منوعات

محمد قاروط أبو رحمة: القوة ليست في الفكرة، بل في المنهج الذي يرى الفكرة: حركة فتح أنموذجًا

محمد قاروط أبو رحمة 30-1-2026: القوة ليست في الفكرة، بل في المنهج الذي يرى الفكرة: حركة فتح أنموذجًا

مقدّمة

ليست الأفكار، في ذاتها، قوى فاعلة أو حقائق مكتملة، ولا تنطوي في جوهرها على قدرة تلقائية على إحداث التغيير أو البناء. فهي، في أصلها، إمكانات ذهنية معلّقة بين التصور والتحقق، لا تكتسب معناها ولا فاعليتها إلا بقدر ما تُرى وتُفهم وتُؤوَّل ضمن إطار منهجي واعٍ. ومن هنا، فإن السؤال الجوهري لا ينبغي أن ينصرف إلى ماهية الفكرة بقدر ما ينبغي أن يتجه إلى كيفية النظر إليها. فالمنهج ليس أداة لاحقة تُضاف إلى الفكرة، بل هو الشرط المعرفي الذي يمنحها معناها، ويحدد اتجاهها، ويكشف قابليتها للتحول إلى فعل. وعليه، ينتقل مركز الثقل من مضمون الفكرة إلى البنية المنهجية التي تتعامل معها.

المحور الأول: الفكرة بوصفها إمكانًا لا حقيقة

الفكرة، من حيث هي فكرة، لا تتجاوز كونها إمكانية ذهنية مفتوحة على احتمالات متعددة. فهي لا تغدو فاعلة إلا عندما تدخل في نسق منهجي يمنحها موقعًا ودلالة وسياقًا. ومن دون هذا النسق، تبقى الفكرة طاقةً معطّلة، مهما بدت عميقة أو جذابة، وقابلة للتحول إلى شعار أو مسلّمة جامدة.

المحور الثاني: المنهج شرط الفهم لا لاحقه

الفهم ليس فعلًا محايدًا، بل عملية مشروطة بمنهج سابق يحدد زاوية الرؤية ومعايير التفسير وحدود التأويل. لذلك لا تُقرأ الفكرة كما هي في ذاتها، بل كما يسمح المنهج أن تُقرأ. فالمنهج يسبق الفكرة في الترتيب المعرفي، لأنه الإطار الذي يجعل الفهم ممكنًا أصلًا.

المحور الثالث: لماذا لا يحرّر الفكر إلا المنهج النقدي؟

حين تُفصل الفكرة عن المنهج، تميل إلى التحول إلى مسلّمة مغلقة أو عقيدة غير قابلة للمساءلة. والسبب في ذلك أن الفكر، بطبيعته الإنسانية، يميل إلى الاطمئنان إلى ما ينتجه من أجوبة، ويقاوم القلق الذي تفرضه الأسئلة المفتوحة. هنا يتدخل المنهج النقدي بوصفه الأداة الوحيدة القادرة على كسر هذا الاطمئنان الزائف.

فالمنهج النقدي يحرّر الفكر، أولًا، لأنه يمنعه من ادّعاء الاكتمال، ويُبقيه في حالة توتر معرفي خلاق. ويحرّره، ثانيًا، لأنه يحول دون تحوّل الفكرة إلى سلطة، إذ إن كل فكرة لا تُسائل تتحول تدريجيًا من أداة فهم إلى مرجعية مغلقة تُقاس بها العقول والوقائع. ويحرّره، ثالثًا، لأنه يعيد وصل الفكرة بالواقع المتغير، فلا تتعامل معه بوصفه عائقًا، بل بوصفه محكّ اختبار دائم لصلاحيتها. كما يحرّره، رابعًا، لأن النقد لا يعني النفي أو الهدم، بل الفحص والتصويب وإعادة البناء. وأخيرًا، يحرّره لأن البديل عن النقد ليس الاستقرار، بل العقيدة المغلقة التي تُكرَّر بدل أن تُفهم، وتُدافَع عنها بدل أن تُطوَّر.

بهذا المعنى، لا يحرّر النقد الفكر لأنه يهاجمه، بل لأنه يمنعه من التحجر، ويصون قابليته للتطور والمراجعة.

المحور الرابع: المنهج وصناعة المعنى

المعنى لا يسكن الفكرة في ذاتها، بل يُنتَج عبر المنهج. فالفكرة الواحدة قد تحمل معاني متباينة، بل متناقضة، تبعًا لاختلاف المناهج التي تتعامل معها. وهنا تتجلى حقيقة أن القوة لا تكمن في الفكرة ذاتها، بل في المنهج الذي يصنع معناها ويوجه أثرها.

المحور الخامس: خطورة المنهج المختل

الفكرة القوية حين تقع في يد منهج ضعيف أو انتقائي تتحول إلى أداة تشويه. فكثيرًا ما أُسيء استخدام أفكار عادلة، لا بسبب خلل في جوهرها، بل نتيجة خلل في منهج قراءتها وتوظيفها. ومن هنا، تتضح خطورة المنهج أكثر من خطورة الفكرة نفسها.

المحور السادس: المنهج بوصفه مسؤولية أخلاقية

المنهج ليس أداة معرفية فحسب، بل موقف أخلاقي والتزام بالمسؤولية تجاه مآلات الفكرة وأثرها في الإنسان والمجتمع. ومنهج بلا مسؤولية يحوّل الفكر من أداة تحرير إلى وسيلة تبرير، ومن فعل وعي إلى غطاء للخطأ.

المحور السابع: وحدة الفكرة وتعدد المناهج

قد تتشابه الأفكار في مضمونها العام، لكن نتائجها تختلف باختلاف المناهج التي تحتضنها. وهذا التفاوت يكشف أن العامل الحاسم ليس الفكرة ذاتها، بل الإطار المنهجي الذي يحتويها ويوجّهها.

المحور الثامن: المنهج والزمان

المنهج القادر على الاستمرار هو ذاك الذي يعيد قراءة الفكرة عبر الزمن دون أن يفقد بوصلته. فهو يسمح لها بالتجدد لا بالتكلس، وبالتفاعل لا بالتكرار، وبالحياة لا بالاستنساخ.

المحور التاسع: من التجريد إلى الفعل

الانتقال من الفكرة إلى الواقع لا يتحقق بالقناعة وحدها، بل بمنهج يربط بين النظرية والممارسة، ويختبر الفكرة في الميدان، ثم يعيد مساءلتها في ضوء النتائج.

المحور العاشر: إعادة ترتيب مركز القوة

يتبيّن، في ضوء ما سبق، أن الفكرة ليست مركز القوة، بل مادتها الخام. أما المنهج، فهو الذي يصقلها، ويمنحها اتجاهها، ويحوّلها من تصور ذهني إلى قوة فاعلة في الواقع.

خاتمة: حركة فتح أنموذجًا للمنهج المتشكل في التجربة

لهذه الأسباب مجتمعة، يتضح أن الرهان الحقيقي في أي مشروع فكري أو وطني لا ينبغي أن يكون على امتلاك الأفكار، بل على امتلاك المناهج القادرة على رؤيتها بوعي ومسؤولية. فالأفكار قد تتشابه، أما المناهج فهي التي تصنع الفارق.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة حركة فتح لا بوصفها فكرة مكتملة أو نموذجًا معصومًا، بل بوصفها شاهدًا تاريخيًا على أولوية المنهج على الفكرة. فلم يولد فكرها في فراغٍ نظري، ولا صيغ في عزلة فكرية، بل تشكّل في مسارٍ طويل من الفعل، والخطأ، والتصويب، وتحمل الكلفة. تعلّم المنهج من الحركة، واختُبرت الفكرة في الميدان قبل أن تُسائل في النص. وهكذا، لم تُقدَّم الرؤية بوصفها يقينًا نهائيًا، بل ثمرة تجربة وطنية راكمت وعيها بالإنجاز كما بالقصور، وأدركت أن القوة لا تكمن في الفكرة المجردة، بل في المنهج الذي يراجعها، ويصونها من التقديس، ويعيد وصلها بالواقع الفلسطيني المتغيّر.

كُتب بعد تجربة، لا قبلها؛ لأن الفكر الذي لا يمرّ بالميدان، لا يملك حقّ الادّعاء، ولأن الثورة، كما علّمتنا التجربة، فعلٌ يُنقّح وعيه أثناء السير، لا شعارٌ يُفرض قبل الامتحان.

ومن هنا، تشكّل المنهج الفتحاوي الأول على قاعدة العمل ثم التحليل، حيث لم تُمنَح الفكرة سلطة القيادة قبل أن تُختبر في الميدان.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى