ترجمات أجنبية

روبرت فياض: فريق ترمب بين القوة والارتباك… مبادرات سريعة وقرارات خاطفة

روبرت فياض 9-2-2026: فريق ترمب بين القوة والارتباك… مبادرات سريعة وقرارات خاطفة

في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، بلغ الارتباك داخل الصفوف العليا للحكومة الأميركية في شأن خطة واشنطن لإنهاء الحرب في أوكرانيا ذروة نادرة، لم أعرف لها مثيلا طوال خمسين عاما من متابعة السياسة الخارجية الأميركية. ففي العشرين من الشهر نفسه، مارس الرئيس دونالد ترمب ضغوطا مباشرة على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لحمله على قبول خطة سلام من ثمانية وعشرين بندا، وجرى تقديمها بوصفها مخرجا للحرب. لكن أعضاء في الكونغرس من الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، ما إن اطّلعوا على بنودها حتى رفضوها بقوة، معتبرين أنها أقرب إلى لائحة مطالب روسية مكتملة الصياغة.

ولم يطل الوقت قبل أن تكشف وسائل الإعلام أن الخطة ولدت في اجتماعات عقدت في منزل المبعوث الخاص لترمب ستيف ويتكوف، وبحضور صهره جاريد كوشنر، في ولاية فلوريدا، وبمشاركة مبعوث روسي خاص أرسله الرئيس فلاديمير بوتين.

وفي الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، بادر وزير الخارجية ماركو روبيو إلى الاتصال بعدد من أعضاء مجلس الشيوخ في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد. وكان يعرفهم جيدا من سنوات العمل المشتركة تحت قبة المجلس. غير أن هؤلاء ما لبثوا، بعد محادثاتهم معه مباشرة، أن نقلوا إلى وسائل الإعلام ما قالوا إنه تأكيد من روبيو بأن الخطة روسية المنشأ، وأن واشنطن لا تفعل أكثر من تمريرها إلى كييف. لكن وزارة الخارجية سارعت إلى نفي هذه الرواية، مؤكدة أن أعضاء مجلس الشيوخ أساءوا فهم الوزير، وأن البنود الثمانية والعشرين أميركية وعلى أوكرانيا التعامل معها على هذا الأساس.

ومع اتساع دائرة الانتقادات في واشنطن وأوروبا، قال ترمب لصحافة البيت الأبيض مساء ذلك اليوم إنه منفتح على تعديل الخطة. وبعد هذا الارتباك الذي كشف هشاشة المسار، تحرك ويتكوف وكوشنر على عجل مع المسؤولين الأوكرانيين، وتمكنا من بلورة خطة جديدة من عشرين بندا، شكلت لاحقا قاعدة المفاوضات مع موسكو وكييف خلال ديسمبر/كانون الأول، ويناير/كانون الثاني.

مبادرات سريعة وقرارات خاطفة

هذا المشهد لا يندرج في السياق المألوف لصنع القرار الأميركي. ولتفسير طريقة إدارة ترمب لملفات السياسة الخارجية، ينبغي إدراك أن بعض النجاحات- كتقليص نطاق الحرب في غزة وحدتها– قد تتجاور مع لحظات ارتباك لا تقل حدة، كتلك التي أحاطت بالخطة الأولى ذات الثمانية والعشرين بندا في أوكرانيا. فالرئيس يعتمد على دائرة ضيقة تتولى إدارة ملفات الشرق الأوسط وأوكرانيا، تتقدمها أسماء وازنة مثل وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، ونائب الرئيس فانس، وسوزان وايلز مديرة مكتب ترمب، إلى جانب ستيف ويتكوف، صديق ترمب القديم ورجل الأعمال الملياردير، وصهره جاريد كوشنر. وتتميز هذه الدائرة بقدرتها على اتخاذ القرار والتنفيذ بسرعة لافتة. وقربها المباشر من الرئيس يمنحها نافذة مفتوحة على كبار القادة حول العالم. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، استخدم ويتكوف وكوشنر ثقل ترمب للضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حتى وافق أخيرا على وقف إطلاق النار وخطة أميركية لإنهاء الحرب في غزة. وبحلول نهاية عام 2025، تمكن الفريق من زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة إلى ثلاثة أضعاف. كانت تلك خطوات ذات أثر ملموس، غير أن تثبيت وقف إطلاق النار يظل أسهل من صناعة سلام مستدام. فوقف النار في غزة بقي هشّا، ولم يجر احترامه بالكامل، بينما ظل وقف إطلاق النار في أوكرانيا أبعد منالا.

أخطاء وبطء في المتابعة

ليس من الغريب أن يعتمد الرؤساء الأميركيون على دائرة ضيقة في إدارة السياسة الخارجية، ولكن ما فعلته إدارة ترمب تجاوز ذلك، فأقالت في خطوة مفاجئة أكثر من نصف موظفي مجلس الأمن القومي. ومع هذا التقليص الحاد، تقلّص دور المجلس إلى حد بات فيه معزولا عن دوائر القرار العليا، وعاجزا عن متابعة تفاصيل القرارات الكبرى أو التحذير من تبعاتها قبل أن تتحول إلى أزمات. ولو سارت الأمور وفق المسار المؤسسي المعتاد في واشنطن، لكان المجلس قد نبّه ويتكوف وكوشنر وترمب إلى موجة الاعتراض التي أثارتها خطة البنود الثمانية والعشرين في أوكرانيا وأوروبا والكونغرس.

وفي الوقت نفسه، يقوم خارج هذا الإطار المؤسسي مساعدون مقربون من ويتكوف وكوشنر بأدوار تتجاوز خبراتهم. من بينهم جوش غرونباوم، مدير مالي من نيويورك يشارك في إدارة مفاوضات الحرب الأوكرانية، وآرييه لايتستون الذي يتولى التخطيط لإعادة إعمار غزة. ومع تفاقم أزمة المساعدات الإنسانية العام الماضي، قرر لايتستون ورؤساؤه تجاوز المنظومة الدولية للإغاثة واستحداث آلية بديلة. فجاءت عمليات “صندوق غزة الإنساني” بعيدة عن المعايير الدولية المعتمدة في العمل الإغاثي، ما عرّض الغزيين لمخاطر جسيمة أثناء محاولتهم الحصول على كميات محدودة من الغذاء، لتواجه لاحقا موجة واسعة من الانتقادات. في الوقت ذاته، لا يملك لايتستون ولا غرونباوم خبرة كافية في إدارة التنسيق المعقّد مع وزارة الخارجية ووزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات، حيث تُصاغ التفاصيل الدقيقة التي تمنح القرارات معناها وفاعليتها.

وليس مستغربا، في ضوء ذلك، أن تجد هذه الدائرة الصغيرة صعوبة في استيعاب التعقيدات الميدانية واستباق الانعطافات. فقد أخطأ ويتكوف مرارا في فهم المطالب الإقليمية الروسية، واعتقد في بعض المرات أن موسكو تتنازل عن أراض كانت في الواقع تحت سيطرة كييف أساسا. وفي مارس/آذار 2025، وبناء على محادثاته مع موسكو وكييف، أعلن البيت الأبيض التوصل إلى وقف جزئي لإطلاق النار يحد من استهداف البنى التحتية للطاقة في البلدين. لكن الاتفاق سرعان ما انهار، دون أن يترتب على ذلك أي عقوبات أو إجراءات ردعية.

وفي “منتدى دافوس” خلال يناير/كانون الثاني 2026، قال ويتكوف للإعلام إن الخلافات بين موسكو وكييف تقلصت إلى مسألة واحدة غير معلنة. وربما كان يقصد ملف السيطرة على الأراضي، غير أن هذا الملف ظل العقدة الأكبر والأكثر استعصاء. كما واصلت كييف تأكيدها العلني أن الضمانات الأمنية وخطة إعادة الإعمار لم تحسما بعد. وبعد زيارة ويتكوف وكوشنر لبوتين في 22 يناير/كانون الثاني، شددت الخارجية الروسية على أنها لن تتراجع عن مطالبها الإقليمية، فيما جدد مسؤولون روس الدعوة إلى تغيير الحكومة الأوكرانية الحالية. وهكذا بدا واضحا أن طريق الاتفاق النهائي لا تختصره “مسألة واحدة”، بل تعترضه حزمة معقدة من الشروط والتوازنات والرهانات.

وتبرز مشكلة أخرى لا تقل ثقلا في عمل هذه الدائرة التي تدير ملفي أوكرانيا وغزة، وهي ضيق الوقت وصعوبة المتابعة المستمرة. فقد تراجع الزخم المرتبط بخطة غزة أواخر الخريف الماضي، بينما كان ويتكوف وكوشنر منشغلين بالملف الأوكراني. وشكلا مجموعة عمل صغيرة داخل البيت الأبيض لمتابعة التنفيذ، لكنها أخفقت في تحقيق الشروط الأساسية للمرحلة الأولى. فاستمرت العمليات الإسرائيلية، وسقط أكثر من أربعمئة فلسطيني بعد بدء وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول، وبذلت جهود لفتح معبر رفح.

وفي “دافوس” هذا العام، ركز كوشنر وويتكوف على تحسن إيصال المساعدات الإنسانية، لكنهما تجاوزا إخفاقات المرحلة الأولى واندفعا نحو المرحلة الثانية. وقدما أفكارا من مجموعة العمل الخاصة بغزة، من بينها مشروع “صن رايز” الذي يقترح إعادة بناء رفح لاستيعاب نصف مليون غزي خلال بضع سنوات، وتحويل الساحل إلى وجهة سياحية فاخرة، إلى جانب إنشاء شبكة قطارات فائقة السرعة ونظام لوجستي تديره تقنيات الذكاء الاصطناعي. والتقديرات المالية ما تزال غير دقيقة، غير أن المشروع يحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات.

وعرض كوشنر في “دافوس” رؤية لامعة في الشكل، بعيدة في الجوهر عن واقع غزة. فلم يوضح أين سيقيم الغزيون خلال سنوات إعادة الإعمار، ولا كيف يمكن التعامل مع الأراضي غير الصالحة للزراعة، ولا كيف ستعالج مسألة الضربات الإسرائيلية المستمرة. وقد أقر بأن جذب استثمارات خاصة لتمويل المشروع غير ممكن من دون بيئة أمنية مستقرة، لكنه لم يتوقف عند حقيقة أن خطة القوة الدولية للاستقرار ما تزال غامضة وتحتاج وقتا طويلا لتأمين التعهدات وترجمة الأفكار إلى وقائع. أما خطته الخاصة بنزع سلاح “حماس”، فاقتصرت على مبادئ عامة مستعارة من تجارب أخرى لنزع سلاح الميليشيات، بلا خطوات تنفيذية أو جداول زمنية واضحة. فصياغة الأفكار ممكنة، ووضع التصورات ليس معضلة، لكن تحويلها إلى سياسة قابلة للحياة يتطلب وقتا وفِرقا خبيرة وقدرة على المتابعة الدقيقة. وليس واضحا أن فريق ترمب قادر على حشد هذا النوع من الجهد حتى النهاية.

عمل متعجل في “مجلس السلام”

في خريف العام الماضي، لم يكن لدى الدبلوماسيين الأميركيين تصور واضح لكيفية ترجمة الخطة الأميركية للسلام إلى آلية تنفيذ قابلة للحياة. ومع ذلك، لم يكن مجلس الأمن يملك بديلا جاهزا، فاعتمد الخطة في السابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عبر القرار 2803. وفي السادس عشر من يناير أُعلن عن إنشاء “مجلس السلام” لكن التحضيرات جاءت على عجل، ناقصة الملامح، وكأنها تسبق الإجابات بدل أن تتكئ عليها. فقد وجهت الدعوات إلى ستين حكومة قبل ستة أيام فقط من موعد التوقيع المقرر في الثالث والعشرين من يناير.

ومن الطبيعي أن تثير مبادرة بهذا الحجم أسئلة لدى كثير من الدول التي ستشعر بالتردد، ولكن من غير الطبيعي أن تعجز واشنطن عن توفير وقت كاف لتقديم إجابات مقنعة عن تلك الأسئلة والهواجس. وفي النهاية، امتنعت اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا عن الانضمام، وألغى الرئيس ترمب دعوة كندا. كما غاب الاتحاد الأوروبي عمليا عن المشهد، إذ لم تنضم أي دولة منه باستثناء المجر وبلغاريا، وهما دولتان صغيرتان لن تكونا في طليعة الممولين لإعادة إعمار غزة.

ولو أن المسؤولين الأميركيين ناقشوا أفكارهم بعيدا عن الأضواء، وراجعوا مسارهم قبل إعلان الميثاق بوقت كاف، لكان بالإمكان احتواء جانب من هذه الإشكالات. ويستحق التذكير أن إدارة فرانكلين روزفلت فاوضت دول العالم لعامين كاملين قبل تأسيس الأمم المتحدة عام 1945. وبعد تحرير الكويت ووقف إطلاق النار في فبراير/شباط 1991 الذي أنهى حرب الخليج، خاضت إدارة الرئيس بوش مفاوضات حثيثة على مدى ثمانية أشهر مع حكومات عدة لوضع صيغة مؤتمر مدريد للسلام في سبتمبر/أيلول 1991، وترتيب برامجه ولجانه. أما فريق ترمب، فيميل إلى تجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية في مبادراته الكبرى، جزئيا خشية تسريب المعلومات إلى الإعلام، وجزئيا بسبب تشككه في قدرة الدبلوماسيين على تقديم إسهام نوعي. وتفضل الدائرة الضيقة داخل الإدارة تنظيم فعاليات علنية تصنع الضجيج أولا، ثم العودة إلى التفاصيل لاحقا حين يسمح الوقت.

هل ينجح الفريق الصغير في غزة؟

في نهاية المطاف، لا يلوح لغزة مسار واقعي خارج الخطة الأميركية الواسعة، وقد تختار دول إضافية الانضمام إلى “مجلس السلام”. لكن غياب الدعم الغربي سيجعل عبء إعادة الإعمار أثقل على دول الخليج وعلى المجموعات الاستثمارية الخاصة. وفي الوقت نفسه، ما تزال الصلاحيات الدقيقة للفريق الفلسطيني التقني المكلف إدارة غزة غير محددة بوضوح، ما يفتح الباب أمام احتكاكات متوقعة مع القدس ستستدعي تدخلا أميركيا متكررا لضبط الإيقاع ومنع الانزلاق إلى تعطيل جديد.

وفي السادس عشر من يناير، أعلن البيت الأبيض تعيين آرييه لايتستون وجوش غرونباوم، مساعدي ويتكوف وكوشنر، مستشارين لـ”مجلس السلام”. ومن المفيد التذكير بأن كوشنر ولايتستون، بعد خيبة أملهما من مطالب السلطة الفلسطينية في 2018-2017، سعيا إلى تهميش الفلسطينيين في رؤية السلام الإقليمي خلال مفاوضات “اتفاقات إبراهام” بين 2019 و2020. كما تجدر الإشارة إلى أن غرونباوم كان من أبرز المشاركين في جهود إدارة ترمب لمعاقبة جامعات أميركية شهدت احتجاجات طلابية على دعم واشنطن لإسرائيل خلال حرب غزة.

ولتحقيق تقدم فعلي على الأرض، سيحتاج المدير العام لـ”مجلس السلام”، نيكولاي ملادينوف، والفريق الفلسطيني العامل معه إلى وصول دائم ودعم مباشر من الفريق الأميركي ومن ترمب نفسه. وتجربة الرئيس زيلينسكي الشاقة في أوكرانيا تقدم درسا لملادينوف وزملائه، إذ لن يحظوا في واشنطن بقدر الدعم السياسي الذي ناله زيلينسكي، ولا بهامش المناورة نفسه حين تتبدل الرياح داخل العاصمة الأميركية.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى