أقلام وأراء

د. مجدي جميل شقوره: حكومة التكنوقراط وسؤال الأمن المستحيل

د. مجدي جميل شقوره 18-1-2026: حكومة التكنوقراط وسؤال الأمن المستحيل

قبل أن تبدأ لجنة التكنوقراط عملها، تُحمَّل بشروط تجعل نجاحها أمرًا شديد الصعوبة. فهذه الحكومة، التي يُفترض أن تقوم على الكفاءة لا الانتماء السياسي، تُدفع منذ اللحظة الأولى إلى واقع معقد لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه.

أحد أخطر هذه الشروط هو المطالبة بعدم تعيين أي موظفين لا من السلطة الفلسطينية ولا من حركة حماس. هذا الشرط يبدو حياديًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة يتجاهل واقعًا واضحًا: كل المؤسسات الفلسطينية، المدنية والأمنية، نشأت وتطورت من خلال هذين الإطارين، ولا توجد كوادر جاهزة خارج هذا السياق.

وتظهر الأزمة بشكل أوضح في ملف الأمن والشرطة. فإذا مُنع الاعتماد على أجهزة السلطة، ومُنع في الوقت نفسه الاستناد إلى أجهزة حماس، يبرز سؤال بسيط وخطير: من سيحفظ الأمن؟

هل يمكن بناء جهاز أمني من الصفر؟ هذا أمر غير واقعي.

هل تُترك المهمة لمجموعات مسلحة محلية؟ هذا لا يصنع أمنًا، بل يفتح الباب للفوضى.

أم يُعهد بالأمن إلى أطراف خارجية؟ عندها تفقد الحكومة معناها، وتتحول إلى إدارة بلا سيادة.

في هذا السياق، يطرح تساؤل مشروع: ماذا تريد إسرائيل من هذا الترتيب؟

التجربة تقول إن إسرائيل لا تسعى إلى بناء أمن فلسطيني قوي وموحد، بل إلى واقع أمني ضعيف، قابل للضبط، بلا قرار وطني مستقل. فضعف السلطة وتعدد القوى يخدمان إدارة الصراع لا إنهاءه.

لهذا، تبدو حكومة التكنوقراط حلًا شكليًا أكثر منها حلًا حقيقيًا. فهي مطالبة بإدارة شؤون الناس، وإعادة الاستقرار، دون أن تُمنح الأدوات أو الغطاء السياسي اللازم. يُطلب منها أن تنجح في غياب التوافق، وأن تحل أزمات أكبر منها.

ختاماً المشكلة ليست في الأشخاص ولا في كفاءتهم، بل في غياب قرار سياسي واضح. فلا يمكن لأي حكومة، مهما كانت طبيعتها، أن تنجح دون اتفاق وطني يحدد شكل السلطة، ودور الأمن، وحدود العلاقة مع الاحتلال.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى