شؤون مكافحة الاٍرهاب

احمد عبد الحكيم: هل ينجو تنظيم “الإخوان” من كماشة ترمب بعد تصنيفه “إرهابيا”؟

احمد عبد الحكيم، اندبندنت 20-1-2026: هل ينجو تنظيم “الإخوان” من كماشة ترمب بعد تصنيفه “إرهابيا”؟

احمد عبد الحكيم

عمّق تصنيف الولايات المتحدة الأميركية تنظيم “الإخوان المسلمين” في كل من مصر والأردن ولبنان إرهابياً مأزق الجماعة التي أُسست عام 1928 وتعاني منذ أعوام ضربات متلاحقة إثر حظرها وأنشطتها في كثير من البلدان العربية، لاتهامها بـ “ممارسة العنف والحض على نشر أفكار التطرف والإرهاب”.

وعلى رغم أن خطوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإدارته التي أعقبت زخماً متنامي في أروقة السياسة الأميركية لحسم ملف الجماعة بعد محاولات سابقة لم تكتمل، ستزيد وفق مراقبين الصعوبات والتحديات التي تواجه حركة التنظيم وأفراده، ولا سيما المتعلقة بتجفيف المنابع المالية ومصادر التمويل وتحركات السفر للأفراد، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بمدي قدرة إدارة ترمب على إتمام الخطوة في ضوء استمرار المصاعب والعقبات التي حالت أمام هذا المسار خلال أعوام سابقة، وكان أبرزها عدم توافق الحزبين الكبيرين واعتراض بعض المؤسسات والأجهزة الأميركية مثلما حدث خلال محاولة الرئيس ذاته في ولايته الأولى عام 2019، فضلاً عن مدي قدرة التنظيم وفروعه على التحايل على أي قرار أميركي ، ولا سيما أن تاريخ الجماعة ملئ بمحطات الصدام والمراوغة.

وأياً كان تأثير وتبعات القرار الأميركي فيجمع كُثر على أن تحرك الرئيس ترمب الأخير يضع الجماعة أمام اختبار جديد حول مستقبلها، ولا سيما أن تلك المواجهة تعد الأولى من نوعها التي يصطدم فيها تنظيم “الإخوان” بالغرب الذي لطالما كان مصدر دعم لأعضائه وأنشطته المالية، وهو ما يثير الأسئلة حول ما إذا كانت المواجهة الأميركية مع التنظيم حالياً قد تمثل بداية النهاية للتنظيم فكراً وعملاً، أم أن الجماعة لا تزال تملك من الأوراق القادرة على إحباط القرار الأميركي، مع تأكيدها “انتهاج مسار قضائي من أجل وقف تنفيذ هذا القرار بما يحفظ حقها، وحقوق أعضائها كافة” لمواجهة قرار ترمب “غير المستند إلى أية أدلة قانونية يعتد بها”، على حد وصف فرع التنظيم المصري.

الثلاثاء الماضي صنفت الولايات المتحدة جماعة “الإخوان المسلمين” في كل من مصر والأردن ولبنان منظمة إرهابية تلبية لمطالبة حلفائها العرب والمحافظين الأميركيين، وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في بيان إن “هذا التصنيف يعكس الاجراءات الأولى لجهود مستمرة بهدف التصدي لأعمال العنف وعدم الاستقرار التي تقوم بها فروع الجماعة أينما وقعت”، مشدداً على أن “الولايات المتحدة ستستخدم كل الأدوات المتاحة لحرمان فروع ‘جماعة الإخوان’ من الموارد اللازمة لممارسة الإرهاب أو دعمه”.

ويجمد التصنيف أي أصول للجماعة داخل الولايات المتحدة ويجرّم التعامل معها، ويعوق بصورة كبيرة سفر أعضائها إلى الولايات المتحدة، وكذلك سيترتب على هذه الخطوة التي بدأتها واشنطن رسمياً في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فرض عقوبات على واحدة من أقدم الحركات الإسلامية في العالم العربي وأكثرها نفوذاً.

ترمب وقدرته على حسم ملف “الإخوان”

على رغم زخم التحرك الأميركي ل تصنيف “الإخوان” جماعة إرهابية، والذي أعاد معه ملف العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وحركات الإسلام السياسي التي راوحت ما بين الانفتاح في عهود مختلفة، أبرزها عهد الرئيس السابق باراك أوباما، والمواجهة المباشرة مع إدارة الرئيس دونالد ترمب التي تتهم التنظيم بدعم فصائل مسلحة على غرار “حماس”، فإن قدرة الإدارة الأميركية الراهنة على المضي قدماً في توجهها، فضلاً عن التحديات الدستورية والقانونية الأميركية التي قد تواجهها، تبقى أسئلة شائكة من دون إجابات واضحة بعد، ولا سيما مع عدم قدرة الرئيس ترمب على إتمام الخطوة خلال ولايته الأولى (2017 – 2021).

وتستند واشنطن في تحركها الذي وصفته بأنه “استخدام أقصى الأدوات المتاحة لقطع الموارد عن الجماعات التي تدعم الإرهاب”، على ما تراه “سجل الجماعة الطويل في ارتكاب أفعال إرهابية، وهو ما يتطلب العمل بقوة لاستبعادها من النظام المالي”، فضلاً عن اتهامها بدعم أو تشجيع الهجمات العنيفة ضد إسرائيل وشركاء الولايات المتحدة، وفق ما أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الذي قال إن فروع “الإخوان” الثلاثة في مصر ولبنان والأردن تزعم أنها منظمات مدنية شرعية، بينما تقدم من وراء الكواليس دعماً صريحاً لجماعات إرهابية مثل “حماس”، وعلى رغم ذلك فإن كثيراً من التحديات لا تزال تواجه الخطوة الأميركية.

ويقول الباحث المتخصص في الشؤون الأميركية بمجلة السياسة الدولية المصرية عمرو عبدالعاطي إن “التعقيدات القانونية والدستورية وعدم التوافق بين الحزبين الكبيرين، فضلاً عن قدرة تحديد تصنيف الجماعة ذاتها والمؤسسات التابعة لها، تبقى التحدي الأكبر لمضي الرئيس ترمب وإدارته في اتخاذ مثل تحرك كهذا”، موضحاً في حديثه إلى “اندبندنت عربية” أن “التجربة الأميركية بخصوص تصنيف جماعة أو تنظيم على القائمة السوداء للإرهاب تشير إلى أن الأمر يمكن أن يجري عبر أكثر من مسار، والأول أن يصدر الرئيس أمراً تنفيذياً بهذا الشأن، إلا أن مثل هذا الخيار يصطدم مع احتمال نقضه من قبل المحاكم الأميركية حال تعارضه مع الدستور والقوانين الأميركية”، وهو ما قد يتحرك باتجاهه التنظيم، مشيراً إلى إن التحرك الأميركي الأخير “مرتبط بصورة كبيرة بالسياق السياسي في الداخل الأميركي ومنطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أنه يتزامن مع ضغوط أميركية من أنصار تيار اليمين المحافظ والداعين إلى مناهضة تنامي ظاهرة معاداة السامية”.

ويتوافق كلام عبدالعاطي مع ما طرحه وزير الخارجية الأميركي ماركو وربيو في أغسطس (آب) 2025 حين كشف عن أن إدارة الرئيس ترمب تجري مراجعة بصدد تصنيف “الإخوان” منظمة إرهابية، قائلاً في مقابلة صحافية رداً على سؤال حول “لماذا لا تصنفون ‘الإخوان المسلمين’ و’مجلس العلاقات الأميركية – الإسلامية’ (كير) منظمتين إرهابيتين”، إن “هذا قيد الإعداد”، موضحاً أن هناك فروعاً مختلفة لـ “جماعة الإخوان” ويجب تصنيف كل فرع منها منظمة إرهابية، لكن روبيو تحدث في الوقت ذاته عن التحديات القانونية التي حالت حتى الآن دون فرض عقوبات على “الإخوان المسلمين”، متوقعاً أن يحصل طعن في هذا التصنيف في المحكمة، لأنه “يمكن لأية جماعة أن تقول أنا لست إرهابية حقاً”، مضيفاً “عليك إظهار أوراقك عند مثولك أمام المحكمة”.

وبحسب روبيو فقد أشار إلى أن “هناك عملية داخلية تتضمن إجراء مراجعة وتوثيقها وتبريرها بغية التأكد من صحة الأمر”، مضيفاً “نحن متورطون في مئات ومئات الدعاوى القضائية من مختلف الأنواع، وكل ما تحتاج إليه هو قاض فيدرالي واحد، وهناك كثير بينهم على استعداد لإصدار أوامر قضائية على مستوى البلاد، ومحاولة إدارة البلاد من على منصتها، لذا علينا أن نكون حذرين للغاية”، متابعاً “نحن نراجع باستمرار الجماعات التي نحددها على حقيقتها بين داعمة للإرهاب وربما إرهابية بنفسها، وأياً كان فلم نفعل هذا منذ فترة طويلة، لذا أمامنا كثير لنكمله، وقد ذكرت بعض الأسماء خصوصاً جماعة ‘الإخوان المسلمين’ التي تثير قلقاً بالغاً”.

وفي ردها على قرار ترمب أعربت جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر عن رفضها القاطع لقرار تصنيفها منظمة إرهابية، مشددة على أنها تنبذ العنف ولا تشكل تهديداً للولايات المتحدة، معتبرة أن التصنيف الأميركي “لا يستند لأية أدلة قانونية يعتد بها”، وهو نتيجة ضغوط خارجية تمارس على الولايات المتحدة، متعهدة باتخاذ “الإجراءات القانونية كافة من أجل وقف تنفيذ هذا القرار بما يحفظ حقها، وحقوق أعضائها كافة”، على حد وصفها.

وخلال الفترة الأخيرة تناولت كثير من مراكز الفكر والصحافة الأميركية تقارير تتحدث عن ضرورة تصنيف الإخوان منظمة إرهابية، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 نشر “معهد دراسة معاداة السامية والسياسات العالمية” الذي يقول إنه “ملتزم بمحاربة معاداة السامية في ميدان الأفكار”، تقريراً بعنوان “التغلغل الإستراتيجي لـ ‘الإخوان المسلمين’ في الولايات المتحدة”، وفيه كشف عما قال إنه “دراسة شاملة وتفحّص الحملة الإستراتيجية المتعددة الأجيال التي يشنها ‘الإخوان’ لتحويل المجتمع الغربي، وخصوصاً الولايات المتحدة، من الداخل عبر ما تصفه وثائقهم الداخلية بالصراع الحضاري (الجهاد)”، معتبرة أنه “على خلاف التهديدات الإرهابية التقليدية تستغل هذه الإستراتيجية الحريات والمؤسسات الديمقراطية لتحقيق أهداف مناهضة للديمقراطية جوهرياً، في صورة متطورة من التطرف غير العنيف يستهدف الديمقراطيات الغربية”.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025 نشر مركز الأبحاث المحافظ في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” (FDD) تقريراً تحدث عن التطرف الهادئ والوجوه المتعددة لـ “الإخوان المسلمين”، وقال إن “اتباع نهج أكثر منهجية تجاه جماعة ‘الإخوان’ بات متأخراً جداً”، معتبراً أن “الأفكار التي تحرك حركة ‘حماس’ ليست فريدة، فهي جزء من التراث الفكري المشترك لـ ‘الإخوان’ وقد انتشرت هذه الأفكار بعيداً من ‘الإخوان’ أيضاً، وألهمت تنظيم ‘القاعدة’ وتنظيم ‘داعش” وغيرهما من المنظمات القاتلة”، معتبراً أنه “على المستوى العالمي يشكل ‘الإخوان’ بوابة إلى الإرهاب، إذ يضخون في أتباعهم العقائد الدينية والكراهية التي تبرر العنف، وأكثر الأعضاء تصميماً ينتقلون لاحقاً إلى تشكيل جماعات منشقة أو ينضمون فرادى إلى منظمات إرهابية”.

وعلى رغم أنه خلال الأعوام الأخيرة سعى محافظون أميركيون إلى الدخول على خط ملف جماعة “الإخوان المسلمين”، مع ترويج بعضهم لنظرية مؤامرة لا أساس لها تقول إن الجماعة تحاول التغلغل في الحكومة الأميركية بهدف فرض الشريعة الإسلامية، فضلاً عن سعى مشرّعين جمهوريين مراراً إلى حظر الجماعة على أمل تجفيف مصادر تمويلها، لكن الولايات المتحدة امتنعت من الإقدام على تلك الخطوة في موقف فُسّر جزئياً بحرصها على عدم تعريض علاقاتها مع تركيا للخطر، نظراً إلى الميول الإسلامية لرئيسها رجب طيب أردوغان والصلات الأيديولوجية التي تربطه بـ “الإخوان المسلمين”.

مزيد من التعقيد لمستقبل مجهول

وبخلاف محطات الصدام السابقة في تاريخ جماعة “الإخوان” التي أُسست في مصر عام 1928، سواء مع أنظمة الحكم المتوالية في مصر أو حتى في بعض البلدان العربية، لكن المواجهة هذه المرة تبقى مختلفة بعد أن أصبحت في وجه مراكز القرار الغربية، لا بوصفها طرفاً في خلاف سياسي بل باعتبارها كياناً يخضع لإعادة تقييم أمنية وقانونية شاملة، وهو ما يؤشر إلى تعقد الأمر بالنسبة إلى الجماعة، وقد جاء قرار ترمب تصنيف ثلاثة فروع لجماعة “الإخوان” إرهابية في وقت يعاني التنظيم الأم في مصر حالاً من الانقسام والتشرذم على مدى العقد الماضي، ولا سيما بعد الإطاحة بهم من السلطة في مصر عام 2013، وعلى رغم ملاحقتهم من قبل عدد من الدول العربية لكن تجنب الدول الغربية والولايات المتحدة طوال تلك الأعوام اتخاذ أية خطوات فعلية لملاحقة الجماعة وعناصرها، منح أنشطتها وبعض قاداتها ملاذاً آمناً، مما يعني أن الخطوة الأميركية الأخيرة تمثل ضربة قاصمة للتنظيم، وفق بعض المراقبين.

ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة إبراهيم المنشاوي إنه “ما من شك في أن القرار يمثل تحولاً نوعياً في علاقات الجماعة مع الغرب التي كثيراً ما كانت في مأمن من أي اهتزاز حتى مع محطات الصدام التي شهدتها داخل بعض الدول العربية، وبخاصة مصر في مراحل تاريخية سابقة”، معتبراً أن الخطوة الأميركية الأخيرة “وما قد يتبعها من قرارات غربية أخرى تشير إلى بداية نهاية مواسم العسل بين الغرب والجماعة، باعتبارها تياراً سياسياً يمكن احتواؤه أو ترويضه لخدمة المصالح الغربية”.

وذكر المنشاوي أن كثيراً من دوائر صناعة القرار في الغرب، وليس فقط داخل الولايات المتحدة الأميركية، بدأت أخيراً تتعاطي مع جماعة “الإخوان” باعتبارها “حركة عابرة للحدود وذات خطاب مزدوج وبنية تنظيمية مغلقة، وقادرة على التغلغل داخل المجتمعات والمؤسسات، وهو ما يضعها في خانة التهديد البنيوي لا مجرد الخلاف السياسي”، مرجحاً أن يؤثر القرار الأميركي بصورة كبيرة في أي عمل أو حركة مستقبلية للجماعة.

من جانبها توضح دراسة نشرها “مركز تريندز للبحوث والاستشارات” حول انعكاسات القرار الأميركي على التنظيم العابر للدول أن “الجماعة باتت أمام مرحلة جديدة من التحديات الكبرى”، مشيرة إلى أن “تلك التحديات تبرز على مستويات عدة أبرزها البنية الشبكية لـ ‘الإخوان المسلمين’، إذ اعتمدت الجماعة لعقود على بناء شبكات محلية ودولية متعددة الأهداف والمسميات للتمدد داخل المجتمعات، ومن ثم فإن الحظر سيؤدي إلى تفكيك تلك الشبكات داخل المجتمع الأميركي عبر إخضاعها لسيطرة الإدارة الأميركية، ولذا سينعكس هذا التصنيف سلبياً على الهياكل التنظيمية العابرة للحدود عبر تعميق عزلة الجماعة سياسيا وقانونياً، وفتح الباب أمام توسع الحظر دولياً مما يضعف قدرتها على المناورة وإعادة التموضع في البيئات الغربية”.

وتمضي الدارسة قائلة إن “تفكيك الروابط بين الفروع وتقييد حركة الأفراد والموارد يعني إضعاف الوجود المادي لـ ‘الإخوان المسلمين’ في غياب الأطر التنظيمية التي تعمل من خلالها، وهو ما قد يقود إلى حال من الارتباك داخل صفوفها ومزيد من التشظي والانقسام”، مضيفة أن “هناك زيادة في التضييق ستعانيه المؤسسات والواجهات المرتبطة بـ ‘الإخوان’، بما في ذلك مراكز النفوذ داخل الجامعات ومؤسسات الضغط ودوائر المجتمع المدني”.

وعن تبعات القرار على القدرة الاقتصادية والتمويلية للتنظيم، أوضحت دراسة “تريندز” أن “الحظر الأميركي سيكون له تأثير بالغ في الأوضاع الاقتصادية، إذ ستجمد أصولها المختلفة الموجودة في الولايات المتحدة أو في حوزة أشخاص أميركيين أو تحت سيطرتهم، وإخضاعها للإدارة الأميركية، وستتأثر شراكاتها مع كل المتعاملين معها ليمتد الحظر إلى تلك الأنشطة المشتركة داخل الولايات المتحدة، وهذا يعني عملياً ضعف القدرة المالية للتنظيم التي بناها عبر عقود مستفيداً من الفرص السياسية والقانونية والاقتصادية التي وُفرت له، وهو ما سيهدد كثيراً قدرات التنظيم وشبكاته الداعمة”.

وفي الاتجاه ذاته يوضح الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية منير أديب أن “قرار تصنيف الجماعة منظمة إرهابية سينعكس على وجود التنظيم داخل الولايات المتحدة، وسيمتد بآثاره وتبعاته إلى الوجود الفعلي لـ ‘الإخوان’ في قارة أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وبلد المنشأ مصر”، موضحاً أنه “طوال الأعوام الماضية كان ‘الإخوان’ يعيشون على رئة الدعم من العالم الخارجي، وتحديداً من دول أوروبا والولايات المتحدة، إذ وافرت هذه الدول جميعاً ملاذاً آمناً للتنظيم، وأنفق بعضها على بعض الأنشطة الخاصة بالتنظيم تحت أعين الولايات المتحدة”، مرجحاً ألا يقتصر تصنيف الإخوان هذا على الولايات المتحدة “وستتبعه قرارات مماثلة من بعض الدول الغربية مثل بريطانيا التي كانت إحدى الدول البارزة في توفير ملاذ آمن للجماعة طوال الأعوام الماضية”.

ووفق أديب فإن القرار الأميركي في هذا الشأن “سيؤثر في قدرة وبقاء التنظيم بأكمله، وقد يقود في النهاية إلى تفككه ليبقى فقط تفكك الفكرة”، مشيراً إلى أنه وعلى رغم تصنيف “الإخوان” منظمة إرهابية في كثير من الدول العربية، فإن الجماعة لم تتأثر بصورة كبيرة بسبب أن دولاً كثيرة أوروبية وافرت حاضنة لهم وكذلك الولايات المتحدة”، ومعرباً عن اعتقاده أن توقيت الزخم الأميركي الراهن على رغم مرور أكثر من 80 عاماً على تأسيس الجماعة مرتبط “بالإدراك الأميركي بأن جماعة ‘الإخوان’ باتت تمثل خطراً على المصالح الأميركية وعلى الحلفاء أيضاً، لذا فقد حان الوقت لوضعها على قوائم الإرهاب”.

وكانت جماعة “الإخوان المسلمين” أُسست على يد حسن البنا في مصر عام 1928 بهدف إقامة دولة إسلامية تحكم بالشريعة، وطوال العقود اللاحقة ألهمت عدداً كبيراً من التنظيمات المتطرفة، ويرجع كثر أفكار العنف داخل الجماعة إلى أحد أبرز منظريها وهو سيد قطب الذي أصّل للعنف خلال أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي، إذ ألهمت دعوته إلى الجهاد كثيراً من التنظيمات المتطرفة حول العالم.

وعلى رغم الأفكار المتشددة المترسخة في مفاهيمها فقد حاولت الجماعة طوال عقود العمل على ترسيخ صورة رمزية ذات جانب أخلاقي وحقوقي كإطار لها، بوصفها كبرى الجماعات الإسلامية المعتدلة والمتماسكة وذات الحضور الدولي الواسع عبر شبكات دعوية واجتماعية مختلفة، لكن خلال العقد الأخير تزايدت أزماتها الإدارية والسياسية في دول حضورها، لتشهد كثيراً من القرارات التي تقضي بحظرها قانونياً، وبخاصة مع تحولاتها الفكرية المتشددة واتهامها بالدخول في أعمال إرهابية”، مما أدى إلى تآكل جوانب كثيرة من مزاعمها كجماعة إصلاحية معتدلة بنَت شبكاتها المختلفة داخل المجتمعين العربي والغربي.

وكذلك أضعفت الانقسامات الداخلية حول من يتصدر الإدارة ويتولى إدارة أموال التنظيم مجمل أنشطة الجماعة، فضلاً عما أبرزته تجربتها السياسية في الحكم أو ما بعده من طابع إقصائي للتنظيم، ومخالفته الخطابات الحقوقية التي حرص على تصديرها.

هل ستنتهي الجماعة؟

وأمام هذا الصدام النادر بين الجماعة والغرب، يتساءل كثير من المراقبين عن قدرة التنظيم على البقاء والمراوغة مثلما فعل في محطات تاريخية سابقة على رغم اختلاف السياقات والظروف، معتبرين أن الجماعة التي كانت تملك كثيراً من التأثير والنفوذ داخل عدد من البلدان العربية تلاشت خلال الأعوام الأخيرة أمام كثير من الضربات المتلاحقة ولكنها لم تختف، وأصبح مستقبلها واحتمال عودتها على المحك.

وطرحت دراسة مركز “تريندز” مستقبل الجماعة في البلد الأم مصر أو عبر فروعها الدولية ضمن ثلاثة سيناريوهات، مشيرة إلى أن فاعلية الحظر تظل مرتبطة بمحددات عدة، أبرزها مدى التجاوب الدولي مع الموقف الأميركي وسلوك “الإخوان المسلمين” في إدارة أزمة الحظر، فضلاً عن موقف الدول الحليفة للجماعة وإدارة تداعيات الحظر، وبحسب الدراسة فإن أول السيناريوهات المرجحة لمستقبل الجماعة يبقى “إعادة التموضع المحدود، إذ تعتمد ‘الإخوان’ إستراتيجيات جديدة للتعامل مع قرار الحظر يقوم بدرجة مركزية على البحث عن صيغ حضور مختلفة بعيدة من الرقابة القانونية وأماكن وجود بعيدة من النفوذ الأميركي، مع حماية قياداتها تجنباً للتعرض لأزمات أمنية وقضائية، وذلك من أجل بناء التنظيم في مرحلة تالية، وكذلك تعميق حضورها داخل مجتمعاتها الحاضنة للحصول على مزيد من الحماية والدعم، مع ترك الأنشطة التقليدية المعتادة والتخفّف منها لتكون الأولوية لبقائها على حساب أي شيء آخر”، مضيفة أن “السيناريو الثاني يتمثل في التحول على العمل الشبكي غير المعلن، فوفق هذا التصور قد تؤدي المواقف الدولية الداعمة للقرار الأميركي وعدم حصول التنظيم على الدعم الكامل من قبل حلفائه إلى مزيد من التضييق عليه، مما سيدفعه إلى إيقاف أنشطته على أرض الواقع والتخلي عن مؤسساته القائمة، متحولًا إلى عمل شبكي غير معلن يستهدف إبقاء التنظيم افتراضياً في المراحل الأولى، ثم إعادة بناء العلاقات مع عناصره القائمة أو تجديدها، واستقطاب عناصر جديدة بصورة افتراضية إلى أن تأتي الفرصة لنقل حضوره الافتراضي إلى أرض الواقع”، مشيرة إلى أن هذا السيناريو قابل للتحقق جزئياً بعد أن اعتمده التنظيم في كثير من الأزمات سابقاً، لكنه يظل محدود الفاعلية لغياب قيادة التنظيم وتعدد أطراف الصراع، إضافة إلى الفجوة الجيلية التي تعرضت لها الجماعة خلال الأعوام الماضية.

أما ثالث هذه السيناريوهات فيتمثل في “تسارع التآكل الداخلي والتنظيمي، وهو الذي قد يتحقق حال اتساع الموقف الدولي المؤيد لحظر الجماعة وتراجع كبير لأدوار الدول الداعمة لـ ‘لإخوان’، مما يقلل الموارد والدعم المقدم لها، إضافة إلى أن استمرار الانقسام الإداري يعمق حال الضعف التنظيمي وهو ما سيدفع بما بقي من التنظيم إلى مزيد من التآكل الداخلي والانهيار، وفقد القدرة على التجنيد وتوفير التمويل والعجز عن الانتشار، لتضعف قدرته على العمل بصورة فعالة على الساحتين المحلية والدولية؛ بخاصة إذا ما استمرت العوامل المؤثرة الحالية أو زادت حدتها، ليصبح وجود التنظيم كعدمه ولا وزن له في المعادلة السياسية، وهو سيناريو قابل للتحقق على المدى الطويل حال تغير المؤثرات القائمة”.

وبينما لا تزال الجماعة تتمسك بمسار قضائي لمواجهة قرار ترمب فإن بعض أعضائها يغذي التبعات السلبية لمثل هذا القرار في انتشار العنف، وبحسب ما نقلت “هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي) عن المتحدث الإعلامي باسم جماعة “الإخوان المسلمين” في تركيا، طلعت فهمي، والذي قيّم خطوة ترمب من منظور سياسي لا قانوني، فإن مثل هذا القرار “يعمل بمثابة حقنة منشطة للتطرف والإرهاب على مستوى العالم”، موضحاً “عندها سيقول المتطرفون إن جماعة ‘الإخوان المسلمين’ سلمية، ومع ذلك تصفها أميركا بأنها إرهابية، فما الذي حققته هذه السلمية؟ فلنحمل السلاح، وهو ما سيقود إلى مزيد من الفوضى في أنحاء العالم، وخذ تنظيم ‘داعش’ على سبيل المثال، فعندما نفذ أولى عمليات القتل في العراق استهدف أعضاء ‘الإخوان المسلمين’ وكرر الأمر نفسه في ليبيا”، على حد وصفه.

وبحسب مراقبين فإن تصنيف واشنطن لعدد من فروع ‘الإخوان” كتنظيمات إرهابية لم يعد إجراء قانونياً بحتاً أو استجابة أمنية للتطورات السياسية الدولية والمحلية، بل تحولاً بنيوياً في مقاربة الولايات المتحدة للإسلام السياسي العابر للحدود، وإعادة تموضع بعيداً من سياسات الاحتواء والمراهنة إلى التحول التدريجي نحو الحظر والملاحقة المؤسسية.

وعلى رغم الزخم الأميركي الراهن في مواجهة تنظيم “الإخوان” تبقى التحديات ماثلة للمضي قدماً في إنجازه، والذي يتمثل وفق مراقبين في في تباين المواقف السياسية على المستوى الداخلي في الولايات المتحدة، فضلاً عن القدرة على تعريف وتحديد المؤسسات والأشخاص المنتمين أو الداعمين والممولين للجماعة، أو حتى إثبات انتماء الأشخاص أو المؤسسات للتنظيم، إضافة لإمكان ملاحقة الارتباطات والشبكات المعقدة للجماعة، والتي يعمل بعضها تحت أسماء مستعارة غير مرتبطة بالتنظيم.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى