشر، ويدخلها في مجال الحكم الحيوي المعكوس.
7.3 القيمة المضافة لمساهمة نائل التونسي
يمكن تلخيص الإضافة النوعية لتعليقات نائل في النقاط الآتية:
• تثبيت الإبادة بوصفها وظيفة حكم لا انحرافا.
• ربط نزع السياسة بشرط إمكان الإبادة.
• تحويل فلسطين من موضوع أخلاقي إلى أداة كشف بنيوي.
• نقل النقاش من الإدانة إلى التحليل، ومن الحدث إلى البنية.
بهذا المعنى، لا تشكّل تعليقات نائل هامشا على النص، بل أحد أعمدته المفهومية الأساسية.
رابعا: بالإضافة إلى التعليقات الأساسية، وردت تعليقات مقتضبة على بعض الأجزاء لكنها تستحق التوقف:
1.4 الكاتب الاستاذ المتوكل طه
يأتي تعليق المتوكل طه من موقع مختلف، لا تتخذ مداخلته موقع التحليل البنيوي المباشر للأجزاء الخمسة، لكنها تشكّل لحظة اختبار حاسمة لحدود هذا التحليل. فهو لا يعارض الأطروحة، ولا يقف خارجها، بل يدخلها من زاوية مختلفة: زاوية الجرح حين يقترب التفكيك من حدوده القصوى. لغته لا تُعيد شرح المفاهيم، بل تكشف أثرها الوجودي حين تُطبَّق على عالم يتكثف فيه العنف إلى حد المجانية.
يقرأ المتوكل النص بوصفه تجربة تُخرج القارئ “مضرجاً بدم الندوب”، ليس لأن التحليل يسعى إلى إحداث الصدمة، بل لأن كشف منطق الإبادة بوصفها انتظاما لا استثناء يجرّد العالم من أي غطاء أخلاقي مريح. هنا يظهر توتر جوهري: إذا كان نزع السياسة يعمل عبر تحويل العنف إلى إدارة، فإن الخطر المقابل هو أن يتحول التفكيك ذاته – إن انفصل عن الحساسية الإنسانية – إلى صيغة أخرى من البرودة التحليلية.
أهمية تعليق المتوكل طه لا تكمن في تقديم بديل نظري، بل في تذكير التحليل بحدوده. فهو يستعيد اللغة بوصفها فعلا كاشفا لا إداريا، ويعيد تثبيت فلسطين كذاكرة وجرح وسردية، وليس كمؤشر تحليلي فقط. لا ينقض فكرة فلسطين بوصفها اختبارا للنظام، لكنه يضغط عليها من الداخل، محذّرا من أن الانكشاف البنيوي، إذا لم يبق مشدودا إلى أثره الإنساني، قد ينزلق إلى تشييء جديد.
بهذا المعنى، تشكّل مداخلة المتوكل طه توترا ضروريا داخل المسار: توترا بين التحليل بوصفه أداة كشف، واللغة بوصفها مقاومة لنزع الحساسية. إنه لا “يكمل” الأطروحة، بل يمنعها من الاستقرار النهائي، ويُبقيها في حالة يقظة معرفية وأخلاقية.
2.4 الأستاذ محمد خالد
يأتي تعليق محمد خالد مقتضبا في صيغته، لكنه كثيف في دلالته، إذ يطرح سؤالا مركزيا حول قابلية إصلاح النظام الدولي، وجدوى الأدوات القانونية والحقوقية في مواجهة نظام يُظهِر التحليل أنه يوظّف الإبادة ذاتها كأداة إدارة، حين تفشل وسائطه الناعمة. هذا السؤال لا يُقرأ بوصفه تعبيرا عن ثقة ساذجة بالقانون الدولي، بل بوصفه اختبارا عمليا لأطروحة “الإبادة بوصفها وظيفة حكم”.
تكمن أهمية مداخلة محمد خالد في أنها تضع التحليل البنيوي أمام مأزق الفعل: إذا كان القانون يحضر بوظيفة التعليق لا الإلزام، وإذا كانت المؤسسات الدولية جزءا من آلية إدارة العنف، فما الذي يعنيه الحديث عن الإصلاح؟ وهل يمكن قلب هذا النظام من داخله، أم أن موازين القوى وتشابكات المصالح تجعل هذا الرهان جزءا من منطق الإدارة ذاته؟
لا يقدّم محمد خالد إجابة، لكنه يفتح فجوة ضرورية في التحليل، فجوة تمنع الاكتفاء بالتشخيص. سؤاله لا يستدعي انتظار تدخل دولي خلاصي، لكنه يختبر حدود القول باستحالة الإصلاح، ويدفع النقاش إلى مستوى استراتيجي يتجاوز الإدانة الأخلاقية، دون أن يسقط في وهم الحلول الجاهزة. بهذا المعنى، لا يتعارض تعليق محمد خالد مع الأطروحة، بل يضغط على أحد أكثر مواضعها حساسية: العلاقة بين الفهم البنيوي للنظام، وإمكانية الفعل داخله أو ضده. إنه يذكّر بأن التحليل، مهما بلغ من الدقة، يظل مطالبا بمواجهة سؤال الجدوى، لا لتقديم وصفات، بل لتحديد حدود الرهان بوضوح
3.4 الكاتب والناقد رزق المزعنن
رأى في المقال البحثي بأجزائه مادة مركزية لفهم العالم والتأسيس لمواجهة النظام لكنه طرح تساؤلا مهما “هل الحرب العالمية الثالثة مرشحة للانفجار؟” و“ما هي الأطراف التي يمكنها التصدي؟” و “ما هي إمكاناتها؟ ” طرح السؤال يعكس وضع الأمل على تدخل من الأعلى، أو قدرة النظام الدولي على الضبط. بينما التحليل البنيوي يعول على فهم النظام كما هو، باعتبار ذلك حجر الزاوية في التاسيس للتغيير بإعادة بناء أفق سياسي، عبر بناء السياسة من أسفل لا يقوم على انتظار الكارثة، بل على تفكيك منطق إدارتها. لكن أهمية تعليقه تكمن في طرح السؤال في مكانه الأصعب، حيث لا تكفي الإدانة ولا تجدي التطمينات.
4.4 الأستاذ هاني مندس
يركز على إدارة الألم عبر العقلانية الإدارية للسلام الزائف. وصفه مشروع ترامب للسلام بـ” إدارة ألم الشعب الفلسطيني دون الاعتراف به وحقوقه” يجسد الحقيقة ويبرز استمرار منطق إدارة الصراع ضمن النظام الدولي الجاري تشكيله لتكريس الأحادية القطبية، وفرض سلام الامتثال لمنطق القوة، بعيدا عن الاعتراف بالحقوق والسيادة، وبمعزل عن التوافق والشرعية الدولية.
5.4 الكاتب الصحفي التونسي الاستاذ البشير عبيد
تعليق عبيد يعكس قراءة وجدانية وأخلاقية للنصوص، ويؤكد أهميتها في دعم التفكير النقدي. ويظهر دورها في توسيع الفهم الجماعي وتعميق النقاش. مداخلته تعكس أثر المقالات حين تنقل للتداول العام، ما يدلل على أن اللغة التحليلية، حين تُصاغ بدقة، قادرة على ملامسة أسئلة عامة دون التفريط بعمقها.
تكشف هذه المداخلات، رغم اختلاف نبرتها وموقعها، عن نقاط اختبار داخل المسار التحليلي نفسه.
من المقال إلى الحقل: التفاعل بوصفه امتدادا بنيويا وإثراء للتحليل
لم تعمل التفاعلات التي رافقت الأجزاء الخمسة على تفسير الأفكار الواردة فيها أو تأكيدها فحسب، بل دفعت المقال البحثي إلى تجاوز حدوده الأولى، محوّلة إياه من طرح تحليلي مغلق إلى حقل نقاش مفتوح، أعاد مساءلة مفاهيم الإبادة، والنظام الدولي، ونزع السياسة، واللغة، وفلسطين بوصفها موقع انكشاف بنيوي.
أبرز ما كشفته هذه التفاعلات أن الإبادة لم تعد تُقرأ بوصفها حدثا استثنائيا أو انحرافا أخلاقيا داخل النظام الدولي، بل بوصفها وظيفة كامنة فيه، تُستدعى حين تفشل أدوات الضبط التقليدية السياسية والاقتصادية. فالإبادة، وفق هذا الفهم، لا تمثل انهيار النظام، بل لحظة انتظامه القصوى، حيث تُعاد هندسة الحياة نفسها وفق معايير النفع، والاستقرار، وقابلية الإدارة.
التفاعلات نقلت النقاش من البحث في دوافع الإبادة إلى تفكيك شروط إمكانها، أي من المستوى التفسيري إلى المستوى البنيوي. وضمن هذا الانتقال، لم تعد فلسطين تُفهم كقضية سياسية أو مأساة إنسانية، بل كموقع اختبار للنظام الدولي نفسه: اختبار يكشف أن القانون لا يعمل بوصفه أداة منع، بل بوصفه آلية تعليق، وأن الخطاب الحقوقي لا يحدّ من العنف، بل يعيد تنظيمه لغويا واخلاقيا.
وأظهرت، بشكل خاص، أن نزع السياسة لا يتم عبر القمع المباشر أو الإلغاء الصريح للصراع، بل عبر إعادة تعريفه ضمن منطق الحوكمة. فالديمقراطية، في صيغتها المعاصرة، لم تعد أفقا للصراع والمساءلة، بل إطارا لإدارة الاستقرار، حيث يُستبدل الفعل السياسي بالتقنيات، وتُحوَّل الأسئلة الجذرية إلى مشكلات إجرائية. في هذا السياق، تصبح الإبادة إجراء «عقلانيا» حين يُعاد توصيف الجماعة المستهدفة بوصفها خطرا، أو عبئا، أو حالة طوارئ دائمة.
أما اللغة، فقد ظهرت في التفاعلات ليس كوسيط محايد يصف الإبادة، بل كبنيتها التحتية الأكثر فاعلية. فاللغة الإنسانية والقانونية والإعلامية لا تكتفي بتبرير العنف بعد وقوعه، بل تُنتج مسبقا شروط قبوله، عبر تفكيك المسؤولية، وتذويب الفاعل، وتحويل الضحية إلى رقم أو حالة. وهكذا، تختفي الإبادة لغويا قبل أن تُستكمل ماديا.
في هذا الإطار، برزت غزة ليس فقط بوصفها نموذجا مكثفا لإدارة الإبادة، وليس كفعل تدمير شامل وفوري، بل كعملية قياس للحياة، ومعيار ضبط لمستويات البقاء، وإبقاء دائم للجماعة في منطقة ما دون الموت وما دون الحياة. وهو ما يجعل الإبادة الحديثة أقل ضجيجا، لكنها أكثر انتظاما ودمجها في منطق النظام.
ما يميز هذه التفاعلات، في مجموعها، أنها لم تسعَ إلى تقديم حلول أو بدائل جاهزة، بل عمّقت مأزق السؤال نفسه: هل يمكن لنظام بُني على نزع السياسة، وإدارة الحياة، وتحييد الصراع، أن يمنع الإبادة، أم أنه لا يستطيع إلا أن يعيد إنتاجها بأشكال أكثر تقنية وأقل فجاجة؟
من وهم الانسداد إلى إعادة تعريف أفق الفعل
قد يُساء فهم الإصرار على أن النظام الدولي “ينجح” في إدارة الإبادة بوصفه انسدادا أفقيا أو نفيا لإمكانية الفعل السياسي. المقاومة، في هذا السياق، لا تُعرّف بوصفها برنامجا سياسيا، ولا فعلا بطوليا، ولا ردّا مباشرا على العنف، بل نقيضا لمنطق الإدارة ذاته: أي كل فعل يعيد الصراع إلى لغة لا يستطيع النظام تحويلها إلى إجراء. غير أن هذا الاستنتاج لا ينبع من منطق التحليل، بل من افتراض مسبق يرى الفعل ممكنا فقط من داخل شروط النظام ذاته. فالتشخيص البنيوي لا يُغلق أفق السياسة، بل ينقله إلى مستوى آخر: من انتظار اختلال ميزان القوى، أو تدخل خارجي، إلى تفكيك الشروط التي تجعل الإبادة ممكنة وقابلة للإدارة. إن إعادة بناء السياسة من أسفل لا تُطرح هنا كحل جاهز، بل كتحوّل في موقع الفعل ذاته، وهو تحوّل له سوابق تاريخية تشكّلت دائما خارج لغة النظام لا من داخلها. فحركات التحرر الكبرى في القرن العشرين لم تبدأ حين ضعف النظام الاستعماري، بل حين بلغ ذروة انتظامه القانوني والإداري، وعجز رغم ذلك عن احتواء الصراع ضمن أدواته. لم يتفكك نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولم تتفكك الإمبراطوريات الأوروبية لأنها انهارت أخلاقيا أو عسكريا، بل لأنها فقدت القدرة على تحويل الحياة اليومية إلى مجال قابل للإدارة السياسية. هذه الأمثلة لا تُستدعى كنماذج قابلة للاستنساخ، بل كشواهد على أن الفعل السياسي يبدأ حين يُسحب الصراع من اللغة التي يدير بها النظام نجاحه، وحين يُعاد ربط السياسة بالزمن، والذاكرة، والجسد، والمعنى، خارج معايير الفعالية التي يعترف بها النظام نفسه. في هذا الإطار، لا يعود السؤال متى ينهار النظام، بل متى يفقد قدرته على تحويل الصراع إلى إجراء، والألم إلى ملف، والمستقبل إلى وعد مؤجّل.
من النص إلى المسار
الحوار النقدي يوضح أنه يمكن أن يصبح أداة مواجهة معرفية وسياسية. وأن تعدد مستويات القراءة حول الإبادة، النظام الدولي، والسياسة الفلسطينية. لاختلاف الخلفيات والأساليب، يكشف شبكة عريضة من القواسم المشتركة والفروقات التحليلية، ما يجعل النصوص والتعليقات فرصة لفهم أعمق للنظام الدولي والسياسة الفلسطينية بوصفهما ميدانا متشابكا بين الإدارة والحقوق والمسؤولية. الحوار أصبح مادة نظرية حية واختبارا عمليا في آن واحد.
بهذا المعنى، لا يشكّل هذا الجزء خاتمة للنقاش، بل انتقالا به إلى مستوى أخطر، حيث أصبح النقاش حول الإبادة، السياسة، واللغة جزءا من اختبار عملي لنظرية نزع السياسة. وتحولا من نص يحلل الإبادة، إلى حقل فكري تشاركي يكشف حدود التفكير نفسه حين يُحاصَر داخل لغة النظام الذي يسعى إلى نقده.



