أقلام وأراء

عياد البطنيجي: “اللجنة الإدارية” وتحولات غزة من السيادة إلى نزع السلاح السلس

عياد البطنيجي 16-1-2026: “اللجنة الإدارية” وتحولات غزة من السيادة إلى نزع السلاح السلس

دخل الصراع في قطاع غزة مرحلة يمكن وصفها بـالتفكيك الهادئ، حيث تراجعت لغة المدافع لصالح أدوات سياسية وإدارية أعادت صياغة الواقع الميداني بعيداً عن ضجيج المواجهات الكبرى. وفي قلب هذا المشهد، يبرز تشكيل “لجنة إدارة قطاع غزة” بوصفها أهم تحول بنيوي منذ عقود؛ فهي ليست مجرد إجراء تنظيمي روتيني، بل هي الأداة الاستراتيجية التي تمهد الطريق لتحويل سلاح حركة حماس من أداة سيادة وسلطة إلى عبء أمني، مما يجعل نزعه في المرحلة المقبلة مساراً منساباً وتلقائياً.

لقد حرصت الحركة طوال فترة حكمها على تكريس معادلة “غزة هي حماس، وحماس هي غزة”، وهي ذات الاستراتيجية التي تبنتها إسرائيل في حربها الأخيرة وفقاً لما اصطلحت عليه بـ “التصنيف الموحد للتهديد”، حيث اعتُبر كل ما في القطاع جزءاً من كيان موحد يبرر الاستهداف الشامل. إلا أن بروز اللجنة الإدارية جاء ليكون بمثابة “المبضع السياسي” الذي أجرى فصلاً جراحياً بين السكان والحركة، وأنهى أسطورة الكيان الموحد. إن وجود بديل إداري يتولى شؤون الحاضنة الشعبية لم يسحب بساط التمثيل المدني من تحت أقدام الحركة فحسب، بل أسقط شرعية التدمير الشامل؛ فبتفكك هذه الذريعة، تحول الصراع من حرب مكثفة على قطاع بأكمله إلى عمليات أمنية ملاحقة لتنظيم فقد تموضعه فوق الأرض وبات معزولاً عن مؤسسات الحكم وحاجات الناس.

هذا الانكشاف الاستراتيجي وضع السلاح أمام طريق مسدود، ففقد قيمته كأداة لفرض المعادلات السياسية أو تغيير قواعد الاشتباك، وبات سلاحاً بلا غطاء سياسي أو وظيفي. ومع تولي اللجنة الإدارية زمام الأمور، تجد حماس نفسها بلا دور في أي ترتيبات إقليمية أو مشاريع دولية لإعادة الإعمار، مما حول وجودها المسلح إلى حالة عصابية تفتقر للشرعية والغطاء الشعبي، بل وبات السكان يرون في هذا السلاح عائقاً أمام عودة الحياة الطبيعية بدلاً من كونه أداة حماية.

بناءً على هذا الواقع، فإن نزع سلاح الحركة في المرحلة المقبلة لن يتطلب بالضرورة حملات عسكرية مدمرة، بل سيتحقق كتحصيل حاصل لثلاثة عوامل: العزلة الوظيفية التي جعلت السلاح مكلفاً بلا جدوى سياسية، وفك الارتباط الشعبي الذي جعل تجريد السلاح مطلباً ضمنياً للاستقرار، وأخيراً الضغط الدولي المرتبط بإعادة الإعمار. لقد وضعت اللجنة الإدارية الحركة أمام خريف تنظيمي جعل من نزع سلاحها إجراءً أمنياً روتينياً ينساب مع تدفق الإدارة الجديدة، لتطوى بذلك صفحة حماس كـ “كيان سيادي”، وتتحول إلى مجرد “ظاهرة مسلحة” تفقد مبررات بقائها يوماً بعد يوم بعد أن جردها المبضع السياسي من فاعليتها وشرعيتها.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى