ترجمات أجنبية

فورين أفيرز: “وادي السيليكون” والأمن القومي الأميركي، الابتكار في التكنولوجيا العسكرية يتطلب تدخل الحكومة

فورين أفيرز 8-1-2026، مارغريت مولينز: “وادي السيليكون” والأمن القومي الأميركي الابتكار في التكنولوجيا العسكرية يتطلب تدخل الحكومة

مارغريت مولينز

خلال صيف عام 1993، أقام وزير الدفاع في إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون، ليس أسبين، ونائبه ويليام بيري، عشاء في البنتاغون لقادة قطاع الصناعات الدفاعية. وأبلغا الجمع بأن الحرب الباردة قد انتهت، وأن الموازنة الفيدرالية لن تكفي لدعمهم جميعاً. ففي ظل انعدام وجود تهديد سوفياتي في الأفق لتبرير الاستمرار في رفع موازنات الدفاع، أصبح من الضروري إجراء عملية ترشيد.

بعد عقد هذا الاجتماع مباشرة، أصبح يشار إليه باسم “العشاء الأخير” وهو لقب خرج به الرئيس التنفيذي لـ”شركة مارتن ماريتا”، الشركة الكبرى في مجال الفضاء والدفاع التي اندمجت عام 1995 مع “شركة لوكهيد”. وتبعت ذلك عمليات دمج مماثلة. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا الاجتماع يستخدم بوصفه القصة التأسيسية التي تستخدم لتفسير سبب فقدان قاعدة الصناعات العسكرية الأميركية قدرتها على تلبية حاجات الجيش، وسبب تحول عملية شراء المعدات الدفاعية إلى عملية مرهقة للغاية. فوفقاً لهذه الرواية، تدخلت وزارة الدفاع في شؤون هذا القطاع وأهملته في الوقت نفسه، مما أدى إلى ظهور شركات عملاقة متخشبة تهيمن عليه اليوم، بينما قطعت سبل المنافسة أمام الشركات التكنولوجية الناشئة.

بالفعل، يعاني نظام المشتريات الدفاعية خللاً بنيوياً. فالولايات المتحدة لا تستطيع إنتاج المواد الحيوية بالسرعة والحجم المطلوبين عند اندلاع الأزمات. وعلى رغم أنها تنفق على الدفاع أكثر مما تنفقه الدول التسع التالية مجتمعة، فإنها تواجه أزمة مزدوجة في التحديث وفي القدرة الإنتاجية. في الآونة الأخيرة، حملت مجموعة صاعدة من قادة شركات التكنولوجيا العسكرية في “وادي السيليكون” ومموليهم، من بينهم أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة “بالانتير” Palantir، وبالمر لاكي، مؤسس “أندوريل” Anduril، وكاثرين بويل، الشريكة المؤسسة لمبادرة American Dynamism التابعة لشركة رأس المال المغامر [تستثمر في الشركات الناشئة عالية المخاطر] أندريسن هورويتز، المسؤولية للقيود الحكومية المفرطة وللتدخل الحكومي. ويرى هؤلاء أن جزءاً كبيراً من التمويل لا يزال يتجه إلى برامج تقليدية ضخمة وإلى كبار المتعاقدين. وذهب بعضهم إلى إبراز اجتماع “العشاء الأخير” بوصفه لحظة الانعطاف التي أصبحت بعدها المشتريات بطيئة، والمتطلبات متضخمة، وصيغ تعاقدية مكبلة بعقلية الخوف من المخاطرة إلى حد يخنق الابتكار.

صحيح أن الرواية التي قدموها لتفسير التدهور تبدو منطقية، لكنها غير دقيقة. ولم يكُن “العشاء الأخير” بداية حقبة مظلمة بالنسبة إلى هذا القطاع. فعندما استضاف أسبين وبيري العشاء، كان قطاع الصناعات الدفاعية، شأنه شأن جميع قطاعات التصنيع في الولايات المتحدة تقريباً، قد أضعف بسبب العولمة وهيمنة القطاع المالي على الاقتصاد الأميركي وتخفيض موازنة الدفاع منذ عام 1986 ومحاولات أوسع لإخضاع الدولة لمنطق إدارة الشركات الخاصة. في الواقع، بعد “العشاء الأخير”، لجأ واضعو السياسات مراراً وتكراراً إلى الحلول ذاتها التي يقترحها قادة التكنولوجيا في “وادي السيليكون” اليوم لمعالجة مشكلات الوزارة: فقد قاموا بتخفيف القيود التنظيمية عن هذا القطاع والاستعانة بالقطاع الخاص لتولي القدرات الإنتاجية. في الواقع، لم تسهم هذه الاستراتيجيات في حل المشكلات، بل كانت هي نفسها سبباً مباشراً في خلق الأزمات التي يعانيها القطاع اليوم.

من المرجح أن تفشل الرؤية البديلة التي يطرحها قادة تكنولوجيا الدفاع في شأن المشتريات، تماماً كما فشلت محاولات رفع القيود التنظيمية السابقة. ولا ينبغي لواشنطن أن تتسرع في التعامل مع انتقادات “وادي السيليكون” وكأنها حقيقة مطلقة، بل عليها أن تقر بأن الدفاع الوطني ليس، ولن يكون أبداً، سوقاً تنافسية عادية، وأن تستثمر في قدرات الحكومة نفسها على الإشراف على الإنتاج العسكري ودمج التكنولوجيا الجديدة وإدارة المنافسة.

عملاق هش

تشكلت قاعدة الصناعات الدفاعية الأميركية الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، بفضل الاستثمارات الضخمة التي ضختها الحكومة مع ما ترافق من تدمير للقدرات الإنتاجية الأجنبية نتيجة للحرب. وقبل الحرب، كانت الحكومة تجري الأبحاث والتطوير وتنتج معظم الأسلحة في الداخل، في مخازن الأسلحة العامة وأحواض بناء السفن والمختبرات. وخلال الحرب العالمية الثانية، استعانت الحكومة بشركات مرموقة مثل “كرايسلر” و”آي بي أم” لتصنيع مجموعة متنوعة من المنتجات المتعلقة بالدفاع، من الدبابات إلى المحركات والبنادق. واستمرت هذه الشراكة المثمرة بصورة عامة بين الجيش والقطاع الصناعي حتى بعد انتهاء الحرب، مما أسهم في تعزيز مساعي التفوق على الاتحاد السوفياتي في المنافسة التكنولوجية في بدايات الحرب الباردة وحفز الابتكار في مجال الأمن القومي، فولد فوائد إيجابية على الاقتصاد الأميركي ككل. وأدى الاستثمار والتوجيه الحكومي الذي اقترن بالخبرات في القطاع الصناعي إلى ابتكار وتسويق اختراعات من قبيل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والإنترنت وأشباه الموصلات.

لكن بحلول سبعينيات القرن الماضي، بدأت أسواق التصنيع والتكنولوجيا في الخارج تزدهر من جديد. فقدمت الحكومات الأجنبية منحاً مالية لدعم الإنتاج المحلي للإلكترونيات والسفن وقطع غيار الطائرات وغيرها، واضطرت شركات الدفاع الأميركية إلى إيجاد طرق للحفاظ على قدرتها التنافسية. واستغلت الشركات الأميركية انخفاض أجور اليد العاملة في الخارج، فقامت بنقل أجزاء من سلاسل التوريد الخاصة بها إلى آسيا وأوروبا. ثم جاءت الثمانينيات لتجلب معها ما يعرف بـ”الهندسة المالية” إلى قطاع الدفاع. كما أن تهديدات الاستحواذ العدائي وإجراءات إعادة الهيكلة التي اتخذت للدفاع ضدها، إضافة إلى مديرين تنفيذيين مهووسين بتعظيم الأرباح، أغرقت شركات مثل “لوكهيد” و”مارتن ماريتا” في الديون، فأصبحت أضعف وأكثر اعتماداً على سخاء وزارة الدفاع للبقاء.

ونتيجة لذلك، بدأ قطاع الدفاع الأميركي بالانكماش قبل وقت طويل من “العشاء الأخير”. وأخفت طفرة الإنفاق الدفاعي التي كانت محور استراتيجية الرئيس رونالد ريغان المتشددة في الحرب الباردة في أوائل الثمانينيات الآثار الضارة التي أحدثتها العولمة والتحول نحو الاقتصاد المالي على هذا القطاع، إنما بصورة موقتة فقط. وعندما بدأ ريغان بخفض الإنفاق على الدفاع عام 1986، لم تؤدِّ هذه الخطوة سوى إلى تسريع عملية تجويف هذا القطاع المتضخم. ووجد تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عام 1989 أن عدد الموردين في القطاعات الفرعية للدفاع انخفض بنسبة 67 في المئة بين عامي 1982 و1987.

وفي عدد من القطاعات الفرعية الرئيسة، كان الوضع سيئاً على نحو خاص. فقد كانت الشركات الأربع الكبرى في مجال صناعة الغواصات وفي مجال صواريخ الإطلاق الفضائي تمتلك 99 في المئة و97 في المئة من حصة السوق في كل من هذين القطاعين على التوالي. أما الشركات الأربع الكبرى المصنعة لأقمار المراقبة والكشف، فاستحوذت على 100 في المئة من حصة السوق في القطاع الفرعي الخاص بها. وفي الوقت نفسه، كانت الشركات الكبرى، بما في ذلك “كرايسلر” و”فورد” و”آي بي أم”، تنسحب من قطاع الدفاع. وبحلول عام 1990، كانت الشركات الثلاث غادرت القطاع إلى حد كبير، بعد أن خلصت إلى أن قلة العقود وتقلص الموازنات سيجعلان إنتاج التجهيزات العسكرية أقل ربحية من صناعة السيارات وأجهزة الكمبيوتر الشخصية.

وبدلاً من أن تعوض الحكومة عن نقل شركات الصناعات الدفاعية الأميركية أعمالها إلى الخارج، وعن موجة الاندماج والانكماش التي شهدها هذا القطاع، عبر تعزيز القدرات المحلية، اختارت أن تحاكي اتجاهات القطاع الخاص. وبالنسبة إلى وزارة الدفاع، كان ذلك يعني التخلي عن قدرتها الإنتاجية الذاتية. ولم تسفر عملية نقل إنتاج كثير من القدرات العسكرية الأساسية إلى القطاع الخاص عن نقل الإنتاج بطريقة فاعلة من ناحية الكلفة، بل أدت إلى اختفاء بعض القدرات الإنتاجية بصورة كاملة. فلنأخذ صناعة السفن على سبيل المثال. قبل الحرب العالمية الثانية، كانت أحواض بناء السفن التابعة للحكومة تدير ما يقارب نصف عمليات البحث والتصميم والبناء والصيانة الخاصة بسفن البحرية الأميركية. ومن عام 1953 إلى عام 1960، قفزت حصة الأحواض الخاصة لبناء السفن في عقود بناء وإصلاح السفن الجديدة من 55 إلى 85 في المئة. ولكن بحلول سبعينيات القرن الماضي، توقفت بعض شركات بناء السفن الخاصة الكبيرة عن المشاركة في المناقصات الخاصة بأعمال البحرية. وبدلاً من إعادة الاستثمار في خيار القطاع العام، عمدت إدارة ريغان إلى تقييد دور الحكومة بشكل أكبر، إذ ألغت برنامج إعانات البناء الذي كان يشكل دعامة لأعمال بناء السفن التجارية منذ ثلاثينيات القرن الماضي. ولم يتعافَ قطاع بناء السفن المحلي، سواء لسلاح البحرية أو للقطاع التجاري، من ذلك أبداً.

واتجهت واشنطن كذلك إلى خصخصة الخدمات وتقليص عدد الموظفين. وبين عامي 1981 و1987، استعانت وزارة الدفاع بمقاولين من القطاع الخاص لتوفير ما يقارب 40 ألف وظيفة خدمية في المنشآت العسكرية، بحجة ترشيد النفقات. لكن العقود كانت في الغالب مصاغة على نحو سيئ ومقيدة بتعريفات ضيقة للغاية، وفي معظم الحالات، اكتشفت الشركات التي تولت المهمة أن كلفة تنفيذها على أرض الواقع كانت أعلى من المتوقع. ونظراً إلى أن العقود حملت الحكومة مسؤولية الكلف الإضافية، فقد انتهى الأمر بواشنطن في كثير من الأحيان إلى دفع مبالغ أكبر لهذه الشركات الخاصة مما كانت لتدفعه لموظفيها المدنيين. وعندما حلت نهاية العقود، لم تعُد الحكومة قادرة على الاعتماد على مواردها الخاصة، نظراً إلى تخليها عن الكفاءات الداخلية.

الاجتثاث والتدمير

عام 1989، كتب جاك غانسلر، الباحث في شؤون مشتريات الدفاع الذي أصبح لاحقاً وكيلاً لوزارة الدفاع، أن شركات الصناعات الدفاعية وأقسام الدفاع في الشركات المتنوعة كانت تعاني “ديوناً ثقيلة وصعوبات في الاقتراض وفائضاً كبيراً في الطاقة الإنتاجية وضعفاً في توليد النقد وأخطاراً عالية (ومتزايدة)، وتقادم معدات الإنتاج وضآلة الاستثمار الرأسمالي وانخفاضاً نسبياً في الإنتاجية وتفاوتاً في الجودة وارتفاعاً سريعاً في الأسعار”. وخلال رئاسة جورج بوش الأب، حذرت وزارة الدفاع من أن إعادة هيكلة شاملة للقطاع باتت أمراً لا مفر منه.

وفي الوقت نفسه، وبحلول أوائل التسعينيات، كان قد أصبح واضحاً أن التقنيات الناشئة التي بات تطويرها يجري على نحو متزايد في القطاع الخاص، ينبغي أن تقوم بدور مهم في الأمن القومي. وكان على وزارة الدفاع أن تعتمد نهجاً جديداً لاقتناء هذه التكنولوجيا ودمجها في الجيش. لكن بدلاً من تعزيز قدرات البنتاغون والاستثمار في الكفاءات الداخلية وفي قدرات البحث والإنتاج، تبنّت إدارة كلينتون سياسة “التكامل المدني- العسكري” التي كان يفترض تحقيقها من خلال رفع القيود التنظيمية عن الصناعة، وتطوير وتشجيع إنتاج تقنيات مزدوجة الاستخدام صالحة للأغراض العسكرية والمدنية معاً بهدف خلق أسواق خاصة للمنتجات الدفاعية، وشراء المنتجات التجارية، كلما أمكن، بدلاً من المنتجات المصممة خصيصاً للجيش. وبدعم من الحزبين في الكونغرس، وقع كلينتون قانون تبسيط المشتريات الفيدرالية عام 1994، وقانون كلينغر–كوهين عام 1996 اللذين قلصا المتطلبات واللوائح الخاصة بالجيش، وأرسيا تفضيلاً افتراضياً للتكنولوجيا التجارية، وبسطا إجراءات اقتناء تكنولوجيا المعلومات.

لكن كثيراً من هذه الإصلاحات لم يحقق الأثر المأمول. فقد أدت الخصخصة وتقليص القوى العاملة ورفع القيود التنظيمية إلى أن أصبح عدد أقل من الموظفين مطالباً بإدارة عقود أكثر تعقيداً وبتوجيه أقل. كما أن تعهيد وظائف تكنولوجيا المعلومات ومعالجة البيانات – وهما من ركائز ثورة القطاع الخاص الناشئة – جعل الوزارة أقل قدرة على فهم التكنولوجيا الجديدة واعتمادها. كذلك فإن تقليص القوى العاملة الذي استمر بموجب توجيه من الكونغرس عام 1996، أصاب كوادر منظومة التعاقدات الدفاعية على نحو خاص. وفي المحصلة، تقلص حجم قوة العمل الحكومية في مجال مشتريات الدفاع بنسبة 50 في المئة بين عامي 1989 و1999.

ولم تنجح الإدارات اللاحقة في وقف التراجع النسبي لقدرة الدولة. فبين عامي 2001 و2015، زاد عدد العاملين في جهاز التعاقدات الدفاعية بنسبة 21 في المئة، في حين ارتفعت التزامات الإنفاق على العقود الدفاعية بنسبة 43 في المئة. وبين عامي 2015 و2020، لم تزِد القوة العاملة سوى بنسبة 18 في المئة، مقابل زيادة في الالتزامات بلغت 41 في المئة. وعلى رغم أن إدارة أوباما أنشأت “وحدة الابتكار الدفاعي”، وأن إدارة ترمب الأولى وسعت استخدام “اتفاقات المعاملات الأخرى”، وأن إدارة بايدن طورت برامج مثل “احتياطي التجارب الدفاعية السريعة” و”مسارات الميزة التنافسية” لتحسين دمج التكنولوجيا الناشئة، فإن أياً من ذلك لم يحدث إصلاحات كبرى في قدرة الدولة.

اليوم، يجادل عدد من الأصوات البارزة في منظومة تكنولوجيا الدفاع الجديدة ومموليهم بأن رفع القيود التنظيمية خلال عهد كلينتون لم يذهب بعيداً بما يكفي. وهم يرون أن الحكومة، في جوهرها، شديدة النفور من المخاطرة، ومقيدة باعتبارات دافعي الضرائب، وعدائية تجاه الوافدين الجدد إلى هذا القطاع. فعلى سبيل المثال، يحمل شيام سانكار، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة “بالانتير”، اجتماع “العشاء الأخير” مسؤولية “فصل الابتكار التجاري عن مجال الدفاع”. ومن وجهة نظر هؤلاء الوافدين الجدد نسبياً إلى الصناعة، فإن الإجراءات شديدة التعقيد لوزارة الدفاع وهياكل عقودها ومتطلباتها المتعلقة بالبيانات، تغلق الباب أمام جيل جديد من المبتكرين. وهم يرون أن على وزارة الدفاع أن تقلص متطلبات المواصفات العسكرية للتكنولوجيا الجديدة، وأن تخفف متطلبات الامتثال على الداخلين الجدد، بل أن تزيد المنافسة داخل الوزارة نفسها عبر جعل مكاتب البرامج تتنافس في ما بينها.

ظاهرياً، يبدو تشخيصهم مقنعاً. لكن هؤلاء القادة يتجاهلون أن حزمة السياسات التي يفضلونها والتي يطلق عليها بعضهم، في إشارة ساخرة، اسم “الفطور الأول” – قد جربت من قبل وفشلت. فكثير من التدابير الرامية إلى خفض الحواجز من شأنه أن يعرض وزارة الدفاع ودافعي الضرائب الأميركيين لأخطار أكبر من دون مقابل يوازيها. فمن خلال تخفيف الأعباء التنظيمية ومتطلبات التقارير على الشركات الجديدة والتجارية، ستفقد وزارة الدفاع إمكان الوصول إلى بيانات أساسية لتحديد ما إذا كانت وعود الشركة التسويقية تطابق منتجها الفعلي، وما إذا كانت قادرة على توسيع الإنتاج وتسليم المنتج، وما إذا كانت تفرض أسعاراً مبالغاً فيها. وباستخدام صيغ تعاقدية أكثر مرونة للإنتاج، ستجبر وزارة الدفاع على الاعتماد على الفهم العام لمسؤولي التعاقدات الدفاعية للشركات والتكنولوجيا والسوق عند التفاوض على أسعار وشروط عادلة، بدلاً من امتلاك رؤية مباشرة إلى أوضاع شركات بعينها. كما أن توسيع تعريف “المتعاقدين الدفاعيين غير التقليديين” قد يشجع بعض الشركات الأقدم والأكثر رسوخاً، سواء التقليدية أو غير التقليدية، على إعادة هيكلة شكلية فقط من أجل الوصول إلى الإجراءات الأكثر مرونة في الوزارة، المصممة أصلاً لتسهيل دخول الشركات الناشئة.

ويجادل قادة تكنولوجيا الدفاع بأن توسيع استخدام عقود السعر الثابت التي تنقل أخطار الكلفة (وأيضاً الأرباح المحتملة) إلى المتعاقد، سيسمح للشركات بالابتكار بوتيرة أسرع. وعلى خلاف عقود “الكلفة زائد ربح” التي تتيح هامش ربح أقل لكنها تسمح للحكومة بتحمل الأخطار في الأنظمة التي تتطلب قفزات تكنولوجية كبيرة أو تنطوي على قدر كبير من عدم اليقين، تستخدم عقود السعر الثابت عادة في الصفقات المتعلقة بتكنولوجيا راسخة وتجارية ذات متطلبات واضحة، غير أن التجربة التاريخية تظهر أنه كلما حاولت الوزارة الاعتماد أكثر على عقود السعر الثابت لتوفير المال ونقل أخطار الابتكار إلى القطاع الخاص، تضخمت الكلف وتأخرت جداول التطوير وبقيت الحكومة في نهاية المطاف مسؤولة عن الأخطار.

تبدو شركات تكنولوجيا الدفاع وكأنها تعتبر نفسها محصنة ضد حال عدم اليقين التي تدفع الحكومة غالباً إلى اللجوء إلى عقود “الكلفة زائد ربح” لتطوير التكنولوجيا الناشئة لأنها تدعي أن ممولي رأس المال المغامر سيتحملون الأخطار، مما يتيح لها تحقيق قفزات ابتكارية في إطار عقود السعر الثابت. لكن على المدى الطويل، من المرجح أن تسعى هذه الشركات ومموليهـا إلى تقليص أخطارهم عبر التحول من الابتكار المخصص للدفاع الذي يتطلب دائماً استثمارات مرتفعة ومستدامة في البحث والتطوير بنتائج غير مضمونة لا تميل صناديق الاستثمار المغامر إلى تمويلها – إلى تكنولوجيا ذات آفاق تجارية واضحة. فقد تحولت “بالانتير”، على سبيل المثال، من منصة استخباراتية لدعم التحليل لدى وكالات الأمن القومي إلى شركة بيانات تمنح تراخيص استخدام برامجها التجارية لوكالات حكومية وشركات خاصة. وصحيح أن نمو الشركات التي تقدم منتجات تنافسية لكل من وزارة الدفاع والقطاع التجاري أمر إيجابي في المجمل، لكن هذه الشركات تبقى في النهاية خاضعة لمطالب مستثمريها الساعين إلى الربح، بالتالي فمن غير المرجح أن تلبي جميع حاجات الوزارة.

وإضافة إلى ذلك، فإن الإصلاحات التي يقترحها “وادي السيليكون” لا تضمن بالضرورة زيادة المنافسة، بل قد تساعد في الواقع شركات التكنولوجيا الكبرى فيى ترسيخ موطئ قدم لها في مجالات دفاعية ناشئة ثم الاستحواذ على الداخلين الجدد الأصغر حجماً. وعلى رغم كل الهجوم الكلامي على موجة الاندماجات التي أعقبت “العشاء الأخير”، فإن قادة تكنولوجيا الدفاع لا يتحفظون على السعي إلى الاندماج بأنفسهم. فقد استحوذت “أندوريل”، على سبيل المثال، على تسع شركات منذ تأسيسها عام 2017. واستحوذت “بالانتير” على سبع شركات منذ عام 2013. واستحوذت “أيروفايرونمنت”، المصنعة للطائرات المسيّرة الصغيرة، على ست شركات منذ عام 2019، في حين استحوذت “شيلد أي آي”، المطورة لأنظمة دفاع ذاتية التشغيل، على ثلاث شركات منذ عام 2021. ويقول قادة تكنولوجيا الدفاع في “وادي السيليكون” إن هذه الخطوات ضرورية لتوسيع عروضهم، لكنهم بذلك يكررون بالضبط الخطاب نفسه الذي استخدمه أسلافهم من الشركات التقليدية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

وأخيراً، فإن الحلول التي يجري الترويج لها اليوم في “وادي السيليكون” لن تجعل القاعدة الصناعية الدفاعية أكثر صموداً بالضرورة في مواجهة الأزمات. فكثيراً ما تعرض هذه الحلول على أنها علاج شامل لتحديث المشتريات وعلاج اختلالات الإنتاج، لكنها في الواقع لا تعالج سوى شريحة ضيقة من حاجات وزارة الدفاع. فالقدرة على إنتاج أنظمة أقل بريقاً لكنها أساسية استراتيجياً مثل السفن والذخائر لن تحل بالبرمجيات وحدها، بل ستتطلب استثماراً عاماً في خبرات الحكومة نفسها، وفي بنيتها التحتية للإنتاج والصيانة، وهي بنية جرى تفكيك جزء كبير منها عمداً على مدى الأعوام الـ40 الماضية.

العودة للمسار الصحيح

إن قادة تكنولوجيا الدفاع محقون في قولهم إن الجيش الأميركي يحتاج إلى عملية تعاقد أسرع وإلى تطوير أكثر مرونة. لكن كثيراً من الحلول التي يقترحونها من شأنه أن يخلق نظاماً يعطي الأولوية للسرعة والمرونة على حساب الملاءمة والحاجة الفعلية والانضباط في الكلف. وعلى رغم أن قلة تعترض على تسريع عملية التعاقد، فإن الدفاع الوطني يحتاج – فضلاً عن السرعة – إلى إنتاج قابل للاستمرار وقابل للتوسع وقادر على الزيادة السريعة عند الطوارئ، وإلى تكنولوجيا عسكرية مدارة على نحو جيد، وقدرات أساسية قادرة على الصمود في وجه تقلبات السوق. ومن خلال الترويج لـ”الديناميكية” بوصفها علاجاً سحرياً، يصرف هؤلاء الانتباه عن المتطلب الأعمق لمعالجة أزمتي التحديث والإنتاج: أي تحسين قدرة الدولة البنيوية وخبرتها.

صحيح أن قادة تكنولوجيا الدفاع لا يتجاهلون تماماً الحاجة إلى قدرة الدولة، لكن معظمهم يتعامل معها بوصفها عنصراً واحداً بين عناصر كثيرة، يمكن استبداله بخبرة القطاع الخاص وأبحاثه وإنتاجه، لا بوصفها حجر الزاوية في النظام بأكمله. ولكي يتحقق إصلاح حقيقي، يجب على واشنطن أن تدافع عن نفسها في وجه السردية الزائفة التي تقول إن الحكومة المصغرة هي بالضرورة حكومة فاعلة.

وإذا أرادت وزارة الدفاع بناء قاعدة صناعية مشتركة قادرة على الاستجابة في حال اندلاع نزاع، فعليها أن تتحمل كلف ذلك. ويجب أن تكون واشنطن مستعدة لقبول الكلف المرتفعة التي تنطوي عليها العقود التي تتضمن أحكاماً تلزم الموردين زيادة الإنتاج عند الحاجة. وعليها أيضاً أن تضمن حصول الترسانات وأحواض بناء السفن والمستودعات التي تشكل القاعدة الصناعية الأصلية لوزارة الدفاع على التمويل الكافي. وقد يجادل النقاد بأن زيادة موازنة الدفاع التي تبلغ قرابة تريليون دولار أمر غير مسؤول، ولكن الحفاظ على القدرات داخل الحكومة وخارجها سيكلف أقل من بناء تلك القدرات أو اقتنائها بسرعة في وقت الحاجة الملحة. وبدلاً من الاعتماد على الإنفاق في أوقات الأزمات، يجب على الكونغرس ووزارة الدفاع الاستثمار المستمر في مرافق الحكومة والقطاع الصناعي والمعدات الأساسية وتكنولوجيا التصنيع.

ويحتاج البنتاغون أيضاً إلى وضع نظام يسمح له بتقييم متى يكون من الأفضل تطوير قدرات معينة داخلياً ومتى يكون من الأفضل شراؤها من القطاع الخاص. ويحتاج مسؤولو المشتريات وغيرهم ممن يتعين عليهم تقييم قرارات “البناء أو الشراء” والتفاوض على عقود تزداد تعقيداً إلى مزيد من الأفراد والموارد والتدريب لمساندتهم. وفي سبيل الحماية من الهدر وتشجيع التطوير المسؤول والتكامل بين التقنيات الجديدة في القطاع الخاص، على وزارة الدفاع توظيف مزيد من مسؤولي المشتريات المكلفين إجراء أبحاث شاملة للسوق والإشراف على اعتماد التقنيات التي يجري اقتناؤها، ومزيد من مهندسي الأنظمة ومديري المنتجات للمساعدة في إنجاز مشاريع المشتريات، ومزيد من الخبراء التقنيين والمصممين القادرين على بناء وشراء ودمج التقنيات المتطورة بذكاء.

غالباً ما يتحدث قادة تكنولوجيا الدفاع عن “إطلاق العنان” لقوة السوق من خلال تخفيف القيود التنظيمية. لكن قطاع الدفاع بطبيعته سوق مشوهة وتعاني عيوباً. فهو يتميز بوجود مشترٍ واحد مهيمن، وحواجز كبيرة أمام الوصول إليه، ومتطلبات رأسمالية ضخمة؛ ولا يمكن لأي قدر من تخفيف القيود التنظيمية أو تقديم التنازلات لـ”وادي السيليكون” أن يصحح ذلك. وبدلاً من تقديم مزيد من التنازلات إلى القطاع الخاص أو تصميم سياسة تستند إلى رؤية غير قابلة للتحقيق تتمثل في عقود تدار ذاتياً تقدم إلى شركات تقوم على الاستعراض، ولكن غير مجربة، على واشنطن أن تمسك بزمام الأمور التنظيمية والمؤسسية بهدف خلق المنافسة وإدارتها في حدود سوق احتكارية. وعليها أن تتفاوض وتشرف على العقود التي تضمن أفضل أداء من القطاع الخاص، وتشجع المنافسة التي تزعم شركات “وادي السيليكون” بحق أنها غير موجودة حالياً. ويجب أن تقرر متى يكون البحث والتطوير أو الإنتاج الداخلي العام الاستثمار الأفضل للمستقبل.

إن إضعاف المؤسسات الحكومية على نحو أكبر استناداً إلى تفسير خاطئ للتاريخ سوف يرتب كلفاً كارثية على المدى البعيد. يجب أن يكون أول سؤالين يطرحان عند اتخاذ أي قرار في شأن الشراء: هل يقوي هذا الخيار قواتنا اليوم وبعد 50 عاماً؟ وهل يحترم دافعي الضرائب؟ لن يتفق رؤساء شركات التكنولوجيا الدفاعية والحكومة على الإجابة دائماً. لكن الدور المنوط بالحكومة هو صون المصلحة العامة وليس إرضاء المتعاقدين معها. إن الدولة الفاعلة والكفوءة ليست عدوة الابتكار والمرونة، بل هي أحد الشروط الأساسية لتحقيقهما.

*مارغريت مولينز هي مديرة الخيارات العامة والحوكمة في برنامج تسريع السياسات التابع لجامعة فاندربيلت. وقد شغلت منصب مستشارة أولى لنائب وزير الدفاع في إدارة بايدن بين العامين 2023 و2025.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى