ترجمات عبرية

يديعوت: تقف إسرائيل امام معضلة استراتيجية: هل تعمل بقوة ضد محاولات التموضع التركية

يديعوت 28/1/2026، رون بن يشاي: تقف إسرائيل امام معضلة استراتيجية: هل تعمل بقوة ضد محاولات التموضع التركية

 الشكل المفاجيء وعديم الرحمة الذي أدارت به إدارة ترامب ظهرها للاكراد في سوريا واطلقت ضوء أخضر لرجال الرئيس احمد الشرع الجهاديين لغزو أراضي الحكم الذاتي للاكراد في شمال شرق الدولة وذبحهم، يبعث على القلق في جهاز الامن في إسرائيل. ليس فقط لان هذا هجر عديم الاخلاق لحليف، وليس فقط لان  من شأن هذا ان يحصل لإسرائيل أيضا ذات يوم، بل أيضا لان القرار عن الخطوة اتخذت في واشنطن كنتيجة مباشرة لتأثير حاكم تركيا رجب طيب اردوغان على الرئيس الأمريكي: توم براك، سفير ترامب في تركيا ومبعوثه الشخصي الى سوريا كان العراب والمنفذ لهذه الخطوة المعيبة.

من زاوية نظر إسرائيلية، هامة اكثر حقيقة انه بالتوازي مع المعارك الجارية في المنطقة الكردية، قرر البيت الأبيض ان يخرج في المستقبل القريب جدا كل قواته من سوريا. ولمن نسي: شرقي الفرات عمل مقاتلون امريكيون بنجاعة كبيرة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (اكراد بالأساس وبعض القبائل العربية) ضد نحو 3 الاف من رجال داعش ممن استخدموا الإرهاب وحرب العصابات ضد الأنظمة المحلي والمصالح الامريكية في سوريا وفي العراق.

ليس هذه هي المرة الأولى التي يريد فيها ترامب اخراج قواته من سوريا. فقد حصل هذا أيضا في ولايته الأولى وعندها استخدمت إسرائيل نفوذها ومنعت الخطوة جزئيا. الان تبقى هناك نحو 900 مقاتل امريكي، وهذه المرة ترامب مصمم على اعادتهم الى الديار.

كان هذا احد المواضيع المركزية التي طرحت في اللقاء الأخير بين قائد القيادة المركزية الامريكية، الجنرال براد كوبر وبين رئيس الأركان ايال زمير. اخراج الجنود الأمريكيين من سوريا هو حجر طريق بارز في مسيرة تقلص فيها الولايات المتحدة كسياسة رسمية قواتها العسكرية في مناطق استراتيجية في الشرق الأوسط.

منطق الإدارة، مثلما ورد في وثيقة “استراتيجية الدفاع القومية” التي نشرها البنتاغون يوم السبت هو ان يساهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بنصيب واسع وفاعلية اكبر في ا لدفاع عن مصالحهم في وجه القوى المعادية من ايران وفروعها. وتعرض إسرائيل في الوثيقة كنموذج للاقتداء: دولة تعرف كيف تدافع عن نفسها مع ما وصف “مساعدة محدودة” من الولايات المتحدة.

لكن في إسرائيل قلقون من أن سحب القوات الامريكية من المنطقة يقلص قدرات الاخطار وحرية العمل الجوي التي لديهم في المنطقة. والأخطر هو ان الفراغ الناشيء عقب انسحاب الولايات المتحدة يضعضع الاستقرار في المنطقة وهذا يهدد النظام في الأردن ويسمح لجهات معادية لإسرائيل – من تركيا وحتى الميليشيات الشيعية في العراق – على الاقتراب من حدودها في الشرق وفي الشمال.

ان تعزز نفوذ تركيا وقطر على البيت الأبيض، مما يقلق قادة الامن والسياسة في إسرائيل، هو نتيجة حوار حميم وصفقات مشتركة بين حكامهما وبين ترامب ومقربيه. هذا النفوذ يجبر الحكومة والجيش الإسرائيلي ان يبتلعا ضفادع يفرضها عليهما ترامب في مواضيع امن في سياق سوريا وغزة.

 في اسرة الاستخبارات الإسرائيلية يشيرون الى أنه بدلا من المحور الشيعي الذي ضعف تتشكل امام إسرائيل قوة جديدة: المحور السني بقيادة قطر وتركيا، وبمشاركة هادئة من الباكستان وربما دول أخرى في المنطقة، كلها تميل الى أيديولوجيا الاخوان المسلمين. في هذه المرحلة لا يشكل هذا بعد تهديدا فوريا ومباشرا على إسرائيل لكن خطاب اردوغان وحاكم قطر آل ثاني يشكل مؤشرا واضحا على خطره.

تركيا تحوز الجيش الثاني في حجمه في الناتو، وهو يواصل التعاظم. في هذه المرحلة لا يوجد مؤشر يدل على ان من شأنه ان يصبح عدوا عسكريا، لكن إسرائيل تحاول صد محاولات تموضعه في سوريا وفي قطاع غزة. وبالنسبة لقطر ستواصل حرب الوعي والنفوذ السياسي الذي يمس بشدة في صورة ومكانة إسرائيل الدولية وبخاصة في الولايات المتحدة.

غير أن المشكلة الأساس التي تقلق إسرائيل في هذه اللحظة هي انتشار تركيا ومحاولاتها للتموضع العسكري في سوريا. هذه الامبريالية الجديدة التي تحاول تحويل سوريا الى جريرة او دولة مرعية تخدم مصالح اردوغان، لا يستهدف فقط تحقيق مرابح اقتصادية من الاعمار بالمال السعودي بل أيضا منح الجيش التركي القدرة على ان ينشر على مقربة من إسرائيل منظومات رادار، دفاع جوي وقواعد متقدمة، وهكذا يقيد جيدا حرية العمل الجوي لديها في سماء سوريا والعراق.

حرية العمل الجوي هذه هي الذخر الاستراتيجي الأهم تقريبا لإسرائيل حيال ايران وتهديدات أخرى. من فوق سوريا والعراق تمر المسارات الجوية التي اتاحت لطائرات سلاح الجو العمل بحرية في حملة الأسد الصاعد غربي ايران، وسطها وجنوبها. حرية العمل الجوي ضرورية لاجل المنع في المستقبل التعاظم والنوايا الهجومية من جانب جهات معادية تعمل في سوريا، العراق ولبنان.

في وضع كهذا ستقف إسرائيل امام معضلة استراتيجية صعبة: هل تعمل بقوة ضد محاولات التموضع التركية حتى بثمن احتكاك عسكري مباشر مع دولة عضو في الناتو ذات علاقات وثيقة مع واشنطن ام تتجلد وتسمح بقضم خطير لذخرها الاستراتيجي الهام.

التخوف في جهاز الامن هو أن مسيرة كهذه لن تحصل في يوم واحد بل بالتدريج؛ “تنقيط” لخطوات تركية صغيرة، كل واحدة منها بحد ذاتها لا تبرر ردا حادا لكن تراكمها سيخلق في غضون اشهر او سنين واقعا جديدا لا تكون فيها سماء سوريا والعراق مفتوحة لإسرائيل.

الى هذا تضاف حقيقة أن واشنطن تحت إدارة ترامب تبدي استعدادا اقل بكثير للمواجهات واستثمار مقدرات عسكرية في الشرق الأوسط وتركز اكثر على الصين، أوكرانيا والساحة الداخلية فيها. في مثل هذا الوضع، من شأن إسرائيل أن تجد نفسها وحدها تقريبا في المعركة على حماية حرية عملها الجوي في الشمال.

من هنا تنبع التوصية المركزية لأجهزة الامن الى المستوى السياسي: عدم الانتظار الى أن يتثبت الواقع الجديد بل العمل منذ الان في ثلاثة آفاق. الأول، في الساحة السياسية حيال واشنطن: رئيس الوزراء نتنياهو ينبغي له ويمكنه أن يمارس كل النفوذ الذي لديه مباشرة على ترامب ومنظمات يهودية أمريكية يمكنها أن تعمل في الكونغرس لخلق وزن مضاد للنفوذ القطري – التركي.

الأفق الثاني، على الجيش الإسرائيلي أن يعزز بكل الوسائل منظومة الدفاع على الحدود مع سوريا الأردن. الوسيلة الثالثة، هي تعزيز الحلف مع اتحاد الامارات والتعاون مع السعودية ودول سنية معتدلة أخرى.

عند الحاجة يحتمل أن تكون ضرورة للعمل عسكريا أيضا لاجل رسم خطوط حمراء واضحة لتركيا ومنعها من تحويل سوريا الى ساحة نفوذ عسكري مباشر لها. في كل حال، القلق ليس خطة عمل. المهمة الاستراتيجية وعلى ما يبدو الأهم التي تقف امامها إسرائيل هي الاعتراف بالواقع الجديد المتشكل في الشرق وفي الشمال والاستعداد له على نحو صائب وبسرعة.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى