معهد بحوث الأمن القومي (INSS): التحالف الذي يُشكّل الشرق الأوسط والتحدي الذي تواجهه إسرائيل

معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 30/11/2025، الداد شفيت ويوئيل جوزانسكي: التحالف الذي يُشكّل الشرق الأوسط والتحدي الذي تواجهه إسرائيل
مثّلت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن مرحلةً جديدةً في العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. وتشمل الاتفاقيات التي تم التوصل إليها، بحسب التقارير، تعزيزًا كبيرًا للتعاون الأمني بين البلدين، وموافقة الرئيس ترامب المبدئية على بيع طائرات إف-35 للسعودية، واستثمارات سعودية في الولايات المتحدة قد تصل إلى تريليون دولار، ومحادثات متقدمة، وإن لم تكن نهائية، حول مشروع نووي مدني. وسعى البلدان خلال الزيارة إلى تحقيق أهداف استراتيجية، سيكون لتحقيقها تأثير مباشر على تشكيل المشهد في الشرق الأوسط في السنوات القادمة.
من منظور إدارة ترامب
ترسيخ المملكة العربية السعودية في المعسكر الأمريكي في عصر التنافس بين القوى العظمى – في السنوات الأخيرة، عززت المملكة العربية السعودية علاقاتها الاقتصادية والطاقوية الوثيقة مع الصين وروسيا، بدءًا من اتفاقيات النفط في إطار أوبك+ وصولًا إلى التعاون في مجال التكنولوجيا والبنية التحتية. من منظور واشنطن، تهدف الجهود المبذولة لإثبات مكانة المملكة العربية السعودية كحليف استراتيجي إلى الحد من مخاطر “تحول الرياض شرقًا” وضمان بقاء تركيزها الاستراتيجي في الولايات المتحدة.
تعميق الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية – وعد الاجتماع باستثمارات سعودية واسعة النطاق في الولايات المتحدة، بما في ذلك في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. وتحرص الإدارة الأمريكية على مساعدة المملكة العربية السعودية في تحقيق طموحها في ترسيخ مكانتها كـ”مركز للابتكار” في الشرق الأوسط (كجزء من رؤيا السعودية 2030)، وترسيخ ذلك باستثمارات سعودية ضخمة في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا الفائقة والصناعات المتقدمة في الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، تتوقع واشنطن من المملكة العربية السعودية أن تتوافق مع بعض اللوائح الأمريكية المتعلقة بالتقنيات الحساسة وفي التعامل مع الصين.
تعزيز رؤيا ترامب لهيكلية إقليمية جديدة – ترى الإدارة الأمريكية أن وقف إطلاق النار في حرب قطاع غزة وإطلاق سراح رهائن حماس الأحياء خطوة أولى في خطة لتوسيع وتعميق “اتفاقيات إبراهيم”، ودمج المملكة العربية السعودية في إطار أمني واقتصادي تجاه إسرائيل، ونقل جزء كبير من عبء الاستقرار الإقليمي إلى شركائها الإقليميين أنفسهم. في ظل هذه الخلفية، ناقش الرئيس ترامب وولي العهد تعزيز عملية تطبيع واسعة النطاق بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل. وأكد الرئيس على التطبيع كرافعة لهيكلية إقليمية جديدة، قائمة على التعاون الاقتصادي والأمني. وعرض ابن سلمان المطالب السعودية لتحقيق هذا الهدف، وعلى رأسها الضمانات الأمنية الأمريكية، وحزمة أسلحة متطورة، وموافقة إسرائيل على خطة “لا رجعة فيها” لإقامة دولة فلسطينية.
من منظور المملكة العربية السعودية
شكّلت الزيارة نقطة تحول مهمة لمحمد بن سلمان في استعادة صورة المملكة في الولايات المتحدة بشكل خاص وفي الغرب بشكل عام. يرى أن نتائجها دليل على أن السعودية لاعب رئيسي في النظامين الإقليمي والدولي. فالاحتفالات الحاشدة في البيت الأبيض، بما في ذلك عشاء رسمي مخصص لرؤساء الدول، واجتماعات مطولة، واعتراف الرئيس ترامب العلني بمكانة ابن سلمان كزعيم شرعي لا جدال فيه للمملكة، كل ذلك عكس تحولاً كبيراً عن الماضي، وخاصةً عن إدارة جو بايدن، حيث كانت الصورة العامة لولي العهد في الولايات المتحدة عائقاً كبيراً أمام تحسين العلاقات.
إن الموافقة على النية الأمريكية لبيع أسلحة متطورة، وعلى رأسها طائرات إف-35 – وهي من أكثر الطائرات تطوراً في سلاح الجو الأمريكي – في حال الوفاء بالوعد الأمريكي، يُعد تطوراً تاريخياً: ستكون السعودية أول دولة عربية تتسلم هذه الطائرات. وكما تتذكرون، تلقت الإمارات العربية المتحدة وعداً مماثلاً عشية انضمامها إلى “اتفاقيات إبراهيم”، والذي لم يتحقق في النهاية. حتى لو أجّل الكونغرس الصفقة، فإن الإعلان بحد ذاته يُعبّر عن رؤية الرياض لواشنطن كشريك أمني رئيسي، وأن ميزان القوى في الخليج والشرق الأوسط يميل لصالحها. ومن إنجازات الرياض الأخرى رفع القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتطورة إلى المملكة العربية السعودية، التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها كمركز تكنولوجي عالمي، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لاستخدامها في مشاريع طموحة مثل مدينة “نيوم”. ويُعتبر موافقة واشنطن على هذا، رغم الوجود القوي لشركات التكنولوجيا الصينية في المملكة، تعبيرًا أمريكيًا استثنائيًا عن الثقة في السعوديين – مع أن هذه الخطوة ربما كانت مصحوبة بشروط، ووافقت الرياض على زيادة الرقابة و/أو القيود على النشاط الصيني في المملكة. إضافةً إلى ذلك، منحت واشنطن المملكة العربية السعودية صفة “حليف رئيسي من خارج الناتو”، ورغم أن هذه الصفة رمزية في المقام الأول، وهي الصفة التي تتمتع بها الكويت والبحرين وقطر بالفعل، إلا أنها تُوفر مزايا في مجال المشتريات العسكرية، وتُشير إلى العالم بأن الرياض قد استُعيدت مكانتها كشريك رئيسي في الهيكل الأمني الأمريكي. إلى جانب هذه الإنجازات، لم يتحقق أهم هدفين للسعودية:
اتفاقية دفاعية ملزمة ورسمية – لم تتمكن الرياض بعد من الحصول على موافقة أمريكية على مثل هذه الاتفاقية، التي يُفترض أن تُشكل إطارًا دفاعيًا، مقابل التزام سعودي بالتنسيق السياسي والإقليمي. على مدار عامين، عمل السعوديون على تعزيز هذا الإطار بحيث يتضمن التزامًا أمريكيًا رسميًا بالدفاع عن المملكة في حال تعرضها لهجوم. (أعطت واشنطن قطر وثيقة مماثلة عقب الهجوم الإسرائيلي على الدوحة (أمرًا رئاسيًا)، لكنها لم تُعمّم هذه الصيغة على الرياض).
اتفاقية تخصيب اليورانيوم في المملكة – الهدف الثاني الذي لا يزال بعيد المنال بالنسبة للسعوديين هو “اتفاقية 123” التي ستسمح بإنشاء بنية تحتية نووية مدنية تحت إشراف أمريكي. على الرغم من التقدم المحرز في السنوات الأخيرة في المناقشات بين البلدين حول هذه القضية، يرفض الكونغرس الموافقة على اتفاقية تتضمن إمكانية التخصيب المحلي في المملكة العربية السعودية، ويبدو أن بن سلمان غير مستعد للتخلي عن طموحه في السيطرة على جميع مكونات دورة الوقود النووي. من المحتمل أن واشنطن تُبقي على مسألة اتفاقية الدفاع والتعاون في المجال النووي كوسيلة ضغط نحو خطوة مستقبلية نحو التطبيع مع إسرائيل، أي دون تغييرات جوهرية في السياسة السعودية. إذا كان الأمر كذلك، فهذه أخبار سارة لإسرائيل. فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل، قد توافق الرياض في نهاية المطاف على التطبيع، لكنها تُؤكد أنها لن تفعل ذلك دون إحراز تقدم ملموس نحو تسوية إسرائيلية-فلسطينية. بالنسبة لواشنطن، فإن عدم إحراز إسرائيل تقدمًا يسمح لها بالاحتفاظ بـ”الأوراق المهمة”، أي الدفاع والسلاح النووي، إلى أن يصبح التوصل إلى اتفاق تطبيع حقيقي ممكنًا.
من منظور إسرائيل
تُعد زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن حدثًا معقدًا، إذ تُمثل فرصة تاريخية، وفي الوقت نفسه، مخاطر كبيرة. في الواقع، لا يقتصر الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والسعودية على الأسلحة والتطبيع بين الرياض والقدس فحسب، بل يُمثل جزءًا من انتقال السعودية إلى موقع قيادي كحليف استراتيجي وجزء من المحور الأمريكي في الشرق الأوسط. لذلك، سيتعين على إسرائيل إعادة تعريف دورها كشريك مُبادر في إطار هذه البنية التي تُروج لها الإدارة الأمريكية بعزمٍ كبير.
الفرص
ترسيخ الوجود الأمريكي وبنية إقليمية جديدة – من منظور إسرائيل، تتمثل إحدى النتائج الإيجابية المُحتملة في ترسيخ الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط على المدى الطويل. اتفاقية أمنية مع المملكة العربية السعودية، مُتكاملة مع مجموعة واسعة من الدول المُؤيدة لأمريكا (مصر، الأردن، الإمارات العربية المتحدة). سيُهيئ هذا الواقع بيئةً أكثر وديةً حول إسرائيل، حتى وإن كان على المستوى الرسمي فقط، مع إمكانية توثيق التعاون الأمني والاقتصادي والتكنولوجي.
إن تحقيق عملية التطبيع مع السعودية – حتى لو كانت في البداية بخطوات محدودة ومشروطة – سيُمثل إنجازًا كبيرًا في تعزيز مكانة إسرائيل وعملية اندماجها في العالمين العربي والإسلامي، وسيُكمل أيضًا عملية بدأت بـ”اتفاقيات إبراهيم”. ومع ذلك، من الواضح أن على السعودية أن تُقدم للرأي العام ودول المنطقة تغييرًا حقيقيًا في السياق الفلسطيني: تحسن في الواقع في قطاع غزة والتزامًا بعملية سياسية.
المخاطر
تُشكل الجوانب الأمنية للصفقة – بيع أنظمة أسلحة متطورة للسعودية، والشراكة في برامج دفاعية إقليمية، وربما مشروع نووي مدني مستقبلي – مصدر قلق في إسرائيل. ويتمثل القلق الرئيسي في الإضرار بـ”الميزة النوعية” لإسرائيل، وتخفيف القيود على نقل الأسلحة المتطورة إلى الرياض مستقبلًا، وبناء نموذج يُشجع دول الخليج الأخرى على المطالبة بمشاريع نووية مماثلة. إن مجرد الموافقة الأمريكية على الحديث عن الطاقة النووية المدنية في السعودية قد يُشكل سابقةً مُقلقةً في المنطقة، لكن محاولة إحباط المشروع تمامًا قد تدفع الرياض إلى البحث عن مسارات بديلة. وبينما لا تستطيع إسرائيل منع الولايات المتحدة من إقامة علاقة أمنية وطيدة مع السعودية، إلا أنها تمتلك القدرة على التأثير في تفاصيل الاتفاق؛ فإذا حاولت منع بيع الأسلحة المتطورة تمامًا ونجحت مساعيها، يُمكن للسعودية أن تلجأ إلى الصين/فرنسا/بريطانيا، وعندها ستجد إسرائيل نفسها في موقفٍ أقل ملاءمةً، وبدون آليات رقابة أمريكية. ومن المُرجح أن يُقابل الضغط الإسرائيلي على الكونجرس لمنع بيع الأسلحة للسعودية بانتقاداتٍ من الإدارة.
تهميش إسرائيل، أم دمجها في العملية؟ – السيناريو الإشكالي من وجهة نظر إسرائيل هو وضعٌ تُحدد فيه النقاط الرئيسية للاتفاقيات بين واشنطن والرياض، مع إعطاء أولوية واضحة للمصالح السعودية والأمريكية، ولا تُستنتج آثارها على إسرائيل إلا في مرحلةٍ لاحقة – إن وُجدت أصلًا. في هذا السيناريو، قد تجد إسرائيل نفسها أمام أمر واقع في جميع المسائل المتعلقة بالاتفاقيات الأمنية والنووية والاقتصادية، وتُضطر إلى التكيف معها بأثر رجعي. أما السيناريو الأكثر إيجابية فهو انخراط إسرائيل بفعالية في العملية: المشاركة في مناقشات أنظمة الدفاع، وتنسيق الخطوات ضد إيران ووكلائها، وتعزيز المشاريع الاقتصادية مع المملكة العربية السعودية التي تعود بالنفع على “رؤيا 2030” السعودية والاقتصاد الإسرائيلي.
توصيات سياسية
على إسرائيل أن تتصرف كشريك لا متفرج – فالواقع الناشئ في الشرق الأوسط ليس تحت سيطرة إسرائيل بالكامل، ولكنها قادرة على التأثير فيه. ينبغي على إسرائيل تعميق حوارها المباشر مع واشنطن والرياض، ليس فقط عبر القنوات الرسمية، بل أيضًا عبر قنوات التنسيق غير الرسمية والعلاقات التجارية، لتضع نفسها كشريك طبيعي في الهيكل الجديد، لا كطرف فاعل يستجيب بأثر رجعي للاتفاق الأمريكي السعودي.
يجب تحديد “الخطوط الحمراء” ومساحة المرونة – على إسرائيل أن تحدد لنفسها وللولايات المتحدة النقاط المحظورة عليها: ما نوع الأسلحة المتطورة التي لن تُباع للسعودية دون تعويض أمني كبير؟ ما هي القواعد الدنيا للاستخدام التي تمنع الاستخدام المزدوج للأسلحة النووية المدنية؟ التزام أمريكي يضمن ألا تُهدد القدرات المنقولة إلى السعودية أمن إسرائيل بشكل مباشر، بدءًا من مستوى الوسائل التي سيتم نقلها، مرورًا بآليات مراقبة الأسلحة النووية المدنية، ووصولًا إلى دمج إسرائيل في أنظمة الدفاع الجوي والفضائي التي من شأنها تقليل المخاطر عليها. ولأن إسرائيل تزداد اعتمادًا على المظلة الأمريكية، عليها تحديد خطوط حمراء واضحة، خشية أن تنجرّ إلى وضعية دولة محمية، حين لا تجد خيارًا سوى إعادة النظر فيما تقرر بأثر رجعي متجاوزةً إياه.
من الأفضل لإسرائيل أن تستعد لتحديد الثمن الذي ستدفعه لنفسها في السياق الفلسطيني، وأن تحاول صياغته – فمن المرجح أن يتضمن أي مخطط مقترح للتطبيع بين إسرائيل والسعودية مكونًا فلسطينيًا. مبدئيًا، يمكن لإسرائيل الاختيار بين المعارضة التلقائية، التي ستضعها في موقف “عرقلة” العملية، ومحاولة البدء في صياغة الثمن وتشكيله ليكون أكثر منطقية من وجهة نظرها. قد يكون خيار إسرائيل بين سعر معقول ومتدرج بمبادرة ذاتية، وسعر يُملى من الخارج كشرط أساسي للتطبيع.
ينبغي النظر إلى التقارب الأمريكي السعودي كجزء من صراع استراتيجي أوسع نطاقًا – فزيارة ولي العهد لواشنطن ليست مجرد “حدث سعودي”، بل هي جزء من جهد أوسع تبذله إدارة ترامب لإعادة تشكيل الشرق الأوسط في عصر تنشغل فيه الولايات المتحدة أيضًا بساحات أخرى – المنافسة مع الصين، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتحديات الهجرة إلى أراضيها، والتحديات المتعلقة بالتكنولوجيا المتقدمة. بالنسبة لإسرائيل، لا يقتصر السؤال على نتائج الزيارة فحسب، بل أيضًا على قدرتها على التكيف مع النمط الجديد للسياسة الأمريكية في المنطقة. هذا في ضوء توقعات واشنطن من حلفائها بزيادة حصتهم في تحمل العبء الأمني. لذلك، من المهم أن تتمكن إسرائيل من تبني مفهوم “شراكة مبادرة”، وإلا فقد تجد نفسها في بيئة استراتيجية شُكِّلت بدونها، لكنها تتطلب منها إجراء تعديلات على سياستها الأمنية.




