ترجمات عبرية

يديعوت احرونوت: مفاوضات عبثية

يديعوت احرونوت 16/1/2026، تساحبي هنغبيمفاوضات عبثية

“يا بيبي اذا كان ثمة شيء ما اعرف عمله فهو الصفقات. هذا ما عملته على مدى كل حياتي!”.

هذا القول سمعه رئيس الوزراء نتنياهو من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اثناء المحادثات في موضوع البرنامج النووي الإيراني. فقد كان الرئيس الأمريكي مقتنعا بقدرته على الوصول مع القيادة الإيرانية الى اتفاق نووي جديد اكثر نجاحا من سابقه. لإسرائيل كانت شكوك. تجربة الماضي علمتها بان الاتفاق الوحيد الذي تستعد ايران للتوقيع عليه هو ذاك الذي لا يحبط سعيها الى سلاح نووي. وكل محاولة لفرض تنازل طوعي عليها عن القدرات الهامة التي جمعتها حتى الان في الطريق الى القنبلة ستصطدم بطريقة مفاوضات طورها الإيرانيون الى مستوى الخبرة العليا: تسويف لا ينتهي دون أي جدوى.

بخلاف رؤساء سبقوا ترامب، مهما كان من متفائل، فهو لا يعاني من وهم ذاتي. فقد اعطى أولوية للدبلوماسية لكنه حدد لها حدودا. فقد طرح ترامب على خامينئي إنذارا لا لبس فيه: المفاوضات التي الطريق المفضل لكلينا، لكن يوجد لنا 60 يوم للوصول الى اتفاق. ليس اكثر.

شهران عقيمان مرا، وفي اليوم الـ 61 انطلقت على الدرب حملة “الأسد الصاعد”. يمكن التقدير بان الولايات المتحدة لم تفاجأ ولم تتحفظ ولاحقا كما هو معروف انضمت الى المعركة.

قبل نحو 30 سنة نشر دونالد ترامب، الذي كان في حينه صاحب عقارات غني، كتابا شائعا وصف فيه فن المفاوضات الذي أدى الى نجاعه التجاري. غير ان هوة عميقة تفصل بين مفاوضات تجارية وبين مفاوضات تجريها دولة عقلانية مع نظام اصولي طاغية. غاية الأول هي رفع الربح المالي الى الحد الأقصى، الهدف الذي يمكن للطرفين أن يحققاه من خلال تقدير عاقل للحسابات، المعطيات والسيناريوهات العقلانية. ملايين الصفقات توقع في العالم الاقتصادي كل يوم بيومه، بفضل حقيقة أن المفاوضين يتمكنون من العثور على نقطة التوازن الأفضل بين مصالحهم. لكن في ساحة المفاوضات السياسية حين يكون أحد الطرفين هو لاعب متزمت وطاغية فان العوامل التي تصمم نتائجها تختلف تماما. فمصير الحوار ستمليه عناصر مؤثرة تتواجد بقدر اقل تسيدا في العالم التجاري: التزام أيديولوجي، ايمان ديني، إرث تاريخي، اعتبارات سياسية، كرامة وطنية. لقد تعرض الرئيس ترامب لهذا الواقع منذ ولايته الأولى حين لم تؤدي جهوده الخاصة لتحقيق توافقات مع زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ اون الى الاختراق المنشود. وفي ولايته الحالية أيضا شهد ترامب خيبات أمل، ليس فقط كنتيجة للموقف العنيد من الزعيم الإيراني الأعلى، بل وأيضا في موضوع مبادرته لانهاء الحرب في أوكرانيا. والان تصل الولايات المتحدة مرة أخرى الى مفترق طرق في الموضوع الإيراني.

ان استعداد البيت الأبيض لان تستأتف الان المفاوضات مع ايران من شأنه أن يتبين كخطأ استراتيجي متسرع. لا يوجد حبل نجاة ناجع اكثر للنظام الشيعي المتزمت الذي يشعر بالأرض تهتز تحت اقدامه. لا توجد ضربة اقسى للجماهير المحتجة الشجاعة الذين نالوا في أسابيع قليلة بثمن انهار من الدم زخما تاريخيا في صراع طويل السنين للحرية. من الصعب أن نصدق ان الرئيس الأمريكي ليس واعيا لذلك ولهذا معقول جدا ان الانباء عن فتح فوري للمفاوضات بين الدولتين كانت سابقة لاوانها جدا.

ماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تفعله الان.

يبدو الرئيس ترامب مصمما على ان ينفذ التزامه العلني لإنقاذ الشعب الإيراني. لهذا الغرض يتعين عليه أن يأمر بحشد قوة مناسبة لمنطقة الخليج الفارسي تسمح للقيادة الوسطى الامريكية بجمع قدرة عمل ميدانية في المجال الهجومي وفي المجال الدفاع، في الساحة البحرية وفي الساحة الجوية. قبل امر المعركة، فانه حتى قوة عظمى عالمية تحتاج الى اعداد دقيق وحشد اقصى لقدرات الدفاع الجوي، الاتصالات، الاستخبارات، الصحة، الذخيرة، اللوجستيات ومنظومات القيادة والتحكم.

يمكن التقدير بان الولايات المتحدة استعدت على مدة أسابيع في هجوم دقائق قليلة نفذها طيارو B2 على ثلاثة مواقع النووي الإيراني في شهر حزيران الماضي. خطوة عسكرية أمريكية أخرى، وان كانت من غير المعقول ان تتضمن مهام برية مثل الاجتياح الليلي في فنزويلا، ستكون معقدة وواسعة اكثر بكثير. وبالتالي فان الاستعدادات التي تضمن نجاحها يجب ان تكون جذرية.

هل عملية أمريكية ستؤدي الى اسقاط النظام؟ تقديري، ليس بوسع هجوم عسكري أن يسقط النظام. الجيش الإيراني يعد اكثر من نصف مليون جندي نظامي وعدد مشابه من جنود الاحتياط. في الحرس الثوري يخدم نحو 200 الف مسلح ومدرب. قوات حفظ النظام التي تسمى “البسيج” تعد اكثر من ملليون شخص. هذه حجوم ستنجح في امتصاص ضربة جوية، مهما كانت واسعة ولن تتناثر في اعقابها في كل صوب. اذا ما أصيب قادة في هذه المنظومات، معقول ان يكون بدائلهم عينوا منذ الان.

الامر صحيح أيضا بالنسبة لضرب شخصيات مركزية في قيادة النظام. يوجد في ايران مخزون واسع النطاق من رجال الدين المتزمتين والمسؤولين في الحاضر وفي الماضي في الحرس الثوري، ممن هم ملتزمون بالفكر الأيديولوجي للنظام ويمكنهم ان يخلفوا القيادة الحالية اذا ما أصيبت.

إصابة كهذه لا بد ستسحق صورة القوة للنظام لكن مشكوك ان تتضرر قدرته على أداء بمدى حرج. حتى في اليوم التالي للهجوم ستتبقى في ايران قوة مضادة مسلحة ومنظمة جاهزة لاستغلال الهزة والاستيلاء على الحكم.

ماذا إذن المنفعة من خطوة عسكرية أمريكية.

المساهمة الفورية معنوية. قوى الاحتجاج ستحظى بريح اسناد غير مسبوق. لحقيقة أنهم لم يعودوا وحدهم وان هذه المرة العالم الحر لن يتخلى عنهم وانه يوجد لهم لأول مرة في تاريخ ايران شركاء أقوياء في الساحة الدولية كفيلة بان يكون لها تأثير حاسم على دوافعهم لمواصلة الصراع رغم الثمن الرهيب الذي يدفعه هم وعائلاتهم. لتواصل الاحتجاج واتساعه على مدى الزمن أهمية عليا: كي ينهار النظام بالفعل في نهاية الامر مطلوب ان تؤمن شخصيات مركزية في أجهزة الامن المختلفة، واساسا في الجيش الذ    ي يشكل جزءً مخلصا من الجمهور الإيراني بان البديل لحكم الشيوخ لم يعد خياليا. اثبات طول نفس، استعداد للتضحية، بلورة قيادة لقوى الاحتجاج ستعظم الاحتمال في أن يختار مراكز ثقيل في أجهزة الحكم الوقوف في اللحظات الحاسمة الى جانب الجماهير.

كيف ينبغي لإسرائيل أن تعمل في هذه الفترة؟

القرار بالحرص على لجم لفظي هو السياسة الصحيحة. لا ينبغي الانحراف عنها حتى عندما يتعاظم الاغراء للتعبير. واضح انه لا ينبغي التنكر لصرخة الشعب الإيراني المتطلع الى الحرية. لكن كل قول زائد من جهة رسمية سيشكل أداة لدى النظام لتشويه سمعة المتظاهرين وطهارة نواياهم. بالطبع اذا ما اطلقت ايران الصواريخ نحو إسرائيل سواء في اعقاب هجوم امريكي ام كخطوة مبكرة علينا ان نرد بقوة واسعة. هذا بالتأكيد تطور لا يمكن الاستخفاف به. انا مقتنع بان المسؤولين عن ذلك يستعدون سواء في كل ما يتعلق بالدفاع عن الجبهة الداخلية ام في المستوى الهجوم. لكن طالما لا تقف إسرائيل في مقدمة المواجهة، خير تفعل اذا ما انتظرت الاحداث ولم تشجيعها.

“الانتظار” هو أيضا اسم القصيدة التي كتبتها وغنتها ريتا قبل سنوات عديدة. لم تكتب كلماتها على خلفية ما يجري في شوارع طهران النازفة، وهي مدينة مولد المغنية الرائعة لكنها اليوم تعكس التطلع الإنساني لبشرى ايران حرة من القمع:

“ذات يوم سيحصل هذا.

دون ان نشعر،

شيء ما سيتغير…”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى