أقلام وأراء

رفيق خوري: نهاية “الاستقلال الإسرائيلي” عن القرار الأميركي

رفيق خوري 3-1-2026: نهاية “الاستقلال الإسرائيلي” عن القرار الأميركي

لا قوة إلا نسبية، ولا ضعف إلا نسبي. قوة إسرائيل تعود في بعض عناصرها إلى الضعف العربي والدعم الأميركي المطلق ومصالح روسيا والصين مع تل أبيب. ومن الوهم التصور أن مستقبل الشرق الأوسط يتقرر في قمة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع “مارالاغو” بفلوريدا، فلا “يالطا جديدة” بعدما انتهى زمن قمة يالطا بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية وانتهت مفاعيلها، ولا أميركا وإسرائيل حسمتا حروب غزة ولبنان وإيران.

“إسرائيل العظمى” التي وعد نتنياهو بالوصول الى مرتبتها خلال أربع سنوات ليست سوى سراب، و”إسرائيل الكبرى” ليست قابلة لأن تتحقق باحتلال أجزاء إضافية من أرض لبنان وسوريا. وما كان آرون ميلر يبالغ عندما ختم تجربته الطويلة كوسيط في تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي بالتأكيد على “موت إسرائيل الكبرى وموت التسوية الكبرى، واللعبة اليوم هي الأحادية”. ومختصر الوضع في رأي المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس هو أن “آلة إسرائيل العسكرية أقوى من السابق، لكن الإسرائيليين صاروا أكثر قابلية للعطب مما كانوا عليه عام 1950”.

ذلك أن الوجه الآخر لقمة فلوريدا التي حمل إليها نتنياهو قضايا غزة ولبنان وسوريا وإيران، هو إعلان نهاية “الاستقلال الإسرائيلي” عن القرار الأميركي. فعلى مدى عقود كان الانطباع الشائع في الشرق الأوسط وأوروبا وحتى أميركا هو أن إسرائيل تسيطر على سياسة الدولة العظمى. ومنذ عملية “طوفان الأقصى” وحرب غزة ولبنان وإيران، بدت إسرائيل عاجزة عن اتخاذ أي قرار في مسألة مهمة من دون ضوء أخضر أميركي، وأحياناً من دون مشاركة أميركا في القتال.

ما فعله ترامب هو أنه أخذ اللعبة بيده وبدأ يرفض أو يوافق على مواقف إسرائيل من خلال ما يضر أو يدعم مشروعه لسلام الشرق الأوسط. لا أحد يعرف إلى أي مدى يستمر في ذلك خلال السنوات الثلاث الباقية له في البيت الأبيض، لكن سجل السياسة الأميركية حيال إسرائيل والمنطقة شهد طلعات ونزلات. شيء من تكبيل أيدي إسرائيل حين تصطدم بالمصالح الحيوية الأميركية، وشيء من دعم سياساتها ولو على حساب المصالح الأميركية، والسجل طويل.

حين طلب الرئيس دوايت أيزنهاور انسحاب إسرائيل من سيناء بعد حرب السويس التي شاركت فيها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 1956 بكت غولدا مائير وأمر بن غوريون بتنفيذ الانسحاب. كان السبب شن حرب من دون التشاور مع واشنطن وبروز فرصة لوراثة النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط. وكان رأي وزير خارجيته جون فوستر دالاس هو أن “إسرائيل حجر رحى في أعناقنا”. وفي رسالة من أيزنهاور إلى دالاس جاء: قل لإسرائيل إن سياسة الرئيس هي الاستمرار في موفقه كما لو أنه ليس في أميركا یهود”. أما وزير الخارجية دين أتشسون، فإنه رأى أن “الصهيونية كسياسة أميركية رسمية ستسمح للعواطف الباطنية لليهود بالتعتيم على المصالح الأميركية”. أما الرئيس ريتشارد نيكسون فإن الدرس الذي قال إنه تعلمه من حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 هو “منع العرب من القدرة على شن حرب على إسرائيل”. ومنذ الرئيس بيل كلينتون زاد الدعم الأميركي لإسرائيل وصولاً الى الرئيس جو بايدن ثم ترمب، بحيث قال وزير الخارجية في إدارة بايدن أنتوني بلينكن خلال زیارته إسرائيل بعد “طوفان الأقصى”: “جئت إليکم کيهودي”.

المفارقة أن السياسة الرسمية الأميركية تقترب أكثر من إسرائيل في حين صار الرأي العام الأميركي يعبر عن مواقف سلبية من دعم الدولة العبرية. ومن الآراء اللافتة مقال نشرته “فورين أفيرز” في عددها الأخير لنائب المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي للشؤون الإسرائيلية والفلسطينية والباحث في مركز التقدم الأميركي للأمن القومي والسياسات العالمية أندرو میلر.

عنوان المقال هو “نهاية الاستثناء الإسرائيلي”، ويقول إن بين أميركا وبريطانيا “علاقة خاصة”، لكن بين أميركا وإسرائيل “علاقة استثنائية”، وهذه الاستثنائية “اعافت مصالح البلدين وأضرت بالفلسطينيين”. فإسرائيل، وحدها تقريباً، تقوم بأفعال ضد القوانين الأميركية والقوانين الدولية من دون أي محاسبة أو عقاب سياسي أميركي، تخالف “قانون ليهي” عبر خرق حقوق الإنسان ويستمر الدعم العسكري لھا، وتمارس “سلوكاً خطراً يستنزف نفوذ واشنطن الدولي من دون كلفة”.

ما يقترحه ميلر هو العمل على “نموذج جديد” لأن الحالي لا يمكن أن يستمر. أي نموذج؟ “تطبيع العلاقات”. التحول من “علاقة استثنائية” إلى “علاقة طبيعية عادية” مثل العلاقات بين أميركا وحلفائها وأصدقائها. و”إذا أجّلت أميركا هذا التحول فإن النتيجة هي الإضرار بموقعها الدولي وتوسع عزلة إسرائيل لدى الشعب الأميركي وبقية العالم وسقوط المجتمع الفلسطيني”، لكن ميلر يعرف بأنه ما دام ترمب في البيت الأبيض ونتنياهو في رئاسة الحكومة فمن المشكوك فيه تغيير المسار، ثم يصر على طلب ملح هو منع إسرائيل من ضم الضفة الغربية ليبقى الطريق مفتوحاً الى دولة فلسطينية على أساس “حل الدولتين”.

السؤال هو: هل يمسك ترمب بالمفتاح الأساس في حروب إسرائيل وتسوياتها لكي يخدم سياسة أميركا ولو على حساب إسرائيل أم يستمر في خدمة السياسة الإسرائيلية بحجة أنها صارت تدار من أميركا؟ المؤرخ الأميركي اليهودي طوني جت يذهب إلى أبعد من المطلب بالقول: “إسرائيل مغالطة تاريخية”. والديموغرافي سيرجيو ديلا بيرغولا يحذر من أنه “بعد جیل يصبح عدد اليهود بين البحر والنهر أقل من ثلث السكان”، لكن من الوهم بعد الآن تجاهل اللاعب العربي في التأثير على أميركا ومواجهة سياسة إسرائيل.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى