منوعات

د. حسن بشارات: التحولات السلوكية لدى الأفراد بعد تولّي المناصب الإدارية

د. حسن بشارات 10-2-2026: التحولات السلوكية لدى الأفراد بعد تولّي المناصب الإدارية

يُلاحظ في البيئات المؤسسية والتنظيمية حدوث تغيّرات ملحوظة في سلوك بعض الأفراد، وأنماط تواصلهم، وأساليب إدارتهم للعلاقات الاجتماعية والمهنية عقب تكليفهم بمناصب أو مواقع إدارية، مقارنة بما كانوا عليه قبل تولّي تلك المسؤوليات. وتثير هذه الظاهرة تساؤلات علمية تتصل بطبيعة الشخصية، وديناميات السلطة، وتأثير الدور التنظيمي في البناء النفسي للفرد.

تشير الأدبيات النفسية إلى أن السلطة لا تُنتج بالضرورة سمات شخصية جديدة، بل تعمل على تنشيط وتضخيم البُنى النفسية القائمة لدى الفرد، وذلك على نحوٍ مشابه لما يحدث لدى بعض المصابين باضطرابات نفسية كانت انطلاقتها صدمة نفسية لم يتمكن الفرد من مواجهتها أو تجاوزها، في ظل وجود أرضية نفسية مُهيِّئة لظهور الاضطراب. ووفقًا للمنظور التحليلي ونظريات الشخصية، قد يؤدي تقلّد المناصب إلى تفعيل حاجات نفسية غير مُشبَعة، مثل الحاجة إلى التقدير، أو السيطرة، أو الأمان النفسي. وغالبًا ما تكون هذه الحاجات كامنة في مستوى اللاوعي، إلا أن المنصب يوفّر السياق الملائم لظهورها في صورة سلوكيات سلطوية، أو دفاعية، أو إقصائية.

ضغوط الدور الإداري

من جهة أخرى، تؤكد نظريات علم النفس التنظيمي أن الدور الإداري يتضمن مستويات مرتفعة من الضغط النفسي المرتبط باتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، وتوقعات الأداء، والخوف من الفشل أو المساءلة. وفي ظل غياب مهارات إدارة الضغط والدعم المؤسسي الكافي، قد يلجأ بعض الأفراد إلى آليات دفاع نفسية، مثل التشدد في التعامل، أو الانسحاب العاطفي، أو اعتماد التواصل القائم على الأوامر، بوصفها وسائل مؤقتة للشعور بالسيطرة وتقليل القلق.

تقمّص النماذج السلبية
تُبرز نظرية التعلّم الاجتماعي دور الخبرات السابقة في تشكيل السلوك الإداري؛ إذ قد يعمد بعض الأفراد، عند وصولهم إلى مواقع السلطة، إلى تقمّص نماذج قيادية سلبية تعرّضوا لها في مراحل سابقة من حياتهم المهنية، خصوصًا تلك التي اتسمت بالقمع، أو التسلط، أو غياب البعد الإنساني. ويحدث هذا التقمّص غالبًا بصورة غير واعية، فيتحول المنصب من أداة للتطوير إلى وسيلة لإعادة إنتاج أنماط تفاعلية مختلّة.

النضج النفسي

يرتبط الأداء الإداري السليم بدرجة النضج النفسي والتصالح الذاتي لدى الفرد. فالشخص المتوازن نفسيًا يدرك أن العلاقات الإنسانية تمثل ركيزة أساسية للاستقرار الفردي والمؤسسي، وأن المنصب ليس حالة دائمة، بل دور وظيفي متغيّر. كما يعي أن القيمة المهنية لا تنبع من السلطة ذاتها، بل من القدرة على بناء علاقات قائمة على الاحترام، والتواصل الفعّال، والمسؤولية الأخلاقية.

في المقابل، يسهم التفكير السلبي المشحون بالخوف، أو التعالي، أو الشعور بالتهديد في تشويه الخبرة الانفعالية للفرد، مما ينعكس على سلوكه الإداري في صورة ممارسات تنفّر المحيطين به، وتؤدي لاحقًا إلى تآكل الثقة والعلاقات المهنية، وربما إلى آثار سلبية على الصحة النفسية والتنظيمية على حدّ سواء.

ختامًا، يمكن القول إن المنصب الإداري لا يُعد اختبارًا للكفاءة الفنية فحسب، بل يُمثل اختبارًا حقيقيًا للنضج النفسي والقدرة على إدارة الذات قبل إدارة الآخرين. فكلما ارتفع مستوى الوعي الذاتي والمرونة النفسية، زادت احتمالية ممارسة القيادة بوصفها وظيفة إنسانية وأخلاقية، لا مجرد موقع سلطة.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى