هآرتس: ازدياد جهود إزالة العائق الإسرائيلي أمام اعمار غزة

هآرتس 25/1/2026، ليزا روزوفسكي: ازدياد جهود إزالة العائق الإسرائيلي أمام اعمار غزة
لم يمر كل شيء كما خطط له من ناحية الامريكيين في احتفال التوقيع على ميثاق مجلس السلام في يوم الخميس الماضي في دافوس. ان كثرة زعماء دول الكتلة الشيوعية والاتحاد السوفييتي السابق، افضت الى نكات لاذعة على انه فقط فلادمير بوتين كان ناقص هناك من اجل ان يعلن عن اعادة تاسيس الاتحاد السوفييتي. الحلم الرأسمالي ما بعد جهنم الذي طرحه جارد كوشنر بخصوص قطاع غزة، مع ناطحات سحاب وتوظيف كامل وموانيء ومطارات توجد داخل “محيط امني” تسيطر عليه اسرائيل، لا يبدو حلم مقنع. ولكن الان انتهت الاحتفالات وبدأ العمل الشاق، وهناك من يقولون – يستمر.
هدف مجلس السلام، بصورة أدق اللجنة التنفيذية لقطاع غزة وممثلها الاعلى نيكولاي ملادينوف، سيكون ازالة اكبر قدر ممكن من القيود التي تفرضها اسرائيل على ادخال المساعدات الانسانية والمعدات اللازمة لاعادة الحياة الاساسية، وذلك بهدف تخفيف معاناة سكان غزة الذين يعانون من البرد الشديد والرياح الشديدة ويخوضون في مياه الفيضانات التي تغرق خيامهم، في اسرع وقت ممكن. وهناك ايضا دافع سياسي وراء ذلك. فلجنة التكنوقراط الفلسطينية التي بدات كما يبدو في قطاع غزة رغم ان اعضاءها لم يدخلوا اليه بعد بحاجة الى ثقة السكان هناك.
هم لا يستطيعون المجيء الى قطاع غزة “بيد فارغة” وبدون تحقيق انجازات ملموسة، التي اهمها فتح معبر رفح، ويبدو ان الامور تسير باتجاه ذلك رغم التاخير والمماطلة من قبل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. من جهة، يسود الاعتقاد بان نتنياهو لا يستطيع سياسيا وعلنيا فتح المعبر وبالتالي ارسال اشارة واضحة لحماس والراي العام في اسرائيل وشركائه بن غفير وسموتريتش بان هناك “عودة الى الوضع الطبيعي” بعد سنتين من الحرب الدموية. ومن جهة اخرى، لا يمكنه رفض طلب الامريكيين بعد الاعلان عن فتح المعبر بحضورهم وتحت رعايتهم. معقول الافتراض ان وصول كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف الى اسرائيل مساء أمس بعد عودتهما مباشرة من المفاوضات مع الروس والاوكرانيين في أبو ظبي، ليس الا زيارة خاطفة اخرى من اجل “حماية” الوضع، وقطع أي طريق للهرب قد يكون نتنياهو اعدها لنفسه.
لكن معبر رفح مع كل الاهمية الرمزية والعملية له هو فقط جزء صغير في الصورة الكبيرة. رغم انه في السابق تم اعداد المعبر لدخول البضائع والمساعدات، الا انه بمجرد افتتاحه سيخصص لعبور الاشخاص فقط، ومن المرجح انه سيقيد جدا في الاتجاهين. من الخارج وفقا لسياسة مصر ومن الداخل وفقا لسياسة اسرائيل. والهدف الرئيسي الذي يواجه ملادينوف الذي سيزور مركز التنسيق المدني – العسكري في كريات غات للمرة الاولى في هذا الاسبوع ويلتقي بممثلين عن المؤسسة الامنية الاسرائيلية بقيادة منسق اعمال الحكومة في المناطق، هو توسيع نطاق المساعدات والمواد التي تدخل الى قطاع غزة بدرجة كبيرة.
وتصمم المؤسسة الامنية على تفتيش كل الشاحنات الداخلة الى غزة بنفس مستوى الدقة. فعلى سبيل المثال يتم الزعم بان المعايير المطبقة على الخيام التي تجلبها منظمات الامم المتحدة ودول مثل الامارات العربية ومصر متشابهة، لكن ممثلي المجتمع الانساني ومصادر اخرى مطلعة تحدثت لصحيفة “هـآرتس” شككوا في ذلك. لقد القى ملادينوف كلمة في احتفال اطلاق مجلس السلام في دافوس في الاسبوع الماضي وقال ان الهدف الرئيسي هو توسيع نطاق المساعدات والمعدات التي تدخل الى قطاع غزة.
في كل الحالات يبدو ان الصبر ازاء قياس سمك قضبان الحديد التي تحمل الخيام سيكون قصير جدا في الجهاز التنفيذي لمجلس السلام مقارنة مع الصبر الذي اظهره الممثلون الامريكيون حتى الان في مركز التنسيق في كريات غات. فهل معايير منسق اعمال الحكومة في المناطق سيتم تخفيفها مع وصول ملادينوف الى المدينة؟. الحديث لا يدور عن شخص جديد في الحي، بل عن شخص مطلع جيدا على الاليات الاسرائيلية وبحماسة، ومصمم كما يبدو على عدم السماح لاي طرف بالتلاعب به. ان ما هو موجود على المحك هو القدرة الاساسية لحكومة التكنوقراط على العمل في غزة، وهو شرط اساسي لاحراز تقدم في خطة ترامب.
يبحثون عن رجال شرطة
حتى لو نجح مجلس السلام في منع نتنياهو والمؤسسة الامنية الاسرائيلية ايصال المساعدات والمواد الى غزة، الامر الذي سيسمح للجنة التكنوقراط بالبدء في اعمار القطاع، فان معضلة تشكيل قوة مسلحة بديلة لحماس تبقى على حالها.
قبل سنة ونصف، في اطار مساعي ادارة بايدن للبدء بشكل احادي في “مرحلة ما بعد”، بدأ 2000 شرطي فلسطيني من الضفة الغربية في التدرب في الاردن تمهيدا لدخولهم الى غزة من اجل الحفاظ على النظام فيها. كانت الخطة تهدف الى تجنيد 10 آلاف شرطي من الضفة الغربية، لكنها واجهت صعوبة، يبدو بسبب افتقار رجال الشرطة من الضفة الغربية الى الحافز للمخاطرة بحياتهم في غزة. وما كان من المفروض ان يزيد من رغبتهم في الخدمة في القطاع وعددهم هو الحصول على راتب كامل وليس على جزء منه، مثلما يحصل موظفو السلطة الفلسطينية منذ 2021 حسب معطيات الامم المتحدة. التاخيرات والتخفيضات في رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، بما في ذلك ضباط الشرطة، تفاقمت في ظل سياسة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش منذ 7 تشرين الاول 2023، والتي تتمثل في مصادرة اموال الضرائب.
موظف امريكي سابق كان مشارك في عملية التجنيد والاختيار لرجال الشرطة الفلسطينيين قال للصحيفة بان جميع رجال الشرطة الفلسطينية الذين تم ارسالهم للتدرب من اجل الخدمة في غزة مروا بعملية غربلة مشددة، سواء من قبل جهاز الامن الاسرائيلي أو من قبل الولايات المتحدة ومن قبل الاردن ايضا. وقال ايضا بانه حتى الان من غير المعروف اذا كان التمويل الذي كان من شانه ان يضمن لرجال الشرطة هؤلاء راتب كامل وامتيازات اخرى، قد تم توفيره. ويبدو ان السلطة الفلسطينية ما زالت عاجزة عن الدفع في ظل غياب ضمانات واضحة للتمويل من مصادر اخرى (مثل الدول الاعضاء في مجلس السلام).
في كل الحالات يمثل الـ 2000 شرطي عشر الهدف الذي حدده مجلس السلام: 20 ألف شرطي فلسطيني من المفروض ان يجند نصفهم تقريبا من غزة نفسها وحصلوا على التدريب خارجها ثم يعودوا، ويأتي النصف الاخر من الضفة الغربية. وحسب مصدر مطلع على التنسيق الامني فان شروط دخول رجال الشرطة هؤلاء الى القطاع هي مرافقتهم لقوة الاستقرار الدولية. ومعروف ان هذه القوة لم يتم تشكيلها حتى الان بسبب خوف الدول التي قد ترسل جنودها على سلامتهم. اضافة الى ذلك هناك حق النقض الاسرائيلي على دخول القوات التركية الى القطاع. ومصر التي تحظى بثقة السكان وتعرف القطاع جيدا لا تحظى ايضا بثقة الطرف الاسرائيلي. فحسب هذا المصدر يقدر ان اسرائيل ترى ان مصر قد غضت النظر لسنوات عن تهريب السلاح الى حماس من شبه جزيرة سيناء.
كل ذلك يؤدي الى وضع يبدو ظاهرا وكانه طريق مسدود. سيتعين على لجنة التكنوقراط، بالتعاون مع ملادينوف وبمساعدة ضغط صغير من واشنطن، ان تثبت الان بان هذه متاهة يمكن الخروج منها.



