معاريف: غزة تبنى من جديد وستكون لمن يبنيها، ما سيحل لإسرائيل مشكلة استراتيجية

معاريف 29/1/2026، ايلانا سوسان: غزة تبنى من جديد وستكون لمن يبنيها، ما سيحل لإسرائيل مشكلة استراتيجية
الخطاب في إسرائيل في موضوع غزة يتركز في مسألة اذا كانت السلطة الفلسطينية ستعود لتحكم هناك في اليوم التالي. هذا التخوف مفهوم. لكن السيناريو ليس واقعيا.
لقد كانت الفرضية الأساس في اتفاقات أوسلو هي إقامة دولة فلسطينية مستقبلا في قطاع غزة وفي يهودا والسامرة. معسكر السلام في إسرائيل دفع بهذا الاتجاه على مدى سنوات انطلاقا من ايمان بان إقامة دولة فلسطينية سيجلب حلا لمشاكل إسرائيل الأمنية على شكل سلام. غير أنه في هذا الحل كانت تكمن مشكلة إقليمية حادة رفض الكثيرون مواجهتها بصدق: إقامة دولة واحدة في غزة، يهودا والسامرة تفترض خلق تواصل إقليمي. كل ممر – فوقي او تحت ارضي – كان سيقطع إسرائيل ويخلق تهديدا امنيا. هذا ليس عنادا إسرائيليا، بل خلل بنيوي في النموذج نفسه.
الانتفاضة الثانية، فك الارتباط عن غزة وسيطرة حماس على القطاع عززت أكثر فأكثر هذا الفهم. غزة ويهودا والسامرة ليسا، ولن يكونا وحدة سياسية واحدة. محاولة توحيدهما في دولة واحدة يخلق مشاكل اكثر مما يخلق حلولا. على هذه الخلفية بدأ يتسلل خطاب آخر: ليس دولتين للشعبين بل ثلاثة كيانات منفصلة – إسرائيل، غزة ويهودا والسامرة. على الرغم من ذلك فان الاسرة الدولية وأجزاء من معسكر اليسار في إسرائيل واصلوا النظر الى السلطة الفلسطينية في رام الله كعنوان حتى لشؤون غزة. هذه هي قوة رؤيا مهيمنة يصعب عليها تعديل نفسها امام الواقع المتغير.
ان فكرة أن يحصل الفلسطينيون على كيانين سياسيين منفصلين لم تنخرط في الخطاب السياسي في إسرائيل وبالتأكيد لم يكن شيء يمكن لزعيم في اليمين ان يتنافس به في الانتخابات. لكن نتنياهو وحماس على حد سواء تقاسما توافقا صامتا مفاده ان السلطة الفلسطينية لن تعود الى غزة.
لقد أدت المذبحة التي نفذتها حماس في إسرائيل في 7 أكتوبر ورفض إعادة المخطوفين الى دمار غير مسبوق في غزة، لكن نشأت أيضا ثغرة لواقع آخر: غزة ستبنى من جديد، وستكون لمن يبنيها. ليس ككيان سياسي، بل ككيان اقتصادي – اداري، نموذج يذكر بصفاته أماكن مثل هونغ كونغ. سيقام فيها آلية إدارية تحت مظلة دولية – مشروع اعلى من الاعمار الاقتصادي. هذه ليست عودة الى أي شيء كان من قبل. فالواقع الجديد يتطلب حلولا جديدة، وهذه يعرف كيف ينتجها رجال الاعمال اكثر من السياسيين.
من ناحية إسرائيل، يحل الامر مشكلة استراتيجية أولى في سموها. في اللحظة التي تفصل فيها غزة سياسيا عن المعادلة، فان المطلب لتواصل إقليمي مع يهودا والسامرة يصبح لاغيا ملغيا. وعندما لا يكون تواصل إقليمي، لا يكون أيضا دولة فلسطينية بالمعنى الكلاسيكي الذي اصر العالم وأجزاء من اليسار في إسرائيل عليه في ظل تجاهل المخاطر الكامنة فيه.
تبقى إذن يهودا والسامرة. السؤال هو اذا كانت السلطة الفلسطينية قادرة على ان تؤدي مهامها كدولة مسؤولة. مبادرات دولية من الآونة الأخيرة تشترط هذا لتغيير في جهاز التعليم، في صراح حقيقي ضد الإرهاب، وفي وقف سياسة تحفيز غير مباشر للارهاب – ليس كتصريح، بل كأخذ مسؤولية سلطوية كاملة. هذا الحل كفيل بان يؤدي في نهاية الامر الى كونفدرالية للسلطة الفلسطينية والأردن، الدولة التي معظم سكانها فلسطينيون. هذا ارتباط طبيعي اكثر من أي محاولة مصطنعة لتوحيد غزة مع يهودا والسامرة.
هذا على ما يبدو هو السبب الذي جعل نتنياهو يرفض الحديث عن “اليوم التالي”: كل الحلول التي اقترحت قامت على أساس النموذج القديم الذي لم ينجح. ترامب، الذي عاد الى البيت الأبيض كرئيس لم يعد يتعلق بالانتخابات، ونتنياهو، يقفان اليوم في موقف مميز: في المكان السليم وفي الوقت السليم لمحاولة تصميم واقع إقليمي جديد. ترامب لم “يحل النزاع” هو ببساطة استبدل النموذج الذي كان غير عملي بنموذج آخر، تجاري. بالضبط مثلما استبدل التويتر بشبكة ” Truth Social” ومثلما استبدل الأمم المتحدة بمجلس السلام.



