أقلام وأراء

إميل أمين: 2025… إرث من خطوط الصدع

إميل أمين 28-12-2025: 2025… إرث من خطوط الصدع

على بُعْد أيّام قليلة ينصرم عام 2025، لتقبل البشريّة على عامٍ جديد، غير أنّ المستقبلَ فلسفيًّا، ليس إلا الحاضر، وهو يتكوّن في رَحِم الأحداث، وعليه لن يكون العام المقبل، سوى امتدادٍ للواقع الحاليّ، ولا يمكن استشراف الغد إلا من خلال نظارة الأوضاع الآنية.

تبدو فكرة التعرّض لخطوط الصدع الأمميّة في مقال بعينه، أمرًا خارج المتاح، لكنّها محاولة على الأقل لتلمس ما يمكن أن نسمّيَه أهمّ خطوط الصدع في الشرق الأوسط والعالم العربيّ من ناحيةٍ، وحول العالم من ناحيةٍ أخرى.

لتكنْ البداية من عند القضيّة الشرق أوسطيّة المحوريّة، منذ ثمانية عقود ونَيِّف، أي القضيّة الفلسطينيّة، ففي خلال يومين، سوف يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتانياهو، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والأخير من الواضح أنّه يستقبل الأول على مضضٍ، كما تَبَيَّنَ من تصريحاته في البيت الأبيض.

اللقاء يأتي على عتبات المرحلة الثانية من محاولة استنقاذ قطاع غزّة، لكنّ الشيطان وكما يُقال يسكن في التفاصيل، كما أنّه لا يغيب عن أعين الذين لديهم علمٌ من كتابٍ، أنّ شهوة قلب رئيس الحكومة الإسرائيليّة اليمينيّة، إفشال التهدئة في غزة، وربّما جاءت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيليّ قبل أيّام عن مخطّطات البقاء في غزّة، كاشفةً عن حنايا الصدور.

أحد الأسئلة المتصلة بمآلات العام القادم، يتعلق بالوضع بين تل أبيب وطهران، ذلك أنّه لم يعُدْ سرًّا القول إنّ نتانياهو يرغب رغبةً عارمةً في توجيه ضرباتٍ جديدة للعسكريّة الإيرانيّة، بذريعة محاولة طهران إعادة بناء قوّتها الصاروخيّة.

السؤال المهمّ هنا: هل سينصاع الرئيس ترمب لرغبات نتانياهو؟

المؤكَّد أنّ العلاقات الأميركيّة–الإسرائيليّة تمرّ بأوقاتٍ غير مريحةٍ، والدعم التاريخيّ التقليديّ لتلّ أبيب ظالمة دومًا غير مظلومة البتّة، يتراجع باعتراف سيّد البيت الأبيض، كما أنّ رصيد الأسلحة الإستراتيجيّة الأميركيّة، لا سِيّما صواريخ الاعتراض الباليستيّة قد تراجع بعد حرب الـ 12 يوم الأخيرة بين إيران وإسرائيل، ما يجعل واشنطن تتردّد عن الدخول في مغامرة عسكريّة جديدة في الشرق الأوسط، لا سِيّما أنّ هناك صدعًا قريبًا جديدًا ينتظرها في قادم الأيّام وبشكلٍ سريع في الجنوب اللاتيني .

صدوع الشرق الأوسط في واقع الأمر، لا تتوقّف عند حدود القضيّة الفلسطينيّة، بل تمتدّ إلى عددٍ من الجراح المفتوحة، وعلى الناظر أن يولّي وجهه شطر اليمن وما يجري هناك من محاولاتٍ لشقِّ الصفّ اليمني الموحّد، ومنه إلى السودان المتألّم والمنقسم، وصولًا إلى ليبيا المتشارعة والمتنازعة في داخلها، عطفًا على سوريا التي تحتاج إلى الكثير من الوقت لتستعيد كامل عافيتها.

في إستراتيجيّته الحديثة للأمن القوميّ، تكلَّمَ الرئيس الأميركيّ عن الشرق الأوسط، بوصفه منطقة يسودها السلام، وتنعم بمزيدٍ من الحرّيّة والديمقراطيّة، ويبتعد عنها شبح الحرب، وهي أمنياتٌ غالية يتمنّى المرءُ أن تتحقّق، لكنّ الحقيقة، هي أنّها على العكس من ذلك بشكلٍ مؤكّد.

من الصدوع المثيرة للقلق عالميًّا، ما يجري في النصف الآخر من الكرة الأرضيّة، وبالتحديد بين الولايات المتحدة الأميركية وفنزويلا، وما من أحدٍ قادر على توقُّع خطوة الرئيس ترمب القادمة، وهل سيُقْدِم بالفعل على عملٍ عسكريٍّ كبير وخطير يعيد سيرة ڤيتنام من جديد في أميركا اللاتينيّة أم لا؟

يبدو لمن قرأ فكر ترمب جيّدًا أنّ الرجل مهموم إلى درجة محموم بفكرة “النقاء الجيوسياسيّ”، بمعنى أن تظلَّ القارة اللاتينيّة مجالاً واسعًا للنفوذ الأميركيّ المطلق، من غير شريك أو منافس، أي تطبيق مبدأ مونرو بكامل حروفه.

ولعله من بين علامات الاستفهام الغامضة “هل يمكن أن تتوقّف مغامرات الرئيس ترمب عند حدود نظام مادورو، أم أنّ نظريّة “أحجار الدومينو” سوف تمتدّ إلى جوارها من دول لا تمضي في إثر السرب الأميركيّ، كما الحال مع كولومبيا، ثمّ الأرجنتين، وكوبا وربّما بوليڤيا وتشيلي، أي إحداث ثورة مسلّحة في تلك القارة الفقيرة إنسانويًّا والغنيّة بثرواتها المغرية لا سِيَّما النفط الذي يجاهر ترمب بأنّه حقٌّ مُكتسَبٌ للولايات المتّحدة الأميركيّة.

على رأس الصدوع التي يخلفها العام 2025، وربّما أخطرها، يتمثّل في تصاعد حِدَّة الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، نتيجة توسُّع الهجمات على البنية التحتيّة الحيويّة والمراكز السكّانية لكلّ جانب، وهو ما رأيناه واضحًا خلال الأسبوع الماضي، في تبادل للموت المحمول جوًّا على الجانبين.

والشاهد أنّه على الرغم من المحاولات الجادّة والجارية من جانب إدارة الرئيس ترمب، لتهدئة الأوضاع والتوصّل إلى اتّفاقٍ مبدئيٍّ لوقف إطلاق النار، وتاليًا اتّفاق سلامٍ ينزع فتيل هذه الحرب، وما يمكن أن ينشأ من رَحِمها من حربٍ كونيّة، لا تزال الجهود متعثرةً، واحتمالات الفشل لا تقلّ عن احتمالات النجاح، ما يجعل مستقبل الأزمة مخيفًا حقًّا، لا سِيَّما حال سخونة الرؤوس من أيّ طرفٍ وتجاوز حدود الأسلحة التقليديّة.

الصدع الروسيّ–الأوكرانيّ أنشأ، وبالحتميّة التاريخيّة، صدعًا شديد الوعورة والخطورة في البنية الهيكليّة للعلاقات الروسيّة–الأوروبّيّة، والتي تراجعت بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من الطرح الأوراسيّ للتعاون بين أوروبّا وروسيا.

ضمن سطور إستراتيجيّة الأمن القوميّ الأميركيّ الحديثة، نرى ما يشبه اللوم الأميركيَّ الواضح لقيادة أوروبا السياسيّة، بل تحميلهم وِزْرَ ما يجري في حكومة زيلنسكي، من إصرار على إكمال الحرب مع الروس.

الصدوع التي يخلّفها العامُ الحاليُّ، ربّما تصيب أحد أهمّ المنظومات السياسيّة عبر العقود الثمانية الماضية، أي حلف الناتو، والذي يتصدّعُ يومًا تلو الآخر، وعلى غير المُصَدَّق أن يراجع تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرز عن نهاية زمن الباكس أميركانا، أو السلام الأميركيّ، والذي ساد بعد الانتصار المُدَوِّي للحلفاء على دول المحور في الحرب العالميّة الثانية.

من بين الصدوع، نكتشف أنّ التحالف الأميركيّ–الأوروبيّ، مهدَّدٌ اليوم وبقوّةٍ من خلال ما تمثّله فكرة جزيرة غرينلاند الدنماركيّة بالنسبة للولايات المتّحدة الأميركيّة، لا سِيَّما في ظلّ إصرار الرئيس ترمب على أنَّ تلك الجزيرة حجر زاوية مهمٌّ جدًّا للأمن القوميّ الأميركيّ، وبالتالي لا بدَّ من وضع اليد عليها، سلمًا أو حربًا، الأمر الذي يفتح الباب واسعًا لنهاية اتّفاقية ويستفاليا، والتي باتت واشنطن بشكلٍ أو بآخر لا تعيرها أيَّ انتباه، وما من أحدٍ قادر على التنبّؤ بمآلات المشهد هناك، بل والتساؤل الأهمّ: ماذا سيكون من شأن رَدَّات الفعل الروسيّة والصينيّة، الدولتان اللتان تدركان بامتيازٍ أنّ الأمر بمثابة بداية لصراعٍ أوسع وأشمل في القطب الشماليّ.

لا توفر الصدوع في 2025 القارّة الآسيويّة، وبخاصّة في ظلّ العداء المتنامي من جديد بين الصين واليابان، والصين والهند، ثم الهند وباكستان.

وفي الطرف البعيد من أقصى شرق العالم، تبدو منطقة الإندوباسيفيك، مرشَّحةً بدورها لصدامٍ قادم لا محالة، وبخاصّة في ظلِّ محاولات التمَدُّد الأميركيّ عبر أستراليا، وهو ما تراه بكين تهديدًا لأمنها القوميّ، حيث تطال صواريخ الغَوَّاصات من نوعيّة فيرجينيا الحواضن الصينية بامتيازٍ، ما يحمل الصينيّين على التفكير بشكلٍ مؤامراتيّ للتاريخ القادم. الصدوع تتجاوز في حقيقة الحال ما هو عسكريٌّ، فهناك أزمات الديون ومخاوف الصدع الاقتصاديّ الأكبر في 2026، ناهيك عن مآلات حالة كوكب الأرض الإيكولوجية ، والصراع في الفضاء، والعديد من الملفّات التي تحتاج حكمًا لقراءاتٍ قادمة بإذن الله.

لكن ورغم كلّ شيء، أمنياتنا بان يكون عامًا سعيدًا للجميع بإذن الله.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى