نواف الزرو: الحرب الصهيونية على رواية النكبة والإبادة وذاكرة الاطفال والاجيال تمتد من تشيلي الى باريس!
نواف الزرو 20-1-2026: الحرب الصهيونية على رواية النكبة والإبادة وذاكرة الاطفال والاجيال تمتد من تشيلي الى باريس!
ليس فقط الوجود والحضور الفلسطيني على امتداد مساحة فلسطين هو الذي يقلق المؤسسة الصهيونية، وإنما الثقافة والذاكرة الوطنية وحكاية النكبة واللجوء الفلسطيني… والرواية الفلسطينية كلها تسبب أرقاً ورعباً دائماً لتلك المؤسسة، فأي استحضار للنكبة والتهجير والمجازر الصهيونية يثير قلقهم، حتى لو كان ذلك من قبل طفل فلسطيني في أقاصي الدنيا، هناك في تشيلي اللاتينية أو امتدادا الى باريس….!
قد تبدو الحكاية طريفة وغير معقولة، أن يقوم سفير “إسرائيل” بشن حرب على طفل فلسطيني مهاجر من العراق إلى تشيلي، ولكن هذا ما حصل قبل نحو اربعة عشر عاما، إذ أعلن سفير “إسرائيل” في تشيلي الحرب على طفل فلسطيني (بطل كتاب يدرس في رياض الأطفال في تشيلي) وطالب السلطات التشيلية المتخصصة بإخراج الكتاب من رياض الأطفال. وذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية – 6/09/2012 – “أن السفير دافيد ددون علم من مدرسة يهودية أن مكتبة رياض الأطفال في المدارس الحكومية تحتوي على كتاب بعنوان “من العراق إلى كالاره ( مدينة في تشيلي )” يروي قصة عبودي، الطفل الفلسطيني الذي وصل إلى تشيلي، لأن عائلته طردت من فلسطين على أيدي الاحتلال الصهيوني.
ويصف الكتاب الطفل عبودي أنه لاجئ مسكين فقد وطنه بعد احتلاله من قبل اليهود واضطر للوصول إلى تشيلي البعيدة، وادعى السفير الإسرائيلي أمام وزارة التعليم التشيلية أن الكتاب هو دعاية فلسطينية يجب محاربتها، وأبلغ الخارجية الإسرائيلية أنه تلقى رداً بأنه تم منع تداول الكتاب في رياض الأطفال.
وهكذا حقّق السفير الإسرائيلي انتصاراً على الطفل الفلسطيني حين منع الكتاب بفضل تجاوب السلطات التشيلية مع الأسف.
ومن تشيلي قبل اربعة عشر عاما الى باريس /2026 لنتابع: “في 7 يناير 2026، قامت الشرطة الفرنسية بمداهمة مكتبة «فيوليت آند كو» (Violette and Co)، وهي مكتبة معروفة بتوجّهها النسوي ودعمها لحقوق الأقليات، وتقع في الدائرة الحادية عشرة من العاصمة باريس، وذلك في إطار تحقيق رسمي مرتبط بدفتر تلوين موجّه للأطفال يحمل عنوان «من النهر إلى البحر: دفتر تلوين» (From the River to the Sea: un livre de coloriage). ويقدّم هذا الدفتر، وفق وصف المكتبة، سردًا مبسّطًا لتاريخ فلسطين وثقافة شعبها في قالب رسومي مخصّص للأطفال” ، وجاءت المداهمة بناءً على تقرير صادر عن لجنة المراقبة والتحكم في منشورات الشباب التابعة لوزارة العدل الفرنسية اعتبر “أن محتوى الدفتر قد يحمل طابعًا سياسيًا من شأنه، بحسب اللجنة، التحريض على الكراهية أو الإضرار بتكوين القُصّر، ولا سيما في ظل المناخ الأوروبي المشحون وموجة الاتهامات المتزايدة بمعاداة السامية”، ويتركّز الجدل تحديدًا حول عنوان الدفتر، الذي يستند إلى شعار “من النهر إلى البحر”، وهو تعبير شائع في الخطاب الداعم للقضية الفلسطينية، لكنه بات في السياق الفرنسي والأوروبي محلّ تأويل أمني وتجريم سياسي، إذ تعتبره جهات رسمية مؤيدة ل”اسرائيل” إنكارًا لوجودها أو تحريضًا ضمنيًا ضدها.
تأتي هذه الحادثة في سياق فرنسي أوسع منذ أواخر عام 2024، اتّسم بتشديد غير مسبوق على الخطاب المتعلق بفلسطين، خاصة بعد الحرب الإبادية على قطاع غزة وقد تجلّى ذلك في:
توسيع تفسير قوانين مكافحة معاداة السامية.
الخلط المتزايد بين انتقاد سياسات إسرائيل ومعاداة اليهود.
تضييق المجال العام أمام الجمعيات والناشرين والفعاليات الثقافية المتعاطفة مع فلسطين.
حظر مظاهرات وملاحقات قضائية لناشطين، وصولًا إلى مداهمة مكتبة بسبب مادة موجّهة للأطفال.
وتُعد دفاتر التلوين، في الأدبيات التربوية، أداة تعليمية مبسّطة لنقل السرديات التاريخية والهوية الثقافية والقيم الإنسانية. غير أن تقديم سردية فلسطينية، حتى في هذا الشكل البريء ظاهريًا، بات يُنظر إليه في بعض الدوائر الرسمية الفرنسية كفعل سياسي بحد ذاته، ما يعكس انتقال الرقابة من المجال السياسي المباشر إلى المجال الثقافي والتربوي.
وفي دلالة أوسع، تكشف هذه الحادثة تحوّل القضية الفلسطينية في أوروبا من ملف سياسي خارجي إلى قضية داخلية حساسة تمسّ التعليم، والنشر، والفضاء الثقافي العام، وحدود ما يُسمح بقوله أو حتى «تلوينه» حين يتعلّق الأمر بفلسطين و”اسرائيل المجرمة”. وهو ما يجعل من مداهمة مكتبة بسبب دفتر تلوين للأطفال حدثًا رمزيًا يتجاوز حجمه المادي، ليعكس تحوّلات عميقة في علاقة أوروبا بحرية التعبير حين تتقاطع مع السياسة والهوية والصراع في الشرق الأوسط.
ولكن بيت القصيد هنا في هذه القصة، أننا أمام حرب صهيونية شاملة ممتدة مفتوحة على القضية والذاكرة الفلسطينية والعربية وعلى الإجيال والمستقبل، فالدولة الصهيونية تسعى بوصفها “دولة مختلقة” إلى اختطاف الأرض والوطن والتاريخ والحضارة والتراث، وتعمل بلا كلل على تهويد فلسطين تهويداً شاملاً: جغرافياً ،سكانياً، حضارياً، تراثياً، ثقافياً، واقتصادياً ، وذلك عبر التزييف الشامل لكل العناوين والملفات.. كما تعمل إلى جانب ذلك كله على تفريغ ذكرى النكبة وذاكرتها من مضامينها ومن كل معانيها ودلالاتها، في الوقت الذي تشن هجوماً تجريفياً منسقاً واستراتيجياً على العقل والوعي الجمعي العربي والعالمي المتعلق بالنكبة والقضية والذكرى والذاكرة.
يقول أورن يفتاحئيل (أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة بن غوريون): “إن مشاهد القتل والدمار في غزة فظيعة”، وإن “هذه الحرب- الأخيرة – استمرار للمشروع والسلوك الإقليمي الإسرائيلي الذي تبنى هدفاً متشدداً ووحشياً يتمثل في إسكات الزمن الفلسطيني، أي محو التاريخ الكامل لهذه البلاد.. وإسكات التاريخ يشكل أيضاً محواً للمكان الفلسطيني والحقوق السياسية الكاملة القائمة بمشروعيتها وليس بمنة من إسرائيل…ويضيف:”إن الغزو الإسرائيلي لغزة استمرار لاستراتيجية مديدة السنوات من إنكار ومحو وشطب أي ذكر لتاريخ هذا المكان في العصور الأخيرة، ومشروع المحو هذا ينخرط فيه الجميع تقريباً: السياسيون والفنانون ووسائل الإعلام والباحثون في الجامعات والمثقفون الإسرائيليون”، وهذا ما تؤكده دراسة إسرائيلية تستخلص “أن إسرائيل تمعن في إقصاء تاريخ النكبة”.
وتوضح الدكتورة نوغة كدمان من جهتها في دراستها المعنونة بـ”على جنبات الطريق وهوامش الوعي: إقصاء القرى الفلسطينية المهجرة من التخاطب والحوار في إسرائيل”، “أن السلطات الإسرائيلية تواصل على نحو منهجي طمس المعالم العربية للبلاد من التاريخ والذاكرة الجماعية بعد محوها من الجغرافيا”، وتؤكد “المنهجية الإسرائيلية المعتمدة منذ النكبة محو تسميات الأمكنة الفلسطينية أو عبرنتها، وإزالتها من الخرائط الرسمية وتجاهل تاريخها”.
تصوروا.. هم يشنون حرباً على طفل فلسطيني في تشيلي، وعلى كراسات الاطفال في باريس ليسلبونهم حق قراءة ومعرفة حكاية النكبة المفتوحة في فلسطين، فماذا يُعلمون أطفالهم بالمقابل..؟!.
يعترف كاتب إسرائيلي في بحث له” نحن الإسرائيليين نعيش زمن الصراع مع العرب، نعيش في ما يطلق عليه “حقول الدم”، لذا يجب أن نبتعد عن كتابة القصص الجميلة التي تتحدث عن الفراشات والأزهار حتى لا نضلل أطفالنا”.
إلى ذلك، فقد كشفت صحيفة هآرتس العبرية النقاب عن: “أن مؤسسة “يد فشيم” اليهودية- متحف المحرقة اليهودية- في القدس تتلقى وتصدر سنوياً 200 كتاب مذكرات شخصية ليهود عايشوا – على حد زعمهم- المحرقة/ الكارثة اليهودية “، والغاية من هذه الكتب توثيق تفاصيل المحرقة والمعاناة اليهودية -المزعومة – التي يختلف على صحتها عدد كبير من علماء العالم وبعض علماء اليهود، في مسعى راسخ لترويج وترسيخ الرواية الصهيونية المزيفة.
بينما كتب جدعون ليفي مقالا في هآرتس تحت عنوان: “إسرائيل لا تزال تخاف الرواية الفلسطينية ” كشف فيه النقاب عن وجود” 150موقعاً تراثياً على الانترنت “تُروج أكذوبة قديمة كبيرة هي “شعب بلا أرض جاء إلى أرض بلا شعب”.



