منوعات

د. حسن بشارات:  الصدمة الفلسطينية… حين تتبعثر الحروف لتُعيد تشكيل الصمود

د. حسن بشارات 17-12-2025:  الصدمة الفلسطينية… حين تتبعثر الحروف لتُعيد تشكيل الصمود

في السياق الفلسطيني، لا تبقى الصدمة مجرد حدث عابر، بل تتحول إلى تجربة جمعية متكررة، تتبعثر حروفها في الوجدان، ثم ما تلبث أن تعيد تشكيل ذاتها لتُسمّى: صمودًا.

في ظل الصدمات المتلاحقة التي يتعرض لها الفلسطيني بفعل الاحتلال وغطرسته، ومساعيه الدائمة لسلخ الإنسان عن أرضه وتهجيره قسرًا، ينجح الاحتلال مرارًا في القمع والتنكيل والقتل والتدمير، لكنه تاريخيًا فشل في زعزعة الصمود الفلسطيني، الصمود المؤمن بحقه الطبيعي في العيش على الأرض التي خُلق عليها، وحملت تاريخ آبائه وأجداده.

منذ النكبة وما سبقها من إرهاصات التهجير والاقتلاع، تعاقبت الصدمات وتوالت، وكان لوقعها النفسي أثر بالغ على الإنسان الفلسطيني. حتى بات يستقبل الفقدان من بوابة التقبّل، ويؤجل ما يسبقه من انفعالات وأعراض نفسية، ليحيلها إلى مكبوتات تتخذ لاحقًا شكلًا صموديًا، يدفعه لتحدي الواقع المؤلم، والبحث المستمر عن معنى للحياة رغم القهر.

تجلّت هذه الصلابة النفسية في التزام الفلسطيني بموروثه الوطني، وفي قدرته على التكيف والتحكم النسبي بالتغيرات الضاغطة التي تفرضها عليه الحياة اليومية تحت الاحتلال؛ من حواجز وتفتيش، ومداهمات واعتقالات، واغتيالات، واحتجاز جثامين، وهدم بيوت، وإعادة إنتاج الخراب بشكل متكرر. ورغم ذلك، يخرج الفلسطيني شامخًا، معتزًا بذاته وهويته، متحديًا هذه الإجراءات، دون اكتراث كامل بالتصنيفات الجامدة للدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية.

فالتجربة الفلسطينية، بما تحمله من خصوصية تاريخية ونفسية وإنسانية، تبدو وكأنها بحاجة إلى دليل آخر، مختلف في مفاهيمه ومعاييره، دليل يقرأ الصمود لا بوصفه إنكارًا للألم، بل كآلية بقاء، ووسيلة مقاومة، وشكلًا متقدمًا من أشكال التكيف في سياق استثنائي لا يشبه سواه.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى